مجموعة لااخضرار بلا جذور


    المعتمد بن عباد

    شاطر
    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    المعتمد بن عباد

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 7:23 am

    وأحرق القائد سفنه .., فأجهز على كلّ جبانٍ يفكّر في الهزيمة ، ووقف يلقي خطبته المشهورة : ((أيّها الناس …أين المفرّ ؟ …
    وهكذا .. وكلّما ذكرت الأندلس تعتصر قلوبنا أسىً وحسرةً ، على شجاعة هؤلاء حيناً وعلى ذلك الفردوس المفقود حيناً آخر .
    والآن …. ونحن نعيد عقارب الساعة إلى الوراء ، نسترجع التاريخ ، نقرأ فيه نقوشاً عربيّةً إسلاميّة تزيّن قصور غرناطة وأشبيليّة وقرطبة ، وسطوراً تحكي عظمة هؤلاء الذين ما ظنّوا يوماً أن يصبح العرب عظةً واعتباراً ، تضيع أرضهم أو يتنازل عنها أهلها أو يسكنوا فوقها خانعين ، تمزّقهم العداوة والخلافات وتشتتهم الكراسي والرياسات .
    ولكلّ زوالٍ أسباب ….ومهما تنوّعت الأسباب فالموت واحدُ … ويبقى الأدب مؤرّخاً صادقاً يكتب بالعواطف أحداثاً لا يرقى إليها الشكّ ولا تصل إليها الظنون .
    وقبل أن ندخل في رحاب الأدب والشعر ونعيد ما قالته أمّ عبد الله الصغير لولدها مودّعاً آخر ملك في الأندلس : ابك مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال
    نمسك قلوبنا خوفاً من تجدد الإعصار الذي عصف بالأندلس قبل ألف عام فذهب بما كسب أجدادنا ، أن يعصف بالشرق فيودي بحياضنا الذي أمسى شعوباً وقبائل ينسون حبل الله بالنعمة ، وتتنافر قلوبهم بالنقمة ، ولا يجمعهم إلاّ رسول شجاعةٍ وحكمة ، يحذّر من أن يصل بنا تشابه الحال إلى تشابه المآل فنتفرّق ونضعف ويرتمي بعضنا في أحضان الأعداء طلباً للنصرة والحماية ، ويضطرّ بعضنا الآخر للمداراة والمهادنة وصدق المتنبي حين قال : ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى عدوّاً له ما من صداقته بدّ
    فيا نكد الدنيا ألا أنت مقصرٌ عن الحرّ حتّى لا يظل له ضدّ
    ( يدخل الشاعر المعتمد بن عبّاد منشداً )
    إن يسلب القوم العدى ملكي وتسلمني الجموع
    فالقلب بين ضــلوعــــه لم تسلم القلب الضلـــــوع
    لمّا تماسكت الدمـــــــــــو ع تنبّه القلب الصديــــــع
    قالوا الخضوع سياسة فليبد منك لهم خضــوع
    وألذّ من طعـــم الخضو ع على فمي السمّ النقيع
    قد رمت يوم نزالهم ألا تحصّنني الــــــدروع
    وبرزت ليس سوى القميـــــــــــــص عن الحشا شيءٌ دفوع
    أجلي تأخّر ..لم يكن برضاي ذلّي والخنـــــــوع
    ما سرت يوماً للقتال وكان من أملي الرجوع
    شيم الألى أنا منــــــهم والأصل تتبعه الفــــروع
    القاضي: أهلاً بك يبن عبّاد …. تفضّل فاسترح
    الشاعر: ما هذا ؟ … هل قامت الساعة ؟ … يا إلهي أأبعث من وراء القضبان ؟ ..أما شبعت منّي في حياتي ؟ ..أما كفاني ما لقيت منها في أغمات ؟ .. أم يبعث الإنسان من المكان الذي مات فيه ؟ .
    القاضي: لا يابن عبّاد ..لم ينفخ في الصور بعد
    الشاعر: إذن أين أنا ؟
    القاضي: أنت في محكمة نقدٍ أدبيّة تكشف النقاب عن كنوز أدبنا الثمينة وتدرس آثارهم وأنت منهم , وستبحث اليوم أيضاً في أسباب ضياع الأندلس وما لك وما عليك في هذا الميدان
    الشاعر: الحمد لله .إذ كنت بينكم ، فمجلس الشعر والأدب أثير عندي محببٌ لديّ ، والأدباء والشعراء هم آخر من بقي وفيّاً لي لمّـــا :
    تبدّلت من عزّ ظلّ البنود لذلّ الحديد …. وثقل القيود
    وكان حديدي سناناً ذليقاً وعضباً رقيقاً صقيل الحديد
    لقد صار ذاك وذا أدهماً يعضّ بساقيّ عضّ الأسود
    محامي الدفاع: ألتمس من المحكمة أن تحاكم موكلي خارج القضبان ، لما له من مكانةً عليّةٍ وفضلٍ عميم ٍ وأصلٍ كريم
    ممثّل الاتهام: عفواً حضرة القاضي … وهل يحاكم متّهم خارج قفص الآتهام ؟ ثمّ عن أيّة مكانةٍ وعن أيّ فضلٍ يتحدّث محامي الدفاع ؟ إنّ بني عبّاد أيّها السادة بغطرستهم وبطشهم ومجونهم يتحمّلون القسط الأكبر من أسباب ضياع الأندلس
    القاضي: لك ما تريد يا ممثّل الاتهام … ما تعوّدت محكمتنا أن تفعل ذلك أمّا عن اتّهاماتك للرجل فاحتفظ بها إلى أن نستجوبه ونعرف منه أصله وفصله
    (إلى المعتمد ) هل لك أن تعّرفنا بنفسك وأهلك وتروي لنا قصّتك يابن عبّاد ؟
    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    المعتمد بن عباد

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 7:32 am

    محامي الدفاع: وما مسؤوليّة بني عبّاد في هذه القضيّة ؟ وهل يسألون عن تجزئة البلاد وهم من حاولوا توحيدها ؟ ألم يحاول المعتضد والد المعتمد أكثر من مرّةٍ لمّ شمل العرب وتوحيدهم ولو بالقوّة ؟
    ممثّل الاتهام: عفواً أيّها الزميل … إنّ هذا الرجل القابع في قفص الاتهام شأنه كشأن كلّ الزعماء العرب الضعفاء الذين ظهروا بعد سقوط الدولة الأمويّة في الأندلس ، فهو صورة عن كلّ حاكم مدينةٍ نصّب من نفسه ملكاً ولو على قريةٍ صغيرةٍ وراح يكيد لأقرانه ويشنّ الحرب عليهم ويفرح بانتصاراتٍ زائفةٍ على إخوته وكأنّه حقق النصر الأكبر ، ويا لسعادته إذا استطاع أن يعتدي علىإمارةٍ ضعيفةٍ بجواره ليضمّها إلىدولته طمعاً بأرضها وثرواتها لا رغبةً في الوحدة إنّما إرضاءً لنهمه في البذخ والترف وإشباعاً لنزواته في الغطرسة والبطش ، فيأتي برأس حاكمها ولو كان أخاه ويقيم الأفراح والليالي الملاح ، ويستقبل من الشعراء من يمدحونه بالنصر العظيم فينتشي ويطرب وينثر فوق رؤوسهم الدرر بسخاءٍ عزّ نظيره ثمّ يطلق على نفسه الألقاب الطنّانة فهذا المقتدر وهذا المظفّر وذاك المعتضد أو المعتمد أو الظافر ، وصدق ابن رشيقٍ القيروانيّ حين قال :
    مما يزهّدني في أرض أندلسٍ أسماء معتضــــــدٍ فيها ومعتمــــــــد
    ألقاب مملكةٍ في غير موضعها كالهرّ يحكي انتفاخاً صولة الأسد
    ويسرف الشعراء بالإشادة ببطولات هؤلاء القتلة ، فهذا ابن الحداد يمدح المقتدر صاحب المرّيّة بعد انتصاره على أخيه المظفّر في سرقسطة فيقول :
    مساعيك في نحر العدو سهام ورأيك في هام الضلال حسام
    ولمحك يردي القرن وهو مدججٌ وذكرك يثني الجيش وهو لهام
    كأنّك لا ترضى البسيطة منزلاً إذا لم يطــنــّبها عليك قتــــام
    وذاك أبو بكرٍ الداني يمدح المتوكّل صاحب بطليوس بعد أن أوقع ببعض قومه في الجوف فيقول :
    مضيت حساماً لا يفلّ له غربُ وأبت غماماً لا يحدّ له سكبُ
    وأصبحت من حاليك تقسم في الورى هباتٌ وهبّاتٌ هي الأمن والرعب
    كتائب نصرٍ لو رميت ببعضها بلاد الأعادي لم يكن دونها دربُ
    بطولات وقادة وشعراء في نحور الأهل ، فأين كانت تلك الكتائب عندما هاجم الأسبان العرب ؟ أوهامٌ وأوهام ، لقد زيّف هؤلاء الحكّام الانفصاليين كلّ القيم وباعهم الشعراء بضائعهم فملأوا جيوبهم بالعطايا والهدايا فأغلقوا أفواههم إلاّ عن مديح رخيصٍ وتزلّفٍ أعمى
    واعلموا أيّها السادة أنّكم لن تجدوا قصيدةً واحدةً قيلت في مدح فاتح الأندلس طارق بن زياد أو قائده موسى بن نصير مما يؤكّد أنّها أوهامٌ تجسّد التجزئة وتنفخ في أبواق الحكّام المزيّفين .
    محامي الدفاع: مهلاً أيّها الزميل …. ومتى كان إكرام الخلفاء والحكّام للشعراء عاراً وعيباً ؟ وهل يعاب المعتصم بن الرشيد على إكرامه أبا تمّام حين مدحه بعد فتح عمّورية ؟ أو يلحق العار بسيف الدولة لإكرامه المتنبي الذي خلّده وخلّد انتصاراته ؟ . وبلسانك قلت أنّها زعاماتٌ ضعيفةٌ وكياناتٌ هشّةٌ وعروشٌ كليلة ، والحاجة ماسّةٌ في كلّ زمن إلى دولةٍ قويّةٍ ومتّحدة تنصهر فيها تلك الدول الضعيفة المشتتة ، ولن يتمّ ذلك إلاّ بطريقةٍ واحدة ، فموكلي المعتمد عندما عجز عن ضمّ قرطبة بالتفاهم وبسط سيطرته عليها بالقوّة لم يكن يريد إلا إقامة دولةٍ عربيّةٍ تقف في وجه الأسبان ويسخّر إمكاناتهاوقدراتها المبعثرة للدفاع والتصدّي لأطماع الفونسو
    القاضي: إنّا لقومٌ أبت أخلاقنا شرفاً أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا
    إننا ندين كلّ عدوانٍ أواستلاب لأراضي الآخرين بالقوّة ، فكيف إذا كان المعتدى عليه أخاً عربيّاً مسلماً ؟ إنّ هذا الأسلوب يجسّد التجزئة ولا يقيم وحدةً أو دولةً قويّةً ، فمن يعتدي على أخيه طمعاً بأرضه وماله سيأتيه يومٌ لا يجد فيه أخاً ينصره أو صديقاً يشدّ أزره ….وما التهمة الأخرى التي ألمحت إليها يا ممثّل الاتهام ؟
    ممثّل الاتهام: حضرة القاضي إنّ ما كرّس التجزئة والضعف وأدّى إلى انهيار الدولة انغماس هذا الرجل وأمثاله في اللهو والترف وتباهيه بالمجون وشرب الراح والعربدة وامتياح مراتع المتع الحسّيّة حتّى أطلقوا عليه لقب شاعر الخمرة والمرأة ، اسمعوه وهو يقول :
    ولقد شربت الراح يسطع نورها والليل قد مدّ الظلام رداءَ
    حتّى تبدّى البدر في جوزائه ملكاً تباهى بهجةً وبهاءَ
    لمّا أراد تنزّه في غربةٍ جعل المظلّة فوقه الجوزاءَ
    وترى الكواكب كالمواكب حوله رفعت ثريّاها عليه لواءَ
    وحكيته في الأرض بين مواكبٍ وكواعبٍ جمعت سناً وسناءَ
    وهاكم شاهداً آخر من قصيدةٍ يصف فيها إحدى لياليه الحمراوات فيقول :
    وليلٍ بسدّ النهر لهواً قطعته بذات سوارٍ مثل منعطف النهر
    نضت بردها عن غصن بانٍ منعّمٍ فيا حسن ما انشقّ الكمام عن الزهر
    وباتت تسقّيني المدام بلحظها فمن كأسها حيناً وحيناً من الثغر
    وتطربني أوتارها وكأنني سمعت بأوتار الطلى نغم البتر
    فبالله عليكم هل يعقل أن يكون هذا وأمثاله ملوكاً وحكّاماً يقوم بهم أمر الأمّة ؟ ويشتدّ بهم عودها ، وهل يقدرون أن يدفعوا عنها غوائل الدهر ؟ .
    محامي الدفاع: عفواً حضرة القاضي .. إنّ الشعر الذي ذكره زميلي ممثّل الاتهام ما هو إلاّ من نزوات الشباب وأشعار مقتبل العمر ، وللشباب نزواته ومبرراته ، ثمّ إنّ موكّلي قال هذه الأشعار وهو لا يزال أميراً في كنف أبيه المعتضد الرجل القويّ مما أفسح له في المجال ليعيش حياة الشباب فيلهو قليلاً ويمرح في جوّ الأندلس البديع الذي خلب ألباب الشعراء وجعلهم يهيمون في سحره الفتّان ، ولعمري إنّ بيئةً كتلك البيئة لقادرة أن تحرّك في النفس كلّ مشاعر البهجة ، فكيف إذا كان الإنسان شاعراً رقيق العاطفة مرهف الأحاسيس تفيض نفسه حيويّةً وشباباً وغنىً
    ألم ينشد شعراء الأندلس الطبيعة أروع القصائد حبّاً وهياماً وسحرا؟
    سقى جوف الرصافة مستهلٌّ تؤلّف شمله أيدي الرياح
    محلّ ما مشيت إليه إلاّ مشى فيّ ابتهاجي وارتياحي
    كأنّ ترنّم الأطيار فيه أغانٍ فوق أوتارٍ فصاح
    كأنّ تغنّي الأطيار فيه عذارى قد شربن سلاف راح
    كأنّ تثنّي الأشجار نصلٌ صقيل المتن هزّ إلى كفاح
    كأنّ رياضه أبراد وشيٍ تعطّف فوق أعطافٍ ملاح
    القاضي: نعم إنّ للشباب نزواته وللطبيعة الأندلسيّة بما حوت من نضرةٍ وخضرةٍ ووجه حسن وربيعٍ دائمٍ أثرها الذي فتن كلّ من فيها ، فهاموا نشاوى بها وقد توفّرت للمعتمد فوق هذا أسبابٌ كافيةٌ من مالٍ وجاهٍ وجمال فهو ابن الملك ـ وهكذا دأب أبناء الملوك ـ فتاه ولها ودفع الثمن غالياً فيما بعد وكان الأجمل لو أنّ هذه الأسباب لم تحرفه عمّا كان منتظراً منه .
    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    المعتمد بن عباد

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 7:34 am

    ممثّل الاتهام: أجل حضرة القاضي .. لقد استغلّ المعتمد بن عباد تلك الأسباب التي ذكرت على غير الوجه الذي ينشده الناس من أميرٍ سيغدو حاكماً يسوس الناس عدلاً ويرعى مصالحهم قوّةً ، لقد صرف همّه ليل نهار ليطوف هنا وهناك لاهياً بالنساء متباهياً بذلك أليس القائل :
    وكم ليلةٍ قد بتّ أنعم جنحها بمخصبة الأرداف مجدبة الخصر
    وبيضٍ وسمرٍ فاعلاتٍ بمهجتي فعال الصفاح البيض والأسل السمر
    ويمضي المعتمد وقته عابثاً يتصيّد كناس العذارى يتخيّر منها ما يشاء ، ألم يختر اعتماد الرميكيّة بذات الطريقة ؟ ومن يختر زوجته بهذه الطريقة ليس من الغريب عليه أن يقول فيها
    أباح لطيفي طيفها الخدّ والنهدا فعضّ به تفّاحةً واجتنى وردا
    وألثمني ثغراً شممت نسيمه فخيّل لي أنّي شممت به ندّا
    هي الظبي جيداً والغزالة مقلةً وروض الربا عرفاً وغصن النقا قدّا
    محامي الدفاع: ما هذا يا ممثّل الاتهام ؟ أما كفاك تشويهاً للحقائق ودفع الأمور في غير مجاريها ؟ .
    فالمعتمد بن عبّاد ليس كما ادّعيت وبالغت فهو لا يعرف من النساء إلاّ زوجته اعتماد هذه وكلّ ما قاله من شعر غزليٍّ كان لها ، فهو متيّم بامتلاك زوجته له وهي التي شغلت أكبر حيّز من حياته تلاعباً برقيق عواطفه ورفيع مشاعره ، وهي الوتر المطرب في قيثارة شعره تستحوذ قلبه وتستأثر بصادق ودّه .
    أمّا هذه الأبيات التي ذكرتها فهي رسالةٌ من الشاعر إلى زوجته بعد أن تركها في أشبيليّة وخرج ليوطّد حكمه في قرطبة وبقي بعيداً عنها يكابد شوقه إليها وقد رآها في منامه فكتب لها هذه الأبيات يروي لها مغامراته معها في ذلك الحلم ، وهو لم يحسب حساباً لخيانة الدهر وأنّه سيفشي أسراره مع زوجته ، وهاكم أبياتاً منها تؤكّد أنّها حلم لا حقيقة :
    أباح لطيفي طيفها الخدّ والنهدا فعضّ به تفّاحةً واجتنى وردا
    ولو قدّرت زارت على حال يقظةٍ ولكن حجاب البين ما بيننا مدّا
    أما وجدت عنّا الشجون معرّجاً ولا وجدت منّا خطوب النوى بدّا
    سقى الله صوب القطر أمّ عبيدةٍ كما قد سقى قلبي على حرّه بردا
    ممثّل الاتهام: ايّ وفاءٍ وأيّ إخلاصٍ بل وأيّة حشمةٍ تلك التي تدعو موكلك أن يخاطب زوجته جهاراً وبشعرٍ لا نزال نرويه حتّى اليوم
    إنّي رأيتك في المنام ضجيعتي وكأنّ ساعدك الوثير وسادي
    وكأنما عانقتني وشكرت ما أشكوه من وجدي وطول سهادي
    وكأنني قبّلت ثغرك والطلى والوجنتين ونلت منك مرادي
    وهواك لولا أنّ طيفك زائرٌ في الغبّ لي ما ذقت طعم رقادي
    ألا يستحي موكلك يا رجل ؟‍ ‍‍ ‍‍.‍
    الشاعر: لقد تركت لك ولأمثالك الخجل والحياء … يامن تعيبون عليّ أن أتغزّل بزوجتي وتبيحون لأنفسكم ولشعرائكم أن يتغزّلوا بالأجنبيّات ، أيّ قانونٍ أم أيّة شريعةٍ علّمتكم ذلك ؟ أجل لقد تغزّلت بزوجتي ونظمت فيها أحلى قصائدي وكنت أبعثها لها على شكل رسائل خاصّة ولم يخطر ببالي أنّها سوف تذاع في يومٍ من الأيّام ويطّلع عليها الناس ، أفيلام الرجل إذا باح لزوجته بمكنون فؤاده ؟
    القاضي: لا … لالوم عليك يا أبا القاسم ، وهل لك أن تسمعنا شيئاً من ذلك الغزل ؟
    الشاعر: حبّاً وكرامةً ، لقد كتبت لزوجتي اعتماد قصيدةً ضمّنتها في مطلع كلّ بيتٍ حرفاً من حروف اسمها فقلت:
    1- أغائبة الشخص عن ناظري وحاضرةٌ في صميم الفؤاد
    2- عليك السلام بقدر الشجون ودمع العيون وطول السهاد
    3- تملّكت منك شموس الحران وصادفت منّي سهل القياد
    4- مرادي أعياك في كلّ حين فياليت أنّي أعطى مرادي
    5- أقيمي على العهد ما بيننا ولا تستحيلي لطول البعاد
    6- دسست اسمك الحلو في طيّه وألّفت منه حروف (اعتماد)
    محامي الدفاع: أرأيتم أيّها السادة ما أجمل هذه الأبيات ؟ إنني أريد أن أسأل ممثّل الاتهام ترى كيف يتغزّل الشعراء إذا لم يكن هذا غزلاً ؟‍ ؟ وهل يعاب الفتى إذا طاف البلاد بحثاً عن شريكة حياته ؟ حتّى إذا وجدها أخلص لها الودّ واستغنى بها عن غيرها من النساء ، وقصّة إعجابه بها واختياره لها من أجمل القصص ، فاعتماد الرميكيّة لم تأسر قلب الشاعر بحسنها فحسب أو بنسبها وهي جارية الرميك …وإنّما أسرته بفطنتها وأدبها وتذوّقها للشعر
    القاضي: وما هذه القصّة التي يتحدّث عنها محامي الدفاع يا أبا عبيدة ؟
    الشاعر: لا تذكّرني بها يا حضرة القاضي … فقلبي لم يعد يعرف السعادة حتّى ولو بالذكرى … فليروها لك محامي الدغاع عنّي .
    القاضي: على راحتك .. اروها لنا يا محامي الدفاع
    محامي الدفاع: حضرة القاضي..بينما كان المعتمد وصديقه الشاعر ابن عمّار يطوفان في أرجاء البلاد ، مرّا على نبع ماءٍ حوله بعض النسوة حافياتٍ يغسلن الثياب ، والماء يتدفّق نقيّاً رقراقاً تحت أشعّة الشمس ونسمات الريح العليلة تدغدغ وجه الماء ، فحرّك المشهد في نفس المعتمد دواعي الشعر فقال مرتجلاً :

    ((نسج الريح على الماء برد ….
    وطلب من ابن عمّارٍ أن يكمل البيت ، فأرتج عليه ، وإذا بصوتٍ موسيقيٍّ ناعمٍ من جانب النهر يجيزه :
    ……أي درع لقتالٍ لو جمد ))
    وذهل الشاعران والتفتا إلى مصدر الصوت وإذا بفتاةٍ فبها سحر الربيع وسرّ الجمال ، فسأل المعتمد عنها فإذا بها جارية الرميك فسارع المعتمد إلى تحريرها وأسماها اعتماداً ثمّ تزوجها وكانت أمّاً لأولاده وزوجةً أخلص لها ودّه ووهبها شعره وقلبه .
    ممثّل الاتهام: ولماذا إذن عيّره صديقه ابن عمّار بها في قوله :
    تخيّرتها من بنات الهجان رميكيّةً لا تساوي عقالا
    فجاءت بكلّ قصير العذار لئيم النجارين عمّاً وخالا
    قصار القدود ولكنّهم أقاموا عليها قروناً طوالا
    فما كان منها إلاّ أن أغرته بقتله فقتله انتقاماً لها .
    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    المعتمد بن عباد

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 7:36 am

    محامي الدفاع: لا يا ممثّل الاتهام …. ليس الأمر كما ذكرت ، بل إنّ ابن عمّار هذا كان مثالاً للخسّة والدناءة والغدر ، فقد أساء لمن أحسن إليه وهل جزاء الإحسان إلاً الإحسان ؟ … لقد كان ابن عمّار شيطاناً أغرى المعتمد بغزو مرسيّة بغتةً وسارع إلى إعلام حاكمها المأمون بن ذي النون بما يدبر له فكانت النتيجة أن هزم جيش المعتمد شر هزيمة فما كان من المعتمد بعد أن تبيّن له الأمر إلاّ أن قتله بيده جزاءً لخيانته
    ولقد عبّر أحد أصدقاء ابن عمّار وهو ابن عبدون عن استيائه من خيانته مع أنّه من أخلص أصدقائه حيث قال :

    عجباً له أرثيه ملء مدامعي وأقول لا شلّت يمين القاتل
    أعلمت يا ممثّل الاتهام لماذا قتل المعتمد ابن عمّار منزلاً به القصاص العادل ؟؟
    القاضي: مهلاً يا محامي الدفاع ودع الفرصة لممثّل الاتهام ليكمل حديثه .
    ممثّل الاتهام: شكراً حضرة القاضي … ولست أريد أن أدخل في جدلٍ عقيمٍ مع الدفاع عن سبب قتل ابن عمّار لانشغالي بما هو أهمّ وهو كيف تحوّلت جارية الرميك ملكةً يسخّر لها زوجها الملك كلّ إمكانات الدولة لتهدر تحت قدميها العاريتين بالأمس ولينفق ما في خزينة الدولة من مالٍ لترضي شهواتها ؟
    ألم يغرس اللوز في كلّ جبال أشبيليّة إرضاءً لذوقها لتمتّع ناظريها بمنظر زهوره في الربيع لأنّه يشبه الثلج الذي تحبّ أن تراه يغطّي جبال أشبيليّة ؟
    ألم يشتر من يهوديٍّ عقداً بخمسين ألف دينارٍ ليزيّن به جيدها الجميل ؟
    وفوق هذا وذاك ليتها كانت وفيّةً له مقدّرةً لمشاعره حافظةً لحقوقه فهي كبعض النسوة الجاحدات المنكرات للجميل واللواتي يصدق فيهن قول الشاعر :
    إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله فليس له من ودّهنّ نصيب
    الشاعر: أيّها القاضي ماذا يريد منّي هذا الرجل ؟ أويصل به الأمر إلى الطعن بزوجتي ؟
    ألم يقل منذ قليلٍ إنني قتلت بيدي من عيّرني بها ؟ أجئتم بي إلى هنا لإذلالي ؟ خاب والله فألكم
    القاضي: لا يا أبا عبيدة … فنحن لا نريد إلاّ إنصافك من كلّ ظلم ، أمّا ما يقوله ممثّل الاتهام فلا يعدو كونه تهماً سنمحّصها بعين العدالة فاطمئن.
    ممثّل الاتهام: ولماذا تضايق الحقيقة المتّهم ، وهو لم يسمع منها بعد إلاّ النذر اليسير …
    ألم تقل له زوجته الوفيّة في ساعة ضيقٍ بعد وقوعه في الأسر : (( لم أر منك يوماً أبيض ))
    ألم يقل لها مجيباً والأسى يعتصر فؤاده : (( حتّى ولا يوم الطين ))
    الشاعر: لا… لم يكن ذلك في الأسر .. كان ذلك حبّاً بي ورغبةً في قربي ، عندما شغلني الملك عنها ، إنّها كانت أكثر من وفيّة وقد تحمّلت معي السرّاء والضرّاء حتّى أنّها سبقتني إلى الخلود .
    القاضي: وما يوم الطين الذي ذكره ممثّل الاتهام يا أبا عبيدة ؟
    الشاعر: إنّ ممثّل الاتهام يجعل من الحبّة قبّةً ويلومني على ألوان المتع التي أباحها الله لعباده ، ألم يقل عزّ وجلّ في محكم آياته (( قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده ، والطيبات من الرزق ، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصةً يوم القيامة )) أم أنّ الطيّبات مباحةٌ لغيري محرّمةٌ علي ؟
    ممثّل الاتهام: إنّ المتّهم يتهرّب من الجواب يا حضرة القاضي … فيوم الطين هو البرهان القاطع على إسراف الرجل وتبذيره ، فقد وصل الأمر برميكيّته يوماً أن تفتح شبّاك قصرها فترى القرويّات يبعن اللبن في أسواق أشبيليّة حافياتٍ وقد شمّرن عن سوقهنّ ، فتحنّ إلى أصلها ، ويستهويها ذلك المنظر وتشتهي تقليدهنّ ، وتصارح الجارية الملكةُ عبدها أعني زوجها برغبتها تلك وبدلاً من أن يؤنّبها أو يرميها من شبّاك القصر أعدّ لها ولجواريها وبناتها خليطاً من الكافور والمسك والعنبر يشبه الطين ، ولكنّه أيّ طين ، إنّه طين المترفين ، فخاضت وبناتها وجواريها حافياتٍ وهو ينظر إليهنّ سعيداً ، ذلك يوم الطين أيّها السادة ، وهل بعد هذا نحتاج إلى دليلٍ على إسراف هذا الرجل وتبذيره لأموال الدولة والرعيّة على ملذّاته وملذّات زوجته المصون ؟
    محامي الدفاع: لقد كان موكلي أيّها السادة كريماً بطبعه في يسره وعسره ، فعندما وفد عليه أبو بكرٍ الداني وهو أسيرٌ في أغمات أعطاه عشرين مثقالاً من ذهب ربّما كانت آخر ما يملك وقد شفعها بقصيدةٍ تفيض بالتفجّع على حاله في تأملاتٍ تدعو للعظة والاعتبار :
    إليك النزر من كفّ الأسير فإن تقبل تكن عين الشكور
    تقبّل ما يذوب له حياءً وإن عذرته حالات الفقير
    ولا يعجب لخطبٍ غضّ منه أليس الخسف ملتزم البدور
    ورجّ بجبره عقبى نداه وكم جبرت يــداه من كسير
    فقد نظرت إليه عيون نحسٍ مضت منه بمعدوم النظير
    نحوسٌ كنّ في عقبى سعودٍ كذاك تدور أقدار القدير
    القاضي: لا بدّ من القول أنّ المعتمد كان متلافاً للمال مسرفاً في هباته وعطاياه ، وقد صدق ابن خلدون حين قال ((الترف مؤذّنٌ بخراب الدول ) ) وكان المعتمد من المترفين المبذّرين
    ممثّل الاتهام: لدرجةٍ أفرغت خزانة الدولة وجعلتها عاجزةً عن تسديد رواتب الجند ، مما أضعف هيبة الدولة ، ومما زاد الطين بلّةً اضطراره لدفع الأتاوة لملك الأسبان لقاء حمايته والحفاظ علىكرسي ملكه ، ثمّ ألم يزوّج إحدى بناته لألفونسو ليأمن جانبه ، وليتها أجدت نفعاً ، لقد أعطت الفرصة للصهر العدو ليتفرّغ لاحتلال طليطلة ، ولمّا فرغ منها أرسل رسوله إلى المعتمد رافضاً أتاوته وطالباً منه التخلّي عن عرش أشبيليّة له
    محامي الدفاع: كفى تجنياً وتشويها لحقائق التاريخ وقذف الأشجار المثمرة بالحجارة ياممثل الاتهام
    أيّها السادة ..لقد كان المعتمد يدفع الضريبة لألفونسو ليؤجّل المعركة ويستعدّ لها ، وأمّا مصاهرته له فمحض افتراءٍ ، بل كان يرسل الوفود إلى ملوك الطوائف علّه يجد لديهم ما يشدّ به أزره للوقوف في وجه الأسبان ، ولكنّه كان كمن ينفخ في قربةٍ مثقوبة ، ولمّا خاب أمله فيهم ويئس من نصرهم له وهو يعلم ما هم عليه من الضعف والوهن كتب إليهم يستشيرهم بالاستعانة بابن تاشفين أمير المرابطين في المغرب فكتبوا إليه يخذلونه قائلين : ((الملك عقيم ، والسيفان لا يجتمعان في غمدٍ واحد )) وانطلاقاً من نخوته العربيّة ورغبته في بقاء العروبة والاسلام في بلاد الأندلس ردّ عليهم بقولته المشهورة L(والله إنّ رعي الجمال عند ابن تاشفين لخير من رعي الخنازيرعند الفونسو)) ثمّ قتل رسول الفونسو وأرسل يطلب نجدة ابن تاشفين ، ولكنّه كان كالمستجير من الرمضاء بالنار
    القاضي: نحن لا ننكر على بني عبّادٍ دورهم في بعث العروبة والإسلام في تلك البلاد ومحاولاتهم إعادة القوّة إلى الدولة العربيّة فيها ، ولكنّها كانت محاولاتٍ جاءت بعد فوات الأوان وكأنّها لجوء الضعيف واستغاثة الخائف على نفسه وماله ……..وبعد …ماذا حصل هل نصره ابن تاشفين يا محامي الدفاع ؟
    محامي الدفاع:أجل يا حضرة القاضي … وسار الجيشان في جيشٍ واحدٍ بقيادة ابن تاشفين والمعتمد بن عبّاد يداً واحدةً ضدّ الأعداء ، وكانت معركة الزلاّقة الشهيرة التي يقال أنّها أخّرت سقوط الأندلس العربيّة مئة عام ، وبفضل هذا التعاون انتصر جيش العرب المسلمين على الأسبان وقتل قائدهم الفونسو وتشتت جيشه ، وقد كتب موكلي المعتمد الشاعر أول قصيدة مديحٍ في حياته يمدح فيها ابن تاشفين ويعترف بفضله ولم يكن قد مدح أحداً قطّ إلاّ والده المعتضد وفيها يقول :
    وقلبي نزوعٌ إلى يوسفٍ فلولا الضلوع عليه لطارا
    ويوم العروبة ذدت العدا نصرت الهدى وأبيت الفرارا
    ولولاك يا يوسف المتّقى رأيت الجزيرة للكفر دارا
    ستلقى فعالك يوم الحساب تنثّر بالمسك منك انتثارا
    وللشهداء ثناءٌ عليك بحسن مقامك ذاك النهارا
    وأنّهم بك يستبشرو بألاّ تخاف وألاّ تضارا
    ولكنّه كما قال المتنبي :
    ومن جعل الضرغام في بعض صيده تصيّده الضرغام فيما تصيّدا
    وهكذا عاد ابن تاشفين إلى الأندلس بعد سنةٍ طامعاً غادرا.
    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    المعتمد بن عباد

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 7:38 am

    ممثّل الاتهام: حضرة القاضي … لقد كانت عودة ابن تاشفين إلى الأندلس عودة الغيور على أمّته ودينه وشرفه تلك التي استبيحت على موائد ملوك الطوائف الضعفاء . لقد عبر البحار والقفار ملبياً دعوة المعتمد ، حتّى إذا تحقق النصر وابتعد خطر العدو عبر البحار راجعاً إلى المغرب دون أن ينتظر من ملوك الطوائف جزاءً ولا شكوراً ، وعندما تجدد خطر الأسبان ثانيةً لبّى دعوة المعتمد أيضاً دونما تأخير ، بيد أنّ ملوك الطوائف ما يكادون يشعرون بالأمان حتّى يعودوا إلى لهوهم وبذخهم ومؤامراتهم ، وبنظرة السياسي البارع أدرك أنّه لا فائدة من بقاء هذه الكيانات الهزيلة واستفتى بذلك علماء الدين وفقهاء الأمّة فأفتوه بضرورة إزالتهم رأباً لصدع الأمّة وشدّاً لأزرها ، وقد أوصى قادة جنده أن يتركوا المعتمد إلى آخر المطاف علّه يتنازل عن عرشه دون إراقة دم ، لكنّ المعتمد بن عبّاد أبى أن يتنازل لصالح الأمّة ولم يعترف بضعفه وجبنه وخنوعه .
    محامي الدفاع: ما هذا ؟ . اتتهم المعتمد بالضعف والجبن والخنوع ؟ أما تتقي الله يا رجل ؟..حرام عليك ، رجل يدفع بابنه الظافر ليوطّد الحكم في قرطبة فيقتل ، فيدفع بابنه المأمون في السنة الثانية لمعركة الزلاّقة فيقتل هو الآخر أيقال عنه جبان ؟ فارس يقتل تحته يوم الزلاّقة ثلاثة جيادٍ ويجرح ستة جروح أحدهما عميقٌ في رأسه ويستمرّ في القتال حتّى النصر يقال عنه جبان ؟ رجل يحاصره جيش ابن تاشفين في قصره فيخرج بسيفه يطلب الموت فيشتت جيش المرابطين ، أهذا رجل جبان ؟ ولكن قد تكبو الجياد وقد تنبو السيف وقد يسقط العظماء .
    ثمّ قل لي ألم يرغم ابن تاشفين المعتمد على الكتابة إلى ولده بالاستسلام ثم يقوم بقتله أمام عيني أبيه بعد أن أعلن استسلامه ، أليس هذا هو الغدر بعينه ؟
    وماذا تنتظر من هذا المنقذ الذي جاء طامعاً بملك من استجار به ، فقوّض ملكه وسبى نساءه وحمله مقيّداً إلى أغمات فرماه خلف القضبان إذلالاً له وأملاً في أن يستدرّ الملك الأسير عطف ابن تاشفين أو يستجدي عفوه ، ولكنّ المعتمد كما قال الشنفرى :
    لأستفّ ترب الأرض كي لا يرى له عليّ من الطول امرؤ متطوّل
    كما آثرت بناته العمل بغزل الصوف وتقديم العون لأبيهنّ على استدرار عطف الغادرين ، ألم تأته بناته صباح العيد لتقديم التحيّة ومغازلهنّ بأيديهنّ يغزلن الصوف لابنة أحد جنود أبيهنّ الذي نصّبه الدهر صاحب شرطةٍ في العهد الجديد ، وقد ارتدين ثياباً رثّةً وخضن في الطين حافياتٍ فحرّحن قلب أبيهنّ الذي قال أبياتاً في ذلك الموقف ما من أحدٍ قرأ أشعاره في الأسر إلاّ تمثّل زوال الجبال ، فأبكى كلّ عين وأدمى كلّ قلب اسمعوه يقول:
    فيما مضى كنت بالأعياد مسروراً فجاءك العيد في أغمات مأسورا
    ترى بناتك في الأطمار جائعـــــةً يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
    برزن نحوك للتسليم خاشعةً أبصارهنّ حسيراتٍ مكاسيرا
    يطأن في الطين والأقدام حافيةٌ كأنّها لم تطأ مسكاً وكافورا
    لا خدّإلاّ ويشكو الجدب ظاهره وليس إلاّ مع الآهات ممطورا
    أفطرن في العيد لا عادت إساءته فكان فطرك للأكباد تفطيرا
    قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً فردّك الدهر منهيّاً ومأمورا
    من بات بعدك في ملكٍ يسرّ به فإنّما بات بالأحلام مغرورا
    ممثّل الاتهام: ما شاء الله رجلٌ يمتلك كلّ هذه الصفات النبيلة من إباءٍ وشهامة وعزّة ، ثمّ يخون أمّته وعروبته ، قل لي كيف دفعته نخوته العربيّة لطلب النجدة من أعدائه الأسبان لمحاربة ابن تاشفين المسلم ؟ أليس هذا الفعل جريمة ؟ وما لها من دافع غير الحرص على العرش والتشبّث بالملك ولا همّ إذا كانت الوسيلة دنيئة والطريقة مذمومة .
    محامي الدفاع: وماذا تريد منه أن يفعل ؟ … هل يقف مكتوف الأيدي وهو يرى الخطر يحدق به ثمّ لا يحرّك ساكناً كأنّ الأمر لا يعنيه ، ؟ ورغم هذا فإنّ الأسبان خافوا أن يكون في الأمر خدعة فقعدوا عن نجدته وما كان الأعداء ليصدّقوا أنّ ابن تاشفين سيغدر بالمعتمد بهذا الشكل .
    القاضي: لا يا محامي الدفاع … مهما كانت الأسباب فلن نستعين بالعدوّ على الصديق ولا بالغريب الأجنبيّ على الشقيق ، فمن اعتزّ بغير الله ذلّ ومن استجار بغير أهله خذل ، فكيف فعلت ذلك يا أبا عبيدة ؟
    الشاعر: يامن يعاتب مذبوحاً على دمه ونزف شريانه ..ما أسهل العتبا
    حبل الفجيعة ملتفّ على عنقي من ذا يعاتب مشنوقاً إذا اضطربا
    إنّكم تنكؤون جروحي وتجددون أحزاني وتعيدون إضرام النار في أحشائي ، لقد أحببت هذه الأرض وكنت حريصاً على سلامتها ، وهذا ما دفعني إلى الاستعانة بابن تاشفين ، ولو أنّه رغب في البقاء في الأندلس واقترح عليّ شكلاً من أشكال التعاون يصون كرامتي ويحفظ ماء وجهي لما ترددت في القبول ، ولكنّه أبى إلاّ إذلالي ورفض إلاّ أن يقودني أسيراً مكبّلاً بالقيود ، أفألام إذا التمست لنفسي مخرجاً من هذه المحنة .؟
    اسمحوا لي بالانصراف
    محامي الدفاع: مهلاً سيدي المعتد … وصلتك رسالة
    الشاعر: ما بها ؟… فضّها واقرأ ما جاء فيها …. هل انتصرت ثورة ولدي عبد الجبّار ؟
    محامي الدفاع: لا ليست من عبد الجبّار… إنّها من ابنتك بثينة ،
    أيّها السادة … قبل أن أتلو ما جاء في الرسالة أودّ أن أذكّركم بالنكبة التي حلّت بالمعتمد وكيف اقتيد أسيراً ومعه بعض أهله ، وكيف تعرّض قصره للسلب والنهب ، وكانت ابنته بثينة من جملة ما سبي فاشتراها تاجر عبيدٍ من أشبيليّة ثمّ باعها وهو لا يعلم نسبها لرجلٍ كريمٍ قدّمها هديّةً لولده ، ولمّا أراد الزواج منها امتنعت امتناع الحرائر وأظهرت نسبها وقالت له : لا أحلّ لك إلاّ بعقدٍ شرعيٍّ إن رضي بذلك أبي ، وطلبت من أن يسمح لها بالكتابة إلى أبيها ، فكان لها ما أرادت ، وهي الشاعرة الحسناء التي ورثت عن أبيها الشعر والإباء وعن أمّها الحسن والجمال وقد كان همّ أبويها بفقدها أشدّ وقعاً من زوال الملك وهاكم ما جاء في الرسالة :
    اسمع كلامي واستمع لمقالتي فهي السلوك بدت من الأجياد
    لا تنكروا أني سبيت وأنني بنت لمــــــــــلـكٍ من بني عبّاد
    ملكٌ عظيمٌ قد تولّى عصره وكذا الزمان يؤول للإفساد
    لمّا أراد الله فرقة شملنا وأذاقنا طعم الأسى من زاد
    قام النفاق على أبي في ملكه فدنا الفراق ولم يكن بمرادي
    فخرجت هاربةً فحازني امرؤٌ لم يأت في إعجاله بسداد
    إذ باعني بيع العبيد فضمّني من صانني إلاّ من الأنكاد
    وأرادني لزواج نجلٍ طاهرٍ حسن الخلائق من بني الأنجاد
    ومضى إليك يسوم رأيك في الرضى ولأنت تنظر في طريق رشادي
    فعساك يا أبتي تعرّفني به إن كان ممن يرتجى لودادي
    وعسى رميكية الملوك بفضلها تدعو لنا باليمن والإسعاد
    الشاعر: الحمد لله …. الحمد لله … ما ضاعت التربية فيك يا بثينة ، الآن أموت مرتاحاً ..0
    ((بنيتي ..كوني به برّةً فقد قضى الدهر بإسعاده ))
    أكتب لها بموافقتنا يا محامي الدفاع
    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    المعتمد بن عباد

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 7:40 am

    القاضي: حسناً … وهل عندك ما تضيفه يا محامي الدفاع ؟
    محامي الدفاع: حضرة القاضي … لقد استرسل ممثّل الاتهام في كيل الاتهامات لموكلي المعتمد متتبعاً أخطاءه وعثراته في الجانب السياسي من حياته وأعتقد أنّه من المفيد والمجدي أن نتحدّث عن شاعريته المتألّقة ومكانته المرموقة التي احتلّها بين الشعراء الأندلسيين فقد كان أشعر ملوك الطوائف ، ويجب ألاّ يغيب عن ذاكرتنا أنّ عهود ملوك الطوائف قد شهدت نهضةً علميّةً وأدبيّةً زاهرة ، وزخرت بعددٍ كبيرٍ من أقطاب الشعر والأدب ومختلف صنوف العلوم ، كالفيلسوف ابن حزمٍ القرطبي وابن باجة وأبو اسحق ا بن يحيى الزرقالي وقد كان المعتمد يشمل أولئك العلماء والأدباء برعايته ، أضف إلى أنّه كان شاعراً ناقداً عارفاً بفنون الشعر ، فشعره مرآة حياته … فمن أين تريدون أن نبدأ ؟؟
    أمن أيّام الرخاء والنعيم حيث كثر في شعره وصف مجالس السرور والغزل ؟ واليكم شاهداً يصف فيه حسناء أسفرت عن وجهها والتي لم يكشف عن اسمها لكن وصفه لها صار أغنيةً من أغاني ذلك الفردوس المفقود ولحناً راقصاً من ألحانه :
    يا صفوتي من البشر يا كوكباً بل يا قمر
    يا غصناً إذا مشى يا رشاً إذا نظر
    يا ربّة الحسن الذي شدّ وثاقاً إذ فتر
    متى أداوي يا فدا ك السمع منّي والبصر
    ما بفؤادي من جوى بما بفيك من خصر
    أم ما قاله بعد أن قلبت الدنيا له ظهر المجنّ ، فتحوّلت أفراحه إلى أتراح وسعادته إلى شقاء ففجع بأبنائه الواحد تلو الآخر ، وها هو يرثي ولديه الفتح ويزيد مخاطباً السحاب الهتون فيقول:
    يا غيم دمعي أقوى منك تهتانا أبكي لحزني ، ما حمّلت أحزانا
    ونار برقك تخبو إثر وقدتها ونار قلبي تبقى الدهر بركانا
    بكيت فتحاً فإذ ما رمت سلوته ثوى يزيد فزاد القلب نيرانا
    يا فلذتي كبدي يأبى تقطّعها من وجدها بكما ما عشت سلوانا
    مخففٌ عن فؤادي أنّ ثكلكما مثقّلٌ لي يوم الحشر ميزانا
    أفلا تشفع له هذه الأشعار وتدرأ عنه ما كاله له ممثّل الاتهام من اتهامات قاسية وافتراءات باطلة ؟
    ممثّل الاتهام: لا يا حضرة القاضي … إنّ شعراً جميلاً أو أغنيةً مطربةً لا تشفع لسوء سياسة حاكمٍ جلب على قومه المصائب والويلات ، ولو كانت قضايا الشعوب تحلّ بالشعر أو الأغاني لما بقي على وجه البسيطة جائع أو مظلوم …، أيّها السادة إنني أطالب عدالة المحكمة باسم من ذاق مرارة الفقر وعرف طعم الحرمان لتبقى خزائن هذا المعتمد نهبى لذائذه وشهواته ، وباسم كلّ من سقط صريعاً أو جريحاً ليبقى عرش المعتمد صامداً ، أطالب المحكمة أن تأخذ المعتمد بن عبّاد الملك والشاعر بكلّ الهفوات التي وقع فيها وأن تأمر بإعادته إلى سجن أغمات ليمضي حكم الأبديّة لأنّه المكان الوحيد الذي يستحقّه هذا الذي لم يرع نعم الله ولم يفكّر إلاّ في متعه ولذّاته ليكون عبرةً لكلّ حاكم عابث متلافٍ ………..وتفضّلوا بقبول الشكر
    القاضي: لقد سمعنا المزيد من عبارات اللوم علىبعض مواقف المعتمد السياسية ، وعلينا أن نأخذ في الحسبان مجمل الظروف التي كانت تمرّ بها الأندلس والتي عاشها الملك الشاعر حتّى غدا أسيراً لها ، أمّا في مجال الأدب والشعر فلا يسعنا إلاّ الإعتراف بشاعريّة ابن عبّاد وبأنّه أضاف إلى قيثارة الشعر العربي وترا جديداً يذكرنا في المشرق بأبي فراس الحمداني حيث سمعنا هنا ما سمعناه هناك خفقات القلب الأسير ونفثات الصدر الحزين وصيحات الألم واللوعة ممزوجةً بمشاعر العزّة والإباء. …………….فهل لك ما تضيفه يا أبا عبيده ؟
    الشاعر:أجل أيّها القاضي … فلا بدّ أن يكون أجلي في هذا السجن في أغمات ووصيّتي أن تكتب هذه الأبيات على شاهدة قبري .
    القاضي: لك ما تريد ……..(يقرأ الأبيات )
    قبر الغريب سقاك الرائح الغادي حقّاً ظفرت بأشلاء ا بن عبّاد
    بالحلم بالعلم ، بالنعمى إذا اتصلت بالخصب إن أجدبوا بالري للصادي
    بالطاعن الضارب الرامي إذا اقتتلوا بالموت أحمر بالضرغامة العادي
    بالبحر في نعمٍ ،، بالدهر في نقمٍ بالبدر في ظلمٍ بالصدر في النادي
    نعم هو الحقّ وافاني به قدرٌ من السماء فوافاني لميعادي
    كفاك فارفق بما استودعت من كرمٍ روّاك كلّ قطوب البرق رعّاد
    يبكي أخاه الذي غيّبت وابله تحت الصفيح بدمعٍ رائحٍ غادي
    ولم تزل صلوات الله دائمةً على دفينك لا تحصى بتعداد
    وصدق الله العظيم حين قال وهو أصدق القائلين : بسم الله الرحمن الرحيم
    ((قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك من تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء بيدك الخير إنّك على كلّ شيءٍ قدير))
    ترفع الجلسة للمداولة والنطق بالحكم
    باس الأدب والأدباء … وتحت شعار لا اخضرار بلا جذور
    وبعد المداولة وسماع الاتهام والدفاع واستجواب المتّهم تقرر المحكمة ما يلي :
    1- العرب أصحاب رسالةٍ حضاريّةٍ إنسانيّةٍ خالدة تجاوزت حدود الوطن العربي إلى آفاق الأرض ، وكانت الأندلس من البلاد التي دخلتها هذه الحضارة لنشر الحق والعدل وتقويض الظلم والفساد .
    2- تحميل ملوك الطوائف مسؤوليّة ضياع الأندلس وخروج العرب منها
    3- إدانة الاستعانة بالأجنبي على الشقيق واعتبار ذلك خيانة عظمى
    4- إدانة المعتمد بن عبّاد الشاعر بتهم الترف والمجون واللهو وتسخير أموال الدولة لخدمة شهواته وزوجته
    5- إدانة التجزئة والضعف ومباركة كلّ خطوةٍ وحدويّةٍ تلمّ الشمل وتعزّ الوطن
    6- براءة المعتمد من تهمة الجبن والخنوع والاعتراف بشجاعته وكرمه
    7- اعتبار المعتمد بن عبّاد شاعراً رقيق الإحساس صادق العواطف سامي الأخلاق قال الشعر لنفسه وجسّد بشخصه وشعره مأساة الأندلس الحقيقيّة
    8- إحالة المعتمد بن عبّاد الملك على محكمة الشعب والتاريخ للنظر في قضيّته حاكماّ وسياسيّاً والحكم عليه بما تراه مناسباً وذلك لعدم الاختصاص
    قراراً وجاهيّاً قابلاً للطعن بطريق النقد والمناقشة …. صدر وأفهم علناً ………
    ((لااخضرار بلا جذور))





    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    رد: المعتمد بن عباد

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأربعاء أغسطس 26, 2009 3:12 pm

    لمشاهدة الأمسية الشعرية للشاعر المعتمد بن عباد يرجى الضغط على الروابط التالية:




    4shared.com/file/122832544/721451c7/_3_online.html

    4shared.com/file/122631756/ae3a1b5a/_1_online.html

    4shared.com/file/126631692/f06fde6b/_2_online.html

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء نوفمبر 21, 2017 10:36 pm