مجموعة لااخضرار بلا جذور

    أبو العتاهية

    شاطر

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العتاهية

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 7:44 am

    لا اخضرار بلا جذور
    =================


    مجموعة من مدرسي اللغة العربية في ثانويات معرتمصرين – محافظة ادلب أطلقت على نفسها ( مجموعة لا اخضرار بلا جذور ) الأدبية .

    عشقت الأدب وعملت على خدمة لغتنا العربية الجميلة بالكشف عن كنوز أدبها الدفينة والمتجددة وربط الماضي بالحاضر والمستقبل ونبش التراث الأدبي القيم المنقوع في بطون الكتب وعلى رفوف المكتبات ونفض البلى والغبار عنه وتقديمه للناس بأسلوب ممتع شيق يبعد الملل ويقدم المتعة والفائدة بحوار أدبي يعتمد الرأي والرأي الآخر ويخرج عن أسلوب المحاضرة الإلقائي ولا يصل إلى العمل المسرحي بل حوار مفتوح يترجم فيه المتحاورون الموضوع الذي يتناولونه ( شاعر , أديب , قضية أدبية , مناسبة قومية ) ويستعرضون ما له وما عليه وما قاله لنقاد والعارفون فيه سلباً أو إيجاباً ويوردون الكثير من الشواهد الشعرية والنصوص الأدبية في جلسة محكمة نقد أدبية فيها قاض ومحام للدفاع وممثل للاتهام ويستدعى إليها الشاعر المتهم ( موضوع الجلسة ) بزي زمانه ويفضل أن يكون من الشخصيات الاشكالية وتلقى عليه التهم على لسان ممثل الاتهام وهي كل ما أثير حول المتهم من سلبيات تمس شخصه ونتاجه بأدلة من أقوال النقاد وبراهين من نتاجه , ويتولى محامي الدفاع الدفاع عنه بدفوع فيها الكثير مما له من إيجابيات ومواقف ذكرها النقاد والدارسون مؤيدة بالأجود من نتاجه ومعززة بلسان المتهم في دفاعه عن نفسه شعراً أو نثراً وقد يحتاج الأمر إلى شهود يدلون بشهاداتهم مع المتهم أو ضده أما رأي المجموعة النقدي فهو ما جاء على لسان القاضي وما نطق به قرار المحكمة , وهو عبارة عن خلاصة هذا الجدال الممتع بلغة فصيحة سليمة ولفظ دقيق معبر يشد السامعين إليه ويعرفهم بموضوع الجلسة ويغنيهم عن الرجوع إلى مئات الصفحات , في زمن كسدت فيه الثقافة وقلت القراءة والقراء , وزمن لا يقل عن ساعة ولا يزيد عن ساعتين .

    أسس هذه المجموعة

    الجيل الأول من الزملاء : مصطفى الحلبي , رائد السيد أسعد , عبد الغني عون , محمد واكد رزوق , وشاركهم في تقديم بعض الأعمال عدد من الزملاء مثل : زكريا اصطيف , معن اسماعيل , عبد الرحمن جبان , محمد خالد الخالدي .

    وهي مستمرة

    بجيل ثان من الزملاء : محمد واكد رزوق , أسامة يازجي , مازن عون , فائز عبدان .

    تناول الجيل الأول بالدراسة والتقديم كلاً من : أبي نواس , المتنبي ، المعري , التقليد والتجيد , شعراء النقائض , أحمد شوقي , ابن زيدون , المعتمد بن عباد , نزار قباني , وغيرهم , إضافة إلى أعمال أدبية قومية ووطنية مثل : لقاء السيوف , أغنيات للوطن , غضبة الأقصى , قالت العرب , الميلاد الذهبي . عرس الشهادة

    وتناول الجيل الثاني بالدراسة والتقديم كلاً من : أبي فراس الحمداني , جبران خليل جبران , عمر بن أبي ربيعة – بدر شاكر السياب .

    وقد قدمت هذه المجموعة أعمالها في المراكز الثقافية في القطر العربي السوري ولقيت مزيداً من الاهتمام والحضور والتشجيع من القيادات السياسية والادارية ووسائل الاعلام في القطر ونأمل مزيداً من الرعاية . والله ولي التوفيق .

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العتاهية

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 7:45 am

    تقديم000


    إنّ انغماس الإنسان في متع الدنيا ولذائذها يجعله يغرق فيها وينسى الآخرة والموت ، فيقسو قلبه وتتحجّر مشاعره وأحاسيسه ، ويغدو ماديّاً لا يقيس الأشياء إلا بما تساويه من مال ، ولا ينظر للعلاقات الإنسانية إلاّ من زاوية المصلحة والفائدة0

    لذلك كان لا بدَّ أن يأتي إنسان يقرع في أسماع الناس ناقوس الموت ، يذكرهم بالفناء لترقّ قلوبهم وتتحسّن علاقاتهم بالآخرين ويعودوا إلى إنسانيتهم بعد أن طمس معالمَها الجشعُ وأباد إنسانيتها الترفُ 0

    ونحن اليوم نقدّم في محاكمتنا علماً من أعلام الأدب في العصر العباسي أفرد قسماً كبيراً من شعره للدعوة إلى الزهد في متاع الدنيا الفانية ، إنّه الشاعر العربي أبو العتاهية فأهلاً بكم0

    يدخل الشاعر وهو ينشد:



    لدوا للموت وابنوا للخراب فكلّكمُ يصيرُ إلى تبابِ

    لمن نبني ونحن إلى تراب نصيرُ كما خُلقنا من ترابِ

    ألا يا موت لم أرَ منك بدّاً أتيتَ وما تحيف وما تحابي

    كأنّك قد هجمتَ على مشيبي كما هجم المشيب على شبابي

    وإنك يا زمان لذو صروفٍ وإنّك يا زمان لذو انقلابِ

    وما لي لا ألحّ عليك إلا بعثت الهمّ لي من كلّ باب

    تقلّدتُ العظامَ من الخطايا كأنّي قد أمنتُ من العقـابِ

    هما أمران يوضح عنهما لي كتابي حين أنظر في كتابي

    فإمّا أن أخلّدَ في نعيمٍ وإمّا أن أُخلّدَ في عذاب



    (يتلفت الشاعر حوله)



    0

    الشاعر:

    ما هذا المكان ؟ وأين أنا ؟ أين أنتم يامن أيقظتموني من رقدتي ودعوتموني ؟ هذا أمر عجيب ، أهكذا أصبح الناس يدعون ويهربون؟

    (يلتفت إلى الجمهور) السلام عليكم ورحمة الله ، هل أنتم مدعوون مثلي ؟ ألا يرد عليّ أحد؟

    (يدخل في هذه اللحظة محامي الدفاع)

    الدفاع:

    أهلاً بك يا أبا العتاهية0

    الشاعر:

    لا أهلاً ولا سهلاً ، ترسلون في طلبي ثم لا أجد أحداً يستقبلني ، أو تجهلون قدري ومكانتي؟ وبعدُ لماذا تناديني بلقب لا أحبّه أليس لي اسم أُعرف به؟

    الدفاع:

    نعتذر عن عدم وجود أحد في استقبالك ، يبدو أن الموعد كان دقيقاً فلقد اعتدنا أن يكون الموعد مطاطاً أمّا عن خطابي إياك بهذا اللقب فنحن قد عرفناك به ولا نعرف لك لقباً سواه فعذراً0

    الشاعر:

    عذر أقبح من ذنب على كلّ حال لماذا أنا هنا؟

    الدفاع:

    عمّا قليل سيأتي القاضي وممثل الاتهام وسنعقد جلسة محاكمة أتولى أنا فيها الدفاع عنك0

    الشاعر:

    ولماذا تحاكمونني ؟ ومن أعطاكم الحقّ بمحاكمة الأموات ؟ أما كفاني ما لقيت في حياتي وعلى كلّ حال أتراني عاجزاً عن الدفاع عن نفسي حتى تدافع أنت عني ؟

    الدفاع:

    أبداً ولكنّ محاكمنا العصرية تستدعي وجود محامٍ للدفاع رغبةً منا في العدل والإنصاف ، تفضّل وخذ مكانك بجانبي لقد حضر أعضاء المحكمة0

    ( يدخل القاضي وممثل الاتهام ويأخذ كلٌّ مكانه)

    القاضي:

    بسم الله الرحمن الرحيم - فتحت الجلسة-

    نرحب بك أيها الشاعر العربي الكبير في هذه الجلسة العلنية لمحكمة (لااخضرار بلا جذور)

    الشاعر:

    في البداية أحسست بالألم لوجودي في قاعة محكمة ، ولكنني أدركت كم هو رائع أن يعيش الإنسان في زمن يبتعد عنه ثلاثة عشر قرناً ، لا شكّ بأنها تجربة جديدة وأنا أحبّ أن أحياها بينكم0

    الاتّهام:

    وأنا بدوري أرحب بك أيها العتاهي الماجن المخنث0

    الشاعر:

    بئس والله من ترحيب ، لماذا تهاجمني هكذا دون سابق معرفة؟

    الدفاع:

    هذا ممثل الاتهام ليس له عمل إلاّ مهاجمة الناس ، فعليك أن تعرف ذلك وأن تحاول مساعدتي لنردّ كيده إلى نحره0

    القاضي:

    هل لك يا أبا العتاهية أن تحدثنا عن نفسك؟

    الشاعر:

    أنا اسماعيل بن القاسم بن سويد ولدت في عين التمر قرب الأنبار في العراق سنة 130 للهجرة وكنت علماً بارزاً من أعلام الشعر في عصري وكانت صلتي بالخلفاء العباسيين قويةً



    -

    0

    الاتّهام:

    كان أبوك نبطياً يشتغل بالحجامة وكان مولى لبني عنزة بينما أمك من موالي بني زهرة ولك أخ يدعى زيد وكنت من المخنثين المتشبهين بالنساء0

    الدفاع:

    ما هذا يا حضرة القاضي لماذا يقاطع السيد ممثل الاتهام الشاعر؟

    الاتّهام:

    أما سمعته كيف يروي قصة حياته وكأنه أحد الملوك؟

    الدفاع:

    وما دخلك أنت ؟ إنها حياته وهو حرّ في روايتها

    الاتّهام:

    ولكننا نريد الحقيقة لا مجافاتها0

    الشاعر:

    وهل يعيب الإنسان أن كان أبوه نبطياً وحجاماً؟

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العتاهية

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 7:47 am

    الاتّهام:

    قل هذا الكلام لنفسك فلماذا سكتَّ عنه إذن؟

    القاضي:

    كفى مقاطعة تابع يا أبا العتاهية0

    الشاعر:

    لقد ضاقت سبل العيش بأبي فانتقل بنا إلى الكوفة0

    الاتّهام:

    وهناك انتظمت في سلك المخنثين تخضّب يديك بالحناء وترتدي ملابس النساء وكان لك صحبةٌ من الفسّاق المجّان أمثال والبة بن الحُباب ومطيع بن إياس0

    الدفاع:

    كما أخذ يتردد على حلقات العلماء والمتكلمين في مساجد الكوفة مما أتاح له إتقان اللغة العربية والوقوف على مذاهب أصحاب المقالات وبدأ نهر الشعر يتدفق من حناياه ثرّاً وعلى لسانه مقاطع غزل رقيق0

    الشاعر:

    ها أنتم تعرفون حياتي أكثر مني فلماذا أرسلتم ورائي إني منصرف (يهم بالخروج)

    القاضي:

    هون عليك يا أبا العتاهية ، ألا ترى أنّ كلّ واحد منهما يكمّل الآخر ؟ ما قصة المجون والتخنث هذه؟

    الشاعر:

    كل ما في الأمر أنني كنت فتى صغيراً فقير الحال في مدينة كبيرة بها من المغريات ما يشدّ أمثالي ولم يكن هناك ما يردعني عن هذا الطريق فجريت به حيناً من الدهر0

    الدفاع:

    حضرة القاضي لقد كانت دور القيان ونوادي المغنين تجذب إليها الشباب وقد توثقت الصلة بين الشاعر وبين مغنٍ ناشىء هو إبراهيم الموصلي وقد تعاقدا أن ينزلا بغداد ولكن الشاعر عاد إلى الكوفة بعد أن سُدت في وجهه السبل بينما صديقه أخذ يلمع نجمه ، وحين تولى المهدي الحكم عام158 قرّب الموصلي الذي تذكّر صديقه أبا العتاهية فأرسل في طلبه ليقدمه للمهدي الذي أُعجب بمدحه وأخذ يغدق عليه وهكذا بدأت الأيام تبتسم له0

    الاتّهام:

    حضرة القاضي: يريد الدفاع أن يقفز فوق هذه الفترة من حياة الشاعر والتي هي فترة اللهو والمجون وأنا أريد أن أبسطها أمام الحاضرين 0

    أيها السادة سأترك الشاعر يحدثكم بلسانه كيف أمضى ردحاً من عمره فاسقاً مخموراً يبحث عن المتعة بين عصابة من الفسّاق ويندم لفوات ذلك فيقول:

    لهفي على الزمن القصير بين الخورنق والسدير

    إذ نحن في غرف الجنان نعوم في بحر السرور

    بزجاجةٍ تستخرجُ السرَّ الدفين من الضمير

    ومخصّراتٍ زرننا بعد الهدوِّ من الخدور

    يرفلن في حلل المحاسن والمجاسد والحرير

    الدفاع:

    طالما أردت أن تبسط الموضوع فسأقول لك ، لم تكن حياة موكلي في صباه مجوناً وفسقاً كما تدّعي بل هو شابٌ تحركه العاطفة ويسحره الجمال ولأنه يملك رهافة حسّ الفنان وذوق الشاعر فإن لسانه كان ينثال عذوبةً ورقةً في أشعار الغزل التي أنشدها المطربون فكانت روائع تطرب لسماعها الأذن وتهفو لمعانيها النفوس ، اسمعه يقول:

    يا إخوتي إنّ الهوى قاتلي فسيّروا الأكفان من عاجل

    ولا تلوموا في اتّباع الهوى فإنني في شغُلٍ شاغل

    عيني على عتبةَ منهلّةٌ بدمعها المنسكب السائل

    كأنها في حسنها درّةٌ أخرجها اليمُ إلى الساحل

    كأن في فيها وفي طرفها سواحراً أقبلن من بابل

    لم يُبق مني حبّها ما خلا حشاشةً في بدن ناحل

    يا من رأى قبلي قتيلاً بكى من شدّة الوجد على القاتل

    القاضي:

    حقاً إنه لشعر عذب ، هل لك أن تحدثنا عن قصة حبك لعتبة هذه يا أبا العتاهية؟

    الشاعر:

    إنها يا حضرة القاضي جارية رائعة الجمال من جواري زوجة المهدي تسمّى عتبة ، قد علق قلبي هواها ، ولعبت محاسنها في فؤادي وعقلي:

    يا ربّ لو أنسيتنيها بما في جنة الفردوس لم أنسها

    ولكنّ هواها لم يكن عندي فلم تُلق إليّ بالاً ، وفيها أقول:

    يا عتب سيدتي أما لك دينُ حتى متى قلبي لديك رهينُ

    وأنا الذلول لكلّ ما حمّلتني وأنا الشقيّ البائس المسكين

    لا بأس إنّ لذاك عندي راحةً للصب أن يلقى الحزين حزين

    يا عتب أين أفر منكِ أميرتي وعليّ حصنٌ من هواك حصين



    الاتّهام:

    أجل لم تكن تطيق النظر إلى وجهك ، بل وزادت على ذلك أن شكتك إلى مولاتها لشدة ما ضايقتها فأمر المهدي بضربك مئة سوط وأمر بسجنك لتعرّضك لحريمه ثمّ عفا عنك بشفاعة خاله يزيد بن منصور ولكنّك لم تزل تردد اسمها حتى قال المهدي: إنك إنسان معتّه ومنذ ذلك اليوم يسري عليك لقب أبي العتاهية

    والحقيقة يا حضرة القاضي أن الشاعر لم يكن يحب عتبة حباً صادقاً إنما أرادها مطيّة يصل من خلالها للشهرة في الأوساط الأدبية0

    الدفاع:

    ما هذا الافتراء الظالم ؟ وما هذا الاستخفاف بعواطف الآخرين ؟

    لقد أحبّ الشاعر عتبة كما هي حال المحبين المخلصين الأوفياء ودافع عن حبّه قدر طاقته ، ورغم السجن والجلد فهو لم ينس حبها فعن أية شهرة يتحدث ممثل الاتهام وهل يحتاج الشاعر إلى الشهرة وشعره يملأ المجالس ويعطّر المحافل؟

    القاضي:

    قد أشرت يا محامي الدفاع عن صلة بين الشاعر والخليفة المهدي فهل لك أن تحدثنا عن علاقة الشاعر بخلفاء بني العباس؟

    الدفاع:

    حبّاً وكرامة ، لقد بدأت هذه العلاقة كما أشرت مع المغني إبراهيم الموصلي والخليفة المهدي ، الذي أُعجب بمدحه وأوسع له في مجالسه حتى أصبح لديه أثيرا مُقدَماً على كثير من الشعراء ومن مدائحه في المهدي قوله:

    أتته الخلافة منقادةً إليه تجرر أذيالها

    ولم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها

    ولو رامها أحد غيره لزلزلت الأرض زلزالها

    ولو لم تطعه بنات القلوب لما قبل الله أعمالها

    وإن الخليفة في بغض لا إليه ليُبغِضُ من قالها

    وبذلك سطع نجمه وعلا شأنه وبدأ رجالات الدولة يتهادونه وفي مقدمتهم خال المهدي يزيد بن منصور الحميري وكذلك والي طبرستان عمرو بن العلاء وفيه يقول:

    إنّي أمنت من الزمان وريبه لمّا علقت من الأمير حبالا

    ولقد وصله أمير طبرستان على هذه القصيدة بسبعين ألف درهم0

    القاضي:

    إذن فالشاعر وطيد الصلة ببلاط بني العباس ومَن من الخلفاء كان بينه وبين الشاعر علاقة أيضاً؟

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العتاهية

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 7:48 am

    الدفاع:

    إنه هارون الرشيد أعظم ملوك الأرض لذلك فقد كان الشاعر يحرص على مدحه بالتقوى والانصراف عن الدنيا ويتعرّض لوصف جيوشه ودفاعه عن الإسلام في مثل قوله:

    وهارون ماء المزن يُشفى به الصدى

    إذا ما الصدي بالريق غصّت حناجره

    وأوسط بيت في قريش لبيته

    وأول عزّ في قريش وآخره

    وزحف له تحكي البروقَ سيوفُهُ

    وتحكي الرعود القاصفات حوافره

    إذا نكب الإسلام يوماً بنكبةٍ

    فهارون من بين البريّة ثائره

    ومنذا يفوت الموت والموت مدرك

    كذا لم يفت هارون ضدّ ينافره

    الاتّهام:

    حضرة القاضي أرجو أن تدوّن في محضر هذه الجلسة أنّ أبا العتاهية شاعر يمدح الملوك وينال عطاياهم لأنني أخشى بعد قليل أن يطلُعَ علينا السيد محامي الدفاع بفكرة تقول بأن الشاعر كان يقف إلى جانب الشعب يدافع عن قضاياهم ويعادي من أجلهم الحكام0

    الدفاع:

    هذه حقيقة يا حضرة القاضي ولكن ليس إلى درجة معاداة الحكام ، فلقد كانت عامة بغداد يروق لها شعر أبي العتاهية الفيّاض بالحكم والأمثال والوعظ فتتعلق به وكأنما أحسّت بأنه يتغنّى بآلامها وبؤسها ونراه يتعمقه الشعور بما هي فيه من ضنك فإذا به يرفع لبعض الخلفاء شكوى مريرةً من غلاء الأسعار فيقول:

    من مبلغٌ عني الإمام نصائحاً متوالية

    إني أرى الأسعار أسعار الرعية غالية

    وأرى المكاسب نزرو وأرى الضرورة فاشية

    من يرتجى للناس غيرك للعيون الباكية

    من للبطون الجائعات وللجسوم العارية

    ألقيت أخباراً إليك من الرعية شافية0

    الاتّهام:

    ألم أقل يا حضرة القاضي بأننا سنرى وجوهاً متعددة لشاعر واحد ، متى كان شعراء الملوك يقفون إلى جانب الشعب ويحسّون آلامه ومآسيه ، لربما يطلُع علينا محامي الدفاع ثانية بفكرة تقول : بأن هذا الماجن قد تحوّل إلى زاهد ورع ثم يطالبنا بأن نصدّق ذلك0

    الدفاع:

    وما الغريب في الأمر ؟ والله إنك لكأنّك تقرأ أفكاري0

    القاضي:

    حقاً إن الأمر يدعو للغرابة كيف يمكن لماجن أن يصبح زاهدا؟

    الدفاع:

    يا حضرة القاضي الإنسان يمر في حياته بمراحل تطبعه بطوابعها فهو في الطفولة يحب المرح واللعب ، فإذا شبّ عن الطوق ربّما مال إلى اللهو والمجون ، فإذا ما اكتهل رجح عقله واستقام سلوكه ولربما أصبح من الأتقياء الزاهدين وليس الشاعر نموذجاً فريداً في هذا المجال فقد هداه الله إلى التقى والزهد فسلك طريقهما ، استمعوا إليه يقول:

    تعلقتُ بآمال طوالٍ أيّ آمال

    وأقبلتُ على الدنيا ملحّاً أيّ إقبال

    أيا هذا تجهّز لفراق الأهل والمال

    فلابدّ من الموت على حال من الحال

    الاتّهام:

    هذا خداعٌ واضح يا حضرة القاضي ، فالشاعر يدّعي ويتظاهر بما ليس فيه ، وقد قرأت عن الأصفهاني عن ثمامة بن أشرس قوله : أنشدني أبو العتاهية:

    إذا المرء لم يعتق من المال نفسه

    تملّكه المال الذي هو مالكه

    ألا إنما مال الذي أنا منفقٌ

    وليس لي المال الذي أنا تاركه

    إذا كنتَ ذا مال فبادره بالتي

    يحقّ وإلا استهلكته مهالكه

    يقول ثمامة : فقلت له: من أين قضيت بهذا ؟ فيرد أبو العتاهية : من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت)

    فقلت: أتؤمن بأنّ هذا هو الحق؟ قال: نعم0 قلت: فلم تحبس في بيتك سبعاً وعشرين بدرة من المال ولا تأكل ولا تشرب ولا تزكي 0 قال: يا أبا معن أخاف الفقر والحاجة إلى الناس 0 فقلت: وبم تزيد حال من افتقر عن حالك وأنت دائم الحرص شحيح على نفسك لا تشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد 0 فترك جواب كلامي وقال: والله لقد اشتريت في يوم عاشوراء لحماً وتوابله بخمسة دراهم فلما قال ما قال أضحكني حتى أذهلني عن معاتبته0

    0

    الدفاع:

    هذا هو الافتراء بعينه ، هناك أناس لا يحبون أن يروا أناساً في عافية إلا ونالوا منهم واتّهموهم وهذا حال موكلي الشاعر الزاهد الذي هانت الدنيا في عينيه فانصرف عنها يقول مخاطباً الشاعر سلم الخاسر:

    تعالى الله يا سلم بن عمرو أذلّ الحرص أعناق الرجال

    هب الدنيا تُساق إليك عفواً أليس مصير ذاك إلى زوال؟

    الاتّهام:

    رائع 00 أكمل بقية الحكاية ، لماذا سكتّ؟

    نعم لقد قال هذا الشعر للشاعر سلم بن عمرو فقال سلم: ويلي من هذا الزنديق ، جمع الأموال وكنزها وعبّأ البدر في بيته ثمّ تزهّد رياءً ونفاقاً ثم أنشد:

    ما أقبح التزهيد من واعظٍ يُزهّد الناس ولا يزهد

    لو كان في تزهيده صادقاً أضحى وأمسى بيته المسجد

    يخاف أن تنفد أرزاقه والرزق عند الله لا ينفد

    إنكم أيها السادة لو تحريتم الحكايات الكثيرة التي تروى عن أبي العتاهية تجدون أن معاصريه قد شكّوا بصدق تزهده وهذا الشك مبني عندهم على سيرته الأولى وحرصه على المال وأفكار مانوية يؤمن بها0

    الدفاع:

    طلبت الغنى في كلّ وجه فلم أجد

    سبيل الغنى إلا سبيل التعفف

    خليلي ما أكفى اليسير من الذي

    نحاول إن كنّا بما عفّ نكتفي

    وما أكرم العبد الحريص على الندى

    وأشرف نفس الصابر المتعفف

    هذا هو أبو العتاهية أيها السادة زاهد عفيف شاء ممثل الاتهام أم أبى هجر عهد اللهو والركض وراء المال ومتع الحياة وانصرف إلى الزهد والتقشّف حتى أنّ الرشيد ضربه وحبسه لكي يعود عن زهده وقد ظنّ أنه يدّعي ذلك ولكن عندما تبيّن له صحّة معتقدة وحسن سلوكه تركه وشأنه0

    القاضي:

    أريد أن أسأل السيد ممثل الاتهام ما هذه الأفكار المانويّة التي تحدثت عنها في فكر الشاعر؟

    الاتّهام:

    المانوية يا حضرة القاضي مزيجٌ من التعاليم الدينية الزردشتيّة والبوذية ولا أريد الخوض في تفاصيلها كي لا نخرج عن السياق وما يهمنا من تعاليم المانوية في موضوعنا أنها كانت تدعو إلى أن يعيش المانوي على المسألة فلا يأكل إلا من كسب غيره الذي عليه غرمه وإثمه وهذا يفسّر سلوك الشاعر الذي ظلّ رغم تنسّكه الظاهر يمدح الرشيد لينال جوائزه وجوائز الأمين وأمه زبيدة والمأمون والحسن بن سهل وسواهم ، ومعنى ذلك أن زهده كان زهداً في الظاهر أمّا في الباطن والواقع فقد ظلّ من طلاب الدنيا ومتاعها الزائل وقد صوّر لنا الشاعر في بعض شعره الزاهدَ الناسكَ في صورة بوذا المشهورة ، ومعروف أنّ بوذا كان ابن ملك خلع ثياب الملك وساح في الأرض ناسكاً يقول:

    يا من تشرّفَ بالدنيا وزينتها

    ليس التشرّف رفع الطين بالطين

    إذا أردتَ شريف الناس كلّهم

    فانظر إلى ملك في زيّ مسكين

    الشاعر:

    ماذا تريد مني يا هذا ؟ أتريد أن تخرجني من الملة السمحاء وتلقي بي في مهاوي الضلالة؟ خاب والله ظنّك فأنا مسلم ورع وزاهد وليس معيباً أن كنت لاهياً ثم تاب الله عليّ وهداني فأصبحت من الزاهدين هل يغيظك هذا؟

    الهي لا تعذبني فإني مقرّ بالذي قد كان مني وما لي حيلة إلا رجائي لعفوكَ إن عفوت وحسن ظني

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العتاهية

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 7:53 am

    القاضي:

    إن المحكمة ترى أن أبا العتاهية دعا دعوة واسعة إلى محاسن الأخلاق والبعد عن الطمع ونقد الذات أليس القائل:

    يا عجباً للناس لو فكّروا وحاسبوا أنفسهم أبصروا

    إننا نرحب بمثل هذه الدعوات وبخاصة أن الشاعر وسيلة إعلامية ممتازة فلو كانت لغته مهذبة ودعوته مستقيمة لكان ذلك خيراً وليس لنا أن نبحث وراء أصحاب هذه الدعوات لنشقّ صدورهم ونستخرج حقيقة معتقداتهم0

    الدفاع:

    حيّاك الله أيها القاضي العادل لقد أوجزت فأجملت ، فكم نحن بحاجة إلى شاعر تتسلل كلماته إلى قلوبنا تنعش فيها ما كان إنسانياً وتقربنا إلى الله وتذكرنا بالموت علّ قلوبنا ترقّ فلا نظلم ولا نطمع ونحسب حساب يوم الحساب يقول الشاعر:

    رأيتُ الحق لا يفنى ولا تخفى شواكله

    ألا فانظر لنفسك أي زادٍ أنت حامله

    لعمرك ما استوى في الأمر عالمه وجاهله

    ليعلمْ كلُّ ذي عملٍ بأنّ الله سائله

    فأسرعَ فائزاً بالخير قائله وفاعله

    إن كان موكلي قد قال الخير أو فعله فهو في كلا الأمرين محمود ، وأما ما أشار إليه السيد ممثل الاتهام عن المانوية وأن المانوي يعيش على المسألة فموكلي يهدم هذا الادعاء عندما يقول:

    أتدري أيّ ذلّ في السؤال وفي بذل الوجوه إلى الرجال

    إذا كان النوال ببذل وجهي فلا قُرّبتُ من ذاك النوال

    معاذ الله من خلقٍ دنيٍّ يكون الفضل فيه عليّ لا لي

    توَقَّ يداً تكون عليك فضلاً فصانعها إليك عليك عال

    إذا كان القليل يسدّ فقري ولم أجد الكثير فما أبالي

    -

    -

    القاضي:

    إن معترك الحياة وتنقّل المرء في شعابها ووهادها من حال إلى حال يجعل الشاعر ينطق لسانه بالحكمة التي تسير على ألسنة الناس شعراً وخلقاً وسلوكاً 0000 هل لك أن تحدثنا عن ذلك يا محامي الدفاع؟

    الدفاع:

    حضرة القاضي : لأبي العتاهية قدرة على ضرب الأمثال وعقد جوامع الكلم في حكم بليغة يسهل انتقالها في أبيات شعرية جميلة ودونكم بعض أشعاره وحكمه:

    - وذقتُ مرارةَ الأشياءِ طرّاً

    فلا طعمٌ أمرّ من السؤال

    - إذا مالت الدنيا إلى المرء رغّبت

    إليه ومال الناس حيث تميل

    - صاحبُ البغي ليس يسلم منه

    وعلى نفسه بغى كلّ باغ

    الشاعر:

    أتسمح لي يا حضرة القاضي أن أقرأ على مسامعكم أبياتاً طالما رددتها وآمنت بها ودعوت الناس إلى استيعاب مضمونها

    القاضي:

    تفضّل

    الشاعر:

    بليتَ وما تبلى ثيابُ صباكا

    كفاك من اللهو المضرّ كفاكا

    ألم تر أنّ الشيب قد قام ناعياً

    مقام الشباب الغضّ ثمّ نعاكا

    إذا لم تكن في متجر البر والتقى

    خسرتَ نجاةً واكتسبت هلاكا

    إذا كنتَ تبغي البر فاكفف عن الأذى

    وما البر إلا أن تكفّ أذاكا

    أخوك الذي من نفسه لك منصفٌ

    إذا المرء لم ينصفك ليس أخاكا

    الاتّهام:

    حضرة القاضي : صحيح أن الشاعر يغلّف دعوته بغلالة موشاة من الوعظ والحكمة لكنه يركّز على أمر واضح إلا وهو الموت فيصرخ في الناس ليس هناك إلا الفناء وإلا الحزن والكآبة وهذه نظرة سوداوية جاءته من مانويته إذ أن الإسلام لا ينعى إلى الناس حياتهم ولا يصورها لهم في كروب أبي العتاهية التي تخنق الأنفاس:

    بين عيني كلّ حيّ علم الموت يلوحُ

    نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح

    لتموتنّ ولو عُمرت ما عُمّر نوح

    ويقول أيضاً:

    الناس في غفلاتهم ورحى المنيّة تطحن

    وقد سمعتموه يقول:

    لدوا للموت وابنوا للخراب فكلكم يصير إلى تراب

    لمن نبني ونحن إلى تراب نصير كما خلقنا من تراب

    إن الموت عند المانوية نهاية حياة لا بعث بعدها لذلك كانت فاجعة ومأساة هكذا يرى أبو العتاهية الموت ويرعب الناس منه لا كما يراه المسلمون طريقاً إلى جنة الخلد وملك لا يبلى0

    الدفاع:

    سبحان الله ، إن لك قدرة عجيبة على تزييف الحقائق وصرف المعاني عن وجهتها إلى الوجهة التي تريد ، صحيح أن موكلي كان يذكر الموت ولكن ليس كما ارتآى ممثل الاتهام أليس القائل:

    فلو أنّا إذا متنا تُركنا لكان الموت غاية كلّ حيّ

    ولكنّا إذا متنا بعثنا ونُسأل بعده عن كلّ شيّ

    وهو القائل:

    نلهو وللموت ممسانا ومصبحنا

    من لم يصبّحه وجه الموت مسّاه

    ما أقرب الموت في الدنيا وأبعده

    وما أمرّ جنى الدنيا وأحلاه

    وكلّ ذي أجل يوماً سيبلغه

    وكلّ ذي عمل يوماً سيلقاه

    هذا دليل قاطع على أنّ موكلي مؤمن بالآخرة والحساب وذكره للموت ذكر العبد المؤمن الذي يعدّ العدّة للقاء ربه ، اسمعوه يستخدم أسلوب القرآن الكريم فيقول:

    فيا عجباً كُلّنا يحيدُ عن الحَينِ وكلٌّ لحينه لاقي

    كأنّ حيّاً قد قامَ نادبُه والتفّت الساق بالساق

    واستلّ منه حياته ملك الموت خفياً وقال: من راق

    أليس هذا هو إيمان المسلمين وطريق المؤمنين أم أنّك يا ممثل الاتهام لا تزال من المكابرين ؟‍‍

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العتاهية

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 7:54 am

    القاضي:

    هوّن عليك يا محامي الدفاع ، أعتقد أننا بدأنا نحسّ دبيب الموت في خلجات قلوبنا ، ولكن لا بد لنا من أن نحيا حياتنا بكلّ ما فيها دون أن ننسى خاتمة المطاف 0 والآن لنناقش شاعريّة هذا الرجل وفنّه ، تفضّل يا محامي الدفاع0

    الدفاع:

    حضرة القاضي لقد وهب الله موكلي لساناً يسيل الشعر عليه كما تسيل الينابيع طواعية وعذوبة وفيه قال ابن الأعرابي: والله ما رأيت شاعراً قط أطبع ولا أقدر على بيت شعر منه وما أحسب مذهبه إلا ضرباً من السحر0

    الاتّهام:

    حضرة القاضي: وأنا قرأت للأصمعي وصفاً لشعر أبي العتاهية يقول: شعر أبي العتاهية كساحة الملوك يقع فيه الجوهر والذهب والتراب والخزف والنوى ) فهو إذن شاعر عادي له أشعار حسنة السبك والمضمون وله كلام لا معنى له هو أقرب إلى الهذر منه إلى الشعر0

    -

    الدفاع:

    ألم تسمع يا ممثل الاتهام أنّ الجاحظ سمع يوماً قول أبي العتاهية:

    يا للشباب المرح التصابي روائح الجنّة في الشباب

    فقال: إن لهذا البيت معنى كمعنى الطرب لا تعرفه إلا القلوب وتعجز عن ترجمته الألسنة إلا بعد التطويل وإدامة الفكر ، وخير المعاني ما كان القلب إلى قبوله أسرع من اللسان إلى وصفه0

    الاتّهام:

    أولم تقرأ يا محامي الدفاع وصف صاحب الأغاني لشعر موكلك حيث قال: ( كان أبو العتاهية غزير البحر لطيف المعاني سهل الألفاظ كثير الافتنان قليل التكلف إلا أنه كثير الساقط المرذول مع ذلك وأكثر شعره في الزهد والأمثال)

    الدفاع:

    أولم تقرأ أنت أنّ أبا العتاهية مرّ بأبي نواس ومعه بعض الرفاق فسلّم ثمّ أومأ رأسه إلى أبي نواس وقال:

    لا ترقدنَّ لعينك السهرُ وانظر إلى ما تصنع الفِكَرُ

    وإذا سألتَ فلم تجد أحداً فسل الزمانَ فعنده الخبر

    أنت الذي لا شيء تملكه وأحقّ منك بمالك القدر

    فنظر أبو نواس إلى من حوله وقال: ( أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تبصرون؟)

    القاضي:

    كفاكما مناقضة واستحضاراً للشواهد

    الشاعر:

    دعهما يا حضرة القاضي ، لعمري إنّ هذا لممتع

    القاضي:

    لو تركتهما لأفاضا حتى لا يتسع الوقت لمناقضاتهما 0 (للطرفين) لخصا لنا سمات شعر أبي العتاهية وحاولا أن تكونا في حدود الموضوعية دون شطط أو مغالاة0

    -

    الدفاع:

    حسناً يا حضرة القاضي : أريد أن أقول إنّ أول سمات شعر موكلي هي سهولة الألفاظ وهذا مذهبه في جميع قصائده ، ولأنه كان يتوجه في أشعاره إلى عامة الناس وخصوصاً في زهدياته لذا كان لا بدّ أن تكون ألفاظه سهلة ، لذلك أشغف الناس به ، الزهّاد وأصحاب الحديث والفقهاء والعامة وأعجب الأشياء إليهم ما فهموه ، ودونكم نموذجاً من شعره:

    بكيت على الشباب بدمع عيني فلم يُغن البكاء ولا النحيبُ

    فيا أسفاً أسفت على شبابٍ نعاه الشيبُ والرأس الخضيب

    عريت من الشباب وكان غضّاً كما يعرى من الورق القضيب

    الاتّهام:

    حقاً إن ألفاظ الشاعر سهلة مستعملة ومطروقة لا تمتاز بالانتقاء ولا بالتجويد ، والشاعر لسرعة خاطره كثيراً ما يصل به اللفظ إلى الركاكة وهو القائل: (لو شئت لجعلت كلامي كلّه شعرا) ، وهذه ميزة ربما عدّها بعضهم للوهلة الأولى حسنة ولكن بعد التدقيق تصبح هذه الميزة سيئة فمن ذلك قوله في رثاء سعيد بن وهب:

    مات والله سعيد بن وهب رحم الله سعيد بن وهب

    يا أبا عثمان أبكيت عيني يا أبا عثمان أوجعت قلبي

    إلى غير ذلك من مثل هذا القول السخيف الذي تناقله الرواة من شعره

    القاضي:

    لماذا لن تكن تغربل أشعارك يا أبا العتاهية؟

    الشاعر:

    يا حضرة القاضي (ما أردت أن أقول الشعر قط إلاّ مثّل لي فأقول ما أريد وأترك مالا أريد ) وأنا لا أعود ثانية لأنقّح أشعاري فهي هكذا جميلة فإن ما لا يعجبكم بها هم ما يعجبني من البساطة والرشاقة0

    -

    الدفاع:

    أجل يا حضرة القاضي : إن رشاقة التعبير التي يراد بها البعد عن التكلف والتعقيد سمة بارزة في شعر موكلي وقد صدق الخطيب البغدادي حين قال: كان أبو العتاهية سهل القول قريب المأخذ بعيداً عن التكلف متقدماً في الطبع0

    تأملوا أيها السادة هذه الأبيات التي أنشدها موكلي أمام المهدي يعزّيه في بنت له ماتت فحزن عليها حزناً شديداً فلما ألقى الشاعر قصيدته أمامه فما استوفاها حتى سرّي عن الخليفة يقول:

    ما للجديدين لا يبلى اختلافهما

    وكلّ غصنٍ جديد فيهما بالِ

    يا من سلا عن حبيبٍ بعد موتته

    كم بعد موتك أيضاً عنك من سال

    كأن كلّ نعيم أنت ذائقه

    من لذّة العيش يحكي لمعة الآل

    لا تلعبنّ بك الدنيا وأنت ترى

    ما شئت من عبر فيها وأمثال

    ما حيلة الموت إلاّ كلّ صالحة

    أو لا فما حيلة فيها لمحتال

    القاضي:

    شهد الله أنها أبيات خفيفة الظل رشيقة البنية سلسة الأفكار ، فهل لك يا أبا العتاهية أن تختار لنا نصّاً آخر لتزيدنا من سماع أشعارك العذبة؟

    الشاعر:

    لا يحتاج الأمر إلى اختيار يا حضرة القاضي بإمكانك أن تمسك ديواني وتأخذ منه أية قصيدة فستكون كما تريد ، وعلى كل حال سأختار لكم نصّاً:

    ألا إننا كلنا بائد وأيّ بني آدم خالد

    وبدؤهم كان من ربهم وكلّ إلى ربه عائد

    فيا عجباً كيف يُعصى اللإله أم كيف يجحده الجاحد

    وفي كلّ شيء له آية تدلّ على أنه واحد

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العتاهية

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 7:55 am

    الاتّهام:

    حضرة القاضي ، ولكننا لا نكاد نرى في ديوانه إلا موضوعاً واحداً مكرراً ( وصف القبور وأهوالها ، فناء الأعراض الدنيوية ، فساد الإنسان وعقاب الآخرة) يكفيك أن تقرأ بضع قصائد منه فتستغني عن بقية الديوان ، والشاعر لا يحمّل شعره رسالة جديدة ولا يضع مبادىء فلسفية خاصة وإنما يعكس لنا روح الشرق الدينية القائمة على احتقار الدنيا وتعظيم الآخرة ، اقرأ ديوانه فلن تجد إلا دعوة لترك الجهاد في سبيل التقدم ودعوة للتحرر من قيود المطامع يقول:

    حتى متى يستفزّني الطمع أليس لي بالكفاف متّسع

    لله درّ الدُنى فقد لعبت قبلي بقومٍ فما تُرى صنعوا

    أثروا فلم يدخلوا قبورهم شيئاً من الثروة التي جمعوا

    وكان ما قدّموا لأنفسهم أعظم نفعاً من الذي ودعوا

    الدفاع:

    كيف هذا وشاعرنا قد عاش الحياة بكل ما فيها فقد تغزّل ومدح ورثى وهجا ، صحيح أن الزهد قد أخذ مساحة واسعة في ديوانه بل وفي حياته لما فيه من دعوة مخلصة وإيمان صادق ولكنّ حديقة أشعاره فيها من كلّ الأزاهير يقول متغزّلاً:









    وهذا نموذج في الرثاء ( رثاء صديقه علي بن ثابت الزنديق)

    فتى لا يملّ الندى ساعة على عسره كان أو يسره

    أتته المنيّة مغتالة رويداً تخلل في ستره

    فخلّى القصور لمن شاءها وحلّ من القبر في قعره

    وأصبح يهدى إلى منزل عميق تُؤُنّقَ في حفره

    وهذا نموذج في الهجاء (هجاء والبة بن الحباب الذي ينسب نفسه إلى بني أسد) :

    أوالبُ أنت في العربِ كمثل الشيص في الرطبِ

    هلمّ إلى الموالي الصيدِ في سعةٍ وفي رحب

    فأنت بنا لعمرُ الله أشبه منك بالعرب

    الاتّهام:

    من المعروف أن أبا العتاهية كان كثير الخروج عن موازين الشعر العربي وهذا الخروج لا يقدّم جديداً ذا جدوى بل ينعكس ذلك سلباً على القالب الشعري يقول:

    للمنون دائراتٌ يدرن صرفها هنَّ ينتقيننا واحداً فواحدا

    وميزان هذا البيت:

    فاعلن متفعلن فاعلن متفعلن 000 وهو عكس البحر البسيط

    وفي قصيدة أخرى يقول:

    عُتبَ ما للخيال خبريني ومالي لا أراه أتاني زائراً مذ ليالي

    ووزنه:

    فاعلن فاعلاتن فاعلن فاعلاتن 000 وهو عكس البحر المديد

    والوزنان من الأوزان المهملة التي تتفرع من دوائر الخليل وهي وإن استخدمها أبو العتاهية وآخرون إلاّ أنها لم تَشُع على ألسنة العباسيين وكأنهم أحسّوا نقص أنغامها وإيقاعاتها بالقياس إلى الأوزان المستعملة فأهملوها 0

    الدفاع:

    هذه المرة خانك التوفيق وجافاك الحظ يا صاحبي ، إن شهرة موكلي في نظم الشعر تجعله علماً يتفجّر الشعر على لسانه نهراً لا يرتدّ مجراه ولا تجف روافده ، ألم تسمع قوله لبعض من راجعه في أشعاره (أنا أكبر من العروض) ، إن التجديد إبداع فإذا ألغينا الجديد بحجة المحافظة على المتداول فنحن نلغي كلّ لإبداع وهذا لعمري ظلم ما بعده ظلم0

    -

    -

    القاضي:

    معك حق ، إذا عدم التجديد في أي شيء فمعنى ذلك أن لا تطوّر ولا تقدّم 0 والآن قل لي يا أبا العتاهية ما رأيك بكل ما سمعت في هذه الجلسة؟

    الشاعر:

    الحقيقة أنكم شرّحتم حياتي طولاً وعرضاً ولكنني لا أنكر أنكم تذوقتم أشعاري بأسلوب ناقد فطن فانتقيتم منها شذرات تعبّر بحق عمّا في نفسي وما وقع في حياتي0

    الاتّهام:

    لم يكن قصدنا أيها الشاعر الكبير أن نؤلمك أو نسيء إليك وأنا أعتذر لك إن كنت قد آذيتك بأسلوبي0

    الشاعر:

    حقاً لقد أوجعتني أحياناً ولنني أغفر لك لأنك تحرّض محامي الدفاع فتجعله يغوص في أشعاري ليستنبط منها ما كان رائعاً فله كل الشكر على جهوده0

    الدفاع:

    إنما قمت بواجبي تجاه شاعر علم من أعلام أمتنا العربية ، أحدِ الجذور التي نعتزّ بأن خضرتنا لا تأتي إلا منها إذ لا اخضرار بلا جذور0

    القاضي:

    حسن ونحن بدورنا نشكر لك حضورك وصبرك على مناقشاتنا ، ونحب أن نشكر أيضاً هذا الجمهور الذوّاق الذي بحسن إنصاته جعل لكل ما نقول طعماً خاصاً 0

    ترفع الجلسة للنطق بالحكم0

    ( أبو العتاهية اسماعيل بن القاسم بن سويد علم من أعلام الأدب العربي في العصر العباسي ، عزف على أوتار السرور حيناً فلها وصدح بفضائل خلفاء بني العباس فأبدع ، وغنّى على ألحان الزهد والموت والتقشّف فشجا القلوب واستدرّ الدموع ، كان الشعر عنده سجيّة وطبعٌ ينثال على لسانه فيّاض الحكمة ، رشيق البنية ، حار العاطفة ، سهل الألفاظ ، واضح الأفكار ، ولكل ما تقدم تقرر المحكمة ما يلي:

    نظراً لأنّ دعوة الشاعر إلى الفضيلة دعوة كريمة ولأن التمسك بعدم الطمع وتعليم النفس المكارم من سجايا العظماء فإن المحكمة تشيد بهذه الدعوة وتدعو إلى الأخذ بها طريقاً إلى حياة مثلى وتُعدّ صاحبها الشاعر أبا العتاهية علماً خالداً وركيزة هامة من ركائز التراث الذي نستقي منه الحياة 0 قراراً وجاهياً قابلاً للطعن بطريق النقد والمناقشة0

    صدر وأفهم علماً في 19/5/2001

    (( لا اخضرار بلا جذور))

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 20, 2014 2:26 pm