مجموعة لااخضرار بلا جذور

    أبو العلاء المعري

    شاطر

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العلاء المعري

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 1:57 pm


    لا اخضرار بلا جذور
    =================



    مجموعة من مدرسي اللغة العربية في ثانويات معرتمصرين – محافظة ادلب أطلقت على نفسها ( مجموعة لا اخضرار بلا جذور ) الأدبية .

    عشقت الأدب وعملت على خدمة لغتنا العربية الجميلة بالكشف عن كنوز أدبها الدفينة والمتجددة وربط الماضي بالحاضر والمستقبل ونبش التراث الأدبي القيم المنقوع في بطون الكتب وعلى رفوف المكتبات ونفض البلى والغبار عنه وتقديمه للناس بأسلوب ممتع شيق يبعد الملل ويقدم المتعة والفائدة بحوار أدبي يعتمد الرأي والرأي الآخر ويخرج عن أسلوب المحاضرة الإلقائي ولا يصل إلى العمل المسرحي بل حوار مفتوح يترجم فيه المتحاورون الموضوع الذي يتناولونه ( شاعر , أديب , قضية أدبية , مناسبة قومية ) ويستعرضون ما له وما عليه وما قاله لنقاد والعارفون فيه سلباً أو إيجاباً ويوردون الكثير من الشواهد الشعرية والنصوص الأدبية في جلسة محكمة نقد أدبية فيها قاض ومحام للدفاع وممثل للاتهام ويستدعى إليها الشاعر المتهم ( موضوع الجلسة ) بزي زمانه ويفضل أن يكون من الشخصيات الاشكالية وتلقى عليه التهم على لسان ممثل الاتهام وهي كل ما أثير حول المتهم من سلبيات تمس شخصه ونتاجه بأدلة من أقوال النقاد وبراهين من نتاجه , ويتولى محامي الدفاع الدفاع عنه بدفوع فيها الكثير مما له من إيجابيات ومواقف ذكرها النقاد والدارسون مؤيدة بالأجود من نتاجه ومعززة بلسان المتهم في دفاعه عن نفسه شعراً أو نثراً وقد يحتاج الأمر إلى شهود يدلون بشهاداتهم مع المتهم أو ضده أما رأي المجموعة النقدي فهو ما جاء على لسان القاضي وما نطق به قرار المحكمة , وهو عبارة عن خلاصة هذا الجدال الممتع بلغة فصيحة سليمة ولفظ دقيق معبر يشد السامعين إليه ويعرفهم بموضوع الجلسة ويغنيهم عن الرجوع إلى مئات الصفحات , في زمن كسدت فيه الثقافة وقلت القراءة والقراء , وزمن لا يقل عن ساعة ولا يزيد عن ساعتين .

    أسس هذه المجموعة

    الجيل الأول من الزملاء : مصطفى الحلبي , رائد السيد أسعد , عبد الغني عون , محمد واكد رزوق , وشاركهم في تقديم بعض الأعمال عدد من الزملاء مثل : زكريا اصطيف , معن اسماعيل , عبد الرحمن جبان , محمد خالد الخالدي .

    وهي مستمرة

    بجيل ثان من الزملاء : محمد واكد رزوق , أسامة يازجي , مازن عون , فائز عبدان .

    تناول الجيل الأول بالدراسة والتقديم كلاً من : أبي نواس , المتنبي ، المعري , التقليد والتجيد , شعراء النقائض , أحمد شوقي , ابن زيدون , المعتمد بن عباد , نزار قباني , وغيرهم , إضافة إلى أعمال أدبية قومية ووطنية مثل : لقاء السيوف , أغنيات للوطن , غضبة الأقصى , قالت العرب , الميلاد الذهبي . عرس الشهادة

    وتناول الجيل الثاني بالدراسة والتقديم كلاً من : أبي فراس الحمداني , جبران خليل جبران , عمر بن أبي ربيعة – بدر شاكر السياب .

    وقد قدمت هذه المجموعة أعمالها في المراكز الثقافية في القطر العربي السوري ولقيت مزيداً من الاهتمام والحضور والتشجيع من القيادات السياسية والادارية ووسائل الاعلام في القطر ونأمل مزيداً من الرعاية . والله ولي التوفيق .

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العلاء المعري

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 1:58 pm



    أعمى تلفتت العصور فما رأت عند الشموس كنوره اللمّاح

    نفذت بصيرته لأسرار الدجى فتبرّجت منهــــا بألف صباح

    من راح يحمل في جوانحه الضحى هانت عليـــه أشعّة المصباح

    أمصوّر الدنيا جحيماً فائراً يرمي العصور بجمره اللفــاح

    هوّن عليك ففي النفوس بقيّة من رحمةٍ ومروءةٍ وسمــــاح

    ضجّت ملائكة السماء بساخرٍ مرّ الدعـــــــــابة شاتمٍ مدّاح

    عرّى السرائر والنفوس ممزّقاً عنهنّ كلّ غلالـــــــــةٍ ووشاح

    إن يقس في نقد الطباع فلم تكن ترجى لرحمتهــــــا يد الجرّاح



    (( ثلاث علاماتٍ من اجتمعن له كان من عظماء الرجال ، وكان له حقٌّ في الخلود ، فرط الإعجاب من محبّيه ومريديه ، وفرط الحقد من حاسديه والمنكرين عليه ، وجوّ من الأسرار والألغاز يحيط به ))

    وهذا ما ينطبق تماماً على أبي العلاء المعرّي

    وإنّ مثل هذه الشخصيّة لتغري الدارسين باقتحامها ، وقد وجدنا نحن مجموعة لا اخضرار بلا جذور في شخصيّة أبي العلاء مادّةً غنيّةً تتناسب مع الأعمال النقديّة التي نقدّمها ، لما فيها من إشكالاتٍ وتناقضاتٍ تساعد على جعل الحوار بين جهتي الدفاع والاتهام حيويّاً وحارّاً …ولكن ما إن بدأنا في الإعداد لهذا العمل حتّى تشعّبت أمامنا السبل وبرزت العقبات ، وكثرت العقد ، واكتشفنا أنّ البحث أكبر من أن تتسع له هذه الصفحات التي نقدّمها في أعمالنا النقديّة ، فكنّا أمام خياراتٍ صعبةٍ ، كان أهونها أن نختصر ونترك المهم في سبيل الأهمّ ، وهذا ما فعلناه ، وقد بحثنا عن عنوان يفصح عن قصور هذه العجالة وعجزها عن الإحاطة بجوانب المعرّي جميعها ، فأطلقنا على عملنا هذا اسم ((في رحاب المعرّي))

    فأهلاً ومرحباً بكم وبأبي العلاء المعرّي …………

    يدخل الشاعر منشداً

    غير مجدٍ في ملّتي واعتقادي نوح باكٍ ولا ترنّم شادي

    وشبيه صوت النعيّ إذا قيــــس بصوت البشير في كلّ نادي

    صاح هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد

    خفف الوطء ما أظنّ أديم الأرض إلاّ من هذه الأجســاد

    سر إن اسطعت في الهواء رويداً لا اختيالاً على رفات العباد

    ربّ لحدٍ قد صار لحداً مراراً ضاحكٍ من تزاحم الأضداد

    ودفينٍ على بقايا دفينٍ في قديم الأزمان والآباد

    إنّ حزناً في ساعة الموت أضعـــاف سرورٍ في ساعة الميلاد

    واللبيب اللبيب من ليس يغترُّ بكونٍ مصيره للفساد

    تعبٌ كلّها الحياة فما أعجــــب إلاّ من راغبٍ في ازدياد

    محامي الدفاع :هوّن عليك يا أبا العلاء ، فالأمر أيسر من ذلك ، والحياة أجمل مما تتصوّر ، وعليك أن تغيّر من لهجتك هذه ، وتكفّ عن ذمّ الدنيا ، على الأقلّ وأنت هنا ، حتّى أتمكن من الدفاع عنك .

    الشاعر: ومن تكون أنت ؟

    محامي الدفاع:أنا محاميك الذي سيتولّى الدفاع عنك

    الشاعر: ((بسخرية))

    صلحت حالتي إلى الخلف حتّى صرت أمشي إلى الورا زقّفونة

    أين أنا ؟ وإلى أيّ مجلسٍ أنا مدعو ؟ إنني أسمع وقع أقدامٍ وأحسّ بأنفاس الكثيرين ، فما الأمر؟

    القاضي: أنت هنا في محكمة نقديّة ، تنظر في القضايا الأدبيّة من شعرٍ ونثرٍ ، وقد تتعرّض لحياة الأديب وسلوكه الشخصيّ ، لما له من أثرٍ في نتاجه الأدبي ، ولتكن على يقين أننا في زمن لا تكال فيه التهم جزافاً ، ولا يدان فيه الأبرياء ، بل يأخذ كلّ ذي حقٍ حقّه .

    الشاعر: ((بسخرية ))

    ولمّا رأيت الجهل في الناس فاشياً تجاهلت ، حتّى ظنّ أنّي جاهل

    إذا وصف الطائيّ بالبخل مادرٌ وعيّر قسّاً بالفهــاهـة باقـــــــــــــل

    وقال السها للشمس أنت خفيّةٌ وقال الدجى للصبح لونك حائل

    وطاولت الأرض السماء سفاهةً وفاخرت الشهب الحصى والجنادل

    فيا موت زر ، إنّ الحياة ذميمة ويا نفس جدّي إنّ دهرك هازل

    ممثّل الاتهام: كفاك همزاً ولمزاً يا هذا ، ألا يعجبك أحد ، ؟ وما الداعي لكلّ هذا التّهكم والسخرية وهذا الاعتداد الفارغ بالنفس؟

    الشاعر: ومن هذا الرجل أيضا؟ .. إنني أشتمّ في لهجته روائح العداوة والبغضاء ، فما الذي بيني وبينك يا رجل ؟ أتعرفني من قبل ؟ أم تريد أن ترمي بلاءك علي ؟

    القاضي: مهلاً يا أبا العلاء .. هذا ممثّل الاتهام ، ومهمّته أن يسلّط الأضواء على ما يراه من اعوجاجٍ في السلوك أوانحرافٍ في التفكير أو اضطرابٍ في النتاج الأدبي ، لأيّ شاعرٍ من الشعراء مهما علت مكانته ، ومهما ذاع صيته

    الشاعر: محكمةٌ إذن …..وأنت قاضيها ، فلهجتك تنمّ عن ذلك ..إيه يا أبا العلاء ، متّ ولم تنج من القيل والقال ، تحاكمونني بعد ألف سنةٍ من وفاتي ، والله لقد خجل أهل زماني أن يفعلوها .

    القاضي: يا أبا العلاء .. إنّ دخول الإنسان إلى قاعة المحكمة لا يعني أنّه مدانٌ ، والمذنبون فقط يعتريهم الخوف حين يدعون إلى المحكمة ، فإذا كنت تعتقد أنّك بريء فلا داعي للقلق .

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العلاء المعري

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 1:59 pm

    الشاعر: حسناً .. قبلّت التحدّي ،

    أرى العنقاء تكبر أن تصادا فعاند من تطيق له عنادا

    لي الشرف الذي يطأ الثريا مع الفضل الذي بهر العبادا

    ولو ملأ السهى عينيه مني أبرَّ على مدى زحل وزادا

    فلتباشروا إجراءاتكم ،

    محامي الدفاع: تعال يا أبا العلاء …0(يقوده المحامي ويجلسه على الكرسي )

    القاضي: يا أبا العلاء … عرّفنا في البداية عن نفسك وعن أهمّ المنعطفات البارزة في حياتك ، والتي ساهمت في تكوين شخصيّتك الأدبيّة والإنسانيّة

    الشاعر: ..بكلّ سرورٍ يا حضرة القاضي

    أنا أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي ، ولدت في معرّة النعمان في الثالث من ربيعٍ الأول من عام ثلاثة وستّين وثلاثمئةٍ للهجرة ، ولم أكد أتجاوز الرابعة من عمري حتّى أصبت بجدريٍّ أذهب بصري ، فأظلم الكون من حولي ، لكنني كنت أشعر برغبةٍ جامحةٍ في الاطلاع والمعرفة ، فبدأت بدراسة القرآن والحديث والعلوم اللغويّة وساعدني على ذلك والدي رحمه الله ، وكثيرٌ من أقاربي التنوخيين المشهورين بعلمهم وأدبهم ثمّ رحلت إلى اللاذقيّة وانطاكيّة وطرابلس وبغداد طلباً للعلم والمعرفة .

    القاضي: وكيف استطعت الإحاطة بكلّ هذه العلوم وأنت أعمى

    محامي الدفاع:

    هل كان أعمى الذي في روحه قبسٌ من وقدة الربّ تجلو الدرب حين سرى

    أعمى ..وتنحسر الألقاب من عجبٍ أعمى يقود على درب الهدى بصرا

    أقدم إلينا ….ولكن دونما بصرٍ فـآفـة المرء فينا 0000.أنّه بصــرا

    حضرة القاضي ..لقد نشأ المعرّي في بيت من بيوت العلم والأدب ، فأبوه كان عالماً من علماء الفقه واللغة ، وكثير من أقاربه كانوا ذوي باعٍ طويلةٍ في العلم والجاه ، حتّى ليقال : إنّ التنوخيين تناوبوا على قضاء المعرّة طوال مئتي سنه . هذا بالإضافة إلى أنّ أبا العلاء كان حادّ الذكاء ، سريع الحفظ ، فما خسره من بصره عوّضه بنفاذ بصيرته ، وما زال الناس حتّى اليوم يتناقلون أخباراً عن حدّة ذكائه وقوّة ذاكرته ، وإليكم هذا الخبر الذي رواه تلميذه الخطيب التبريزي حيث قال : (( كنت جالساً مع المعريّ أتلقى العلم ، فلمحت عن بعدٍ رجلاً من أهل بلدي ((تبريز)) وقد مضى لي عامان على مغادرتي لها ، فاضطربت قليلاً ، وأحسّ المعرّي بذلك ، وسألني عن السبب ، فقصصت عليه قصّتي ، فقال لي : اذهب وقابله وأنا انتظرك ، فذهبت وسلّمت عليه وسألته عن أهلي وأقاربي فأجابني عن تساؤلاتي ، وكنّا نتكلّم اللغة الأذريّة ، فلمّا انتهينا عدت إلى المعرّي ، فسألني ما هذه اللغة التي تتحدّثانها ؟ فقلت له : إنّها الأذريّة فقال: إنّي لم أفهم منها شيئاً ، ولكنني أستطيع أن أعيد الحديث الذي دار بينكما كما ذكرتماه تماماً ، ثمّ بدأ يسرد الحوار فلم ينقص منه شيئاً ، فعجبت من ذلك غاية العجب .

    ممثّل الاتهام:

    ناشدتك الله قل لي : هل أنت مقتنعٌ بهذه الخرافات ؟ إنّ أرزاق الناس متباينة ، ولكنّ عقولهم متقاربة ، صحيحٌ أنّ إنساناً قد يتميّز عن آخر بذكائه ، ولكن ضمن حدودٍ مقبولةٍ ومعقولة ، فمن يصدّق أنّ المعرّي أثناء رحلته الأولى إلى بغداد مرّ في مكانٍ فيه شجرة ، فقال له من معه أخفض رأسك يا أبا العلاء لئلاّ يصيبك غصن الشجرة ، ففعل ، وبعد خمس سنواتٍ أو أكثر وفي رحلته الثانية إلى بغداد مرّ من المكان نفسه فخفض رأسه ولمّا سئل عن السبب قال : ألا يوجد هنا شجرة ؟ فقالوا : لافقال : لابدّ أن يكون في هذا المكان شجرة ، فبحثوا في التراب فوجدوا أصلها ،…وكم يسرد حوله من أقاصيص وأخبار تدخله في عالم العباقرة الأفذاذ وما هي إلاّ ترّهات لا أصل لها ولا فصل

    محامي الدفاع: إنّها ليست ترّهات ، بل هي حقائق ، لكنّك لا تجيد إلاّ الطعن في الأدباء والتشكيك بمواهبهم ، إنّك بعيد كلّ البعد عن العدل والإنصاف

    ممثّل الاتهام:

    أنا لا أسمح لك بهذا الكلام ، فالمحكمة أعطتني الحرّية الكاملة في التعبير عن آرائي ، لقد مضى عصر المديح الزائف وآن الأوان لقول كلمة الحقّ

    القاضي: هدوء ..هدوء …من فضلكم …. إنّ ذكاء أبي العلاء وقوّة حافظته فوق الشبهات ، ولكنّ الناس لا يكتفون بشواهد واقعيّة لإثبات تميّز إنسانٍ نبغ في ميدانٍ من الميادين ، بل يسارعون لنسج القصص الخياليّة حوله ، وهذا ما فعلوه في الحديث عن عنترة في الشجاعة ، وعن حاتم في الجود وهلمّ جرّا ….وهكذا فعلوا أيضاً في حديثهم عن ذكاء أبي العلاء أمّا نحن فيجب ألاّ يدفعنا حبّنا لأيّ علمٍ من أعلام أمتنا إلى المحاباة والابتعاد عن النزاهة والموضوعيّة ، والآن قل لي يا أبا العلاء : لم كنّيت بأبي العلاء ؟

    الشاعر:

    دعيت أبا العلاء ..وذاك مينٌ ولكنّ الصحيح أبو النزول

    القاضي: ولم لقّبت برهين المحبسين؟

    الشاعر: بل أنا رهين سجونٍ ثلاثة :

    أراني في الثلاثة من سجوني فلا تسأل عن الخبر النبيث

    لفقدي ناظري ولزوم بيتي وكون الروح في الجسد الخبيث

    ممثّل الاتهام: حضرة القاضي .. إنّ هذا الأعمى يدّعي أنّه لزم بيته طواعية والحقيقة أنّه لم يلزم بيته إلاّ مكرهاً ، فقد جاب الأصقاع وعبر المسافات بحثاً عن المجد والشهرة ، وسعياً وراء الكسب المادّي ، فقد تردد على اللاذقيّة وانطاكيّة وبغداد لهذه الغايات ، ولمّا أخفق في مساعيه عاد إلى المعرّة خائباً ، وتصنّع العفّة وادّعى الزهد ، وما زهده إلاّ كزهد الثعلب في عنقود العنب.

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العلاء المعري

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 2:00 pm

    الشاعر:

    تعدّ ذنوبي عند قومٍ كثيرةً ولا ذنب لي إلاّ العلا والفضائل

    وقد سار ذكري في البلاد فمن لهم بإخفاء شمس ضوءها متكامل

    ولي منطقٌ لم يرض لي كنه منزلي على أنني بين السماكين نـــــــازل

    ينافس يومي فيّ أمسي تكرّماً وتحسد أسحاري عليّ الأصائل

    محامي الدفاع: حضرة القاضي ….وهل مثل أبي العلاء بحاجةٍ إلى الشهرة ؟ لقد كان يهرب من الشهرة وهي تتبعه ، أما الكسب الماديّ فآخر ما يفكّر به بل ولم يخطر بباله مطلقاً ، فما بالكم إذا كان مقروناً بالتزلّف للحكّام والتقرّب منهم ، فهل قرأ أحد منكم أو سمع أنّ أبا العلاء وقف بباب خليفةٍ أو وزيرٍ ومدحه بشعّره لينال منه الهدايا والجوائز ، بل على العكس تماماً فقد وقف في صفّ الجماهير المقهورة وأعلن عداءه للحكّام الفاسدين والولاة المنحرفين فكان أول من سخّر أدبه لخدمة الشعب ، ومارس النقد السياسي والاحتماعي ، إنّه مَعرّينا ومُعرينا استمعوا لهذه الأبيات وهي غيضٌ من فيضٍ

    ساس الأنام شياطين مسلّطةٌ في كلّ مصرٍ من الوالين شيطان

    من ليس يحفل خمص الناس كلّهم إن بات يشرب خمراً وهو مبطان

    متى يقوم إمامٌ يستقيد لنـــــــــــا فتعرف العدل أجبالٌ وغيطان

    ويقول مهاجماً هؤلاء الحكام الظالمين:

    ملّ المقام فكم أعاشر أمّة أمرت بغير صلاحها أمراؤها

    ظلموا الرعية واستجازوا كيدها وعدوا مصالحها وهم أجراؤها

    افمن يقول هذا الكلام يطمع في الكسب ويفكّر في المال ؟

    ممثّل الاتهام: إذا لم يكن موكلك راغباً في الشهرة ورفعة الحال ، ولا طامعاً في الثروة وكسب المال ، فلم كلّ هذا التنقل والتجوال ؟ قل لي بربّك يا أخا الرجال .

    محامي الدفاع: أمثلك يطرح هذا السؤال ؟ .. إذا كان أبو العلاء أيّها الزميل قد انصرف عن الدنيا ولذّاتها ، وزهد في الكسب المادّي ،وهو القائل:

    لا أطلب الأرزاق والمولى يفيض عليّ رزقي

    إن أُعط بعض القوت أعلم أنّ ذلك فوق حقي

    فهو زاهد بما في الدنيا إلاّ أنّه غير زاهد في العلم وقد أقبل على المعرفة يعبّ من كؤوسها عبّا ، وينهل من رحيقها العذب ، وما تجواله في المدن العربيّة إلاّ بحثٌ عن العلم وحبٌّ في الإطلاع والمعرفة .

    ممثّل الاتهام:

    إنّك يا صاحبي لا تجهل أنّ طالب العلم يجب أن يتّصف بالأدب واللباقة وحسن الخلق ، لا أن يكون معتداً بنفسه متطاولاً على أساتذته ، وأيّ طالبٍ هذا الذي يبيح لنفسه أن يسيء إلى الشريف المرتضى ويسخر منه ؟ حتّى يضطرّه إلى إخراجه من حلقة درسه؟ ، وهل كان الشريف سفيهاً لدرجة الاعتداء على إنسانٍ ضريرٍ في مجلسه ، لولا أنّ هذا الضرير قد تجاوز حدوده ، وفعل ما لا يمكن السكون عنه ؟

    محامي الدفاع: يا سبحان الله ……. وهل يعاب الإنسان إذا انتصر لمن يحبّ عند من يريد النيل منه ؟ حضرة القاضي … إنّ موكلي لم يفعل ما يلام عليه ، فقد كان معجباً بأبي الطيّب المتنبي ، وسمع الشريف المرتضى ينتقص من قدره ، فقال : لو لم تكن للمتنبي إلاّ القصيدة التي يقول في مطلعها : ((لك يا منازل في القلوب منازل ))لكفاه فخراً ، فجنّ جنون الشريف وأمر أن يرمى أبو العلاء خارج المجلس ، ثمّ قال : أفطنتم إلى ما يقصده هذا الأعمى ؟ إنّه يقصد قول المتنبي :

    وإذا أتتك مذمّتي من ناقصٍ فهي الشهادة لي بأنّي كامل

    فتعجّب الجميع من فطنتهما

    ممثّل الاتهام:

    لا تحاول أن تتهرّب من مواجهة الحقائق ، ولنترك المتنبي الآن ولنعد إلى القضيّة الأساس ، فقد قلت يا محامي الدفاع : إنّ موكلك تجوّل في بلاد الشام طلباً للعلم ، فأيّ علمٍ كان يبحث عنه في إنطاكيّة واللاذقيّة وطرابلس ؟ ألا يكفيه ما تعلّمه في المعرّة وبغداد ؟

    القاضي: وما الخطأ في ذلك ؟ وما الذي يمنعه من الذهاب إلى اللاذقيّة أو أنطاكية أو غيرها ، وهل تطواف الرجل عار عليه

    ممثل الاتهام:

    عفواً حضرة القاضي ….وماذا يمكن أن يدرس هناك على يد المناطقة والرهبان غيرَ الشك ؟

    وماذا يمكن أن يتعلّم هنالك غير المعتقدات المشبوهة التي شوّهت عقيدتَه وكادت أن تخرجه من حديقة الإسلام وتلقي به في بيداء الوهم والضياع فيقول:

    في اللاذقيّة ضجّةٌ ما بين أحمد والمسيح

    هذا بناقوس يدقّ وذا بمئذنة يصيح

    كلٌّ يعزز دينه يا ليت شعري ما الصحيح

    تتساءل مالصحيح؟ وأين القرآن الذي حفظته ؟ وأين دروس الفقه والحديث التي لقنك إيّاها أبوك وأقرباؤك كما زعمت ؟

    محامي الدفاع: رويدك يا صاحبي ، من أين أتيت بهذه الأبيات ، ومن حشرها في ذاكرتك ولفّقها على الرجل ؟ إنّ هذه الأبيات أيّها السادة مدسوسةٌ لم يرد لها ذكرٌ في سقط الزند ولا في اللزوميّات ، وأغلب الظن أنّها موضوعةٌ ، وهدف واضعها تشويه سمعة أبي العلاء

    ممثل الاتهام: لا…لا..إنّ عقيدة أبي العلاء لا تحتاج إلى من يشوّهها ، إنّها مشوّهة بطبيعتها ، ولا يحتاج منتقدوه إلى وضع أبياتٍ واختلاقها فدواوينه ولا سيّما اللزوميّات مليئةٌ بالأشعار التي تشهد بفساد عقيدته وظهور زندقته ، استمعوا إلى هذه الأبيات :

    دينٌ وكفرٌ وأنباءٌ تقصّ وفر قآنٌ ينصّ وتوراةٌ وإنجيلُ

    في كلّ جيلٍ أباطيلٌ ملفّقةٌ فهل تفرّد يوماّ بالهدى جيلُ

    ويقول أيضاً:

    قد ترامت إلى الفساد البرايا واستوت في الضلالة الأديانُ

    أنا أعمى فكيف أُهدى إلى المَنهج والناس كلّهم عميان

    بل استمعوا إلىهذه الأبيات :

    أفيقوا أفيقوا يا غواة فإنّما دياناتكم مكرٌ من القدماء

    أرادوا بها جمع الحطام فأدركوا وبادوا فماتت سنّة اللؤماء

    محامي الدفاع: هوّن عليك يا أخي ، ولا تقع فيما وقع فيه غيرك من قبل ، فما أكثر من اتّهم الرجل بالإلحاد وإنكار الشرائع والاستخفاف بالأنبياء ، وعندما سئلوا عن علّة ذلك ، رددوا هذه الأبيات . إنّ قراءةً متانيةً لتلك الأبيات تجعلنا ندرك أنّ أبا العلاء كان يهاجم المشايخ الذين سخّروا الدين لمصالحهم ونزواتهم ألم يقل فيهم

    رويدك قد خدعت وأنت حرٌّ بصاحب حيلةٍ يعظ النساء

    يحرّم فيكم الصهباء صبحاً ويشربها على عمدٍ مساء

    يقول لكم غدوت بلا كساءٍ وفي لذّاتها رهن الكساء

    إذا فعل الفتى ما عنه ينهى فمن جهتين لا جهةٍ أساء

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العلاء المعري

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 2:00 pm

    ممثل الاتهام: حضرة القاضي ..لا يستطيع أحد أن ينكر إنّ أبا العلاء قد تعرّض للديانات ، وعبّر عن استخفافه بها في أكثر من موضع ، وهو بذلك يعبّر عو سوء عقيدته وها هو يشكّ في دين موسى عليه السلام ولا يدري أجلب موسى بهذا الدين على قومه الفلاح أم الخسران؟ كما أنّه ينظر إلى الحج إلى بيت الله الكريم نظرة شكٍّ وحجود فيقول:

    إذا رجع الحصيف إلى حجاه تهاون بالمذاهب وازدراها

    وهت أديانهم من كلّ وجه فهل عقلٌ يشدّ به عراهـــــــا

    تقدّم صاحب التوراة موسىوأوقع في الخسار من اقتراها

    وقال رجاله : وحيٌ اتاه وقال الظالمون : بل افتراهــــا

    وكم سرت الرفاق إلى صلاحٍ فمارست الشدائد في سراها

    وما سيري إلى أحجار بيتٍ كؤوس الخمر تشرب في ذراها

    مهالك إن أجزت الخرق منها فأنت سليكُهــا أو شنفراها

    ويقطع المعرّيّ آخر خيطٍ يمكن أن يتمسّك به من يحاول الدفاع عنه عندما يقول :

    أمّا الإله ..فإنّي لست مدركه فاحذر لجيلك فوق الأرض إسخاطا

    أيقول مثل هذا الكلام إلاّ كلّ زنديقٍ مارقٍ من دين ابن عبد الله ؟

    القاضي: تبّاً لك يا رجل … أيصل بك الشكّ إلى هذا الحدّ ؟

    محامي الدفاع: حضرة القاضي…..

    الشاعر: ((مقاطعاً))

    لا حول ولا قوّة إلاّ بالله ، أما زلتم حتّى الآن تفكّرون بهذه الطريقة ؟ وتلصقون تهمة الزندقة بالمفكّرين واصحاب الرأي الحرّ، ولماذا تقفون عند أبياتٍ بعينها تؤولونها كما تشاؤون ، وتتركون أبياتاً أخرى تنطق بالإيمان والتوحيد ولا يختلف عليها اثنان ؟ أما قرأتم في دواويني قولي :

    أمّا الحياة فلا أرجو نوافلها لكنني لإلهي خائفٌ راجي

    ربّ السماك وربّ الشمس طالعةوكلّ ازهر في الظلماء خرّاج

    إنني أشهد أنّ لاإله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّداً رسول الله

    القاضي: يا أبا العلاء إجلس مكانك واترك محاميك يتولّى الدفاع عنك ، فهو القادر على دحض أدلّة الخصوم وقرع الحجّة بالحجّة . تفضّل يا محامي الدفاع



    محامي الدفاع: شكراً يا حضرة القاضي … لعلّكم لاحظتم أيّها السادة أنّ ممثّل الآتهام قد أعماه حقده على الرجل حتّى عجز عن فهم تلك الأبيات ، وضلل المحكمةَ بفهمه الخاطئ ، إنّ أبا العلاء يرى أنّ الله عزّ وجلّ تعالى أن يحيط به فكر الإنسان أو تدركه العقول فهو أسمى من ذلك وأجلّ ،وكيف يبيح ممثّل الاتّهام لنفسه أن يطعن في عقيدة موكلي وهو يقرأ مثل هذه الأبيات التي لا ينطق بها إلاّ من اطمأنّ قلبه بالإيمان واستشعر عظمة الخالق ؟!:

    إذا مدحوا آدمياً مدحت مولى الموالي وربّ الأمم

    وذاك الغنيّ عن المادحين ولكن لنفسي عقدت الذمم

    له سجد الشامخ المشمخرّ على ما بعرنينه من شمم

    وهل هناك أجمل من هذه الأبيات التي يعظّم بها الرسول الكريم محمد ويشيد برسالته السمحاء :

    دعاكم إلى خير الأمور محمد وليس العوالي في القنا كالسوافل

    حداكم على تعظيم من خلق الضحىوشهب الدجى من طالعات وآفل

    فصلّى عليه الله ما ذرّ شارقٌ وما فتّ مسكاً ذكرُهُ في الحافل



    القاضي: إنّ أبا العلاء قد اتّخذ من الشكّ طريقاً لليقين ، ولو قدّر للزوميّاته أن ترتّب ترتيباً زمنيّاً لراينا أنّ الشك الذي تحدّث عنه ممثل الاتهام يعود إلى الفترة الأولى من حياته لكنّه في آخر حياته كان مؤمناً إيمان العاقل الواثق بالله



    محامي الدفاع:إنّ ما نلمسه في شعر المعرّي من شكوك ما هو إلاّ تعبير عن فكره الحرّ وصدىً لفلسفته التي بدأت تتضح وتتخذ لها ملامح متميّزة ، والفيلسوف كما هو معروفٌ لا يقبل الأفكار المتوارثة وإنّما يبيح لنفسه إعادة النظر في كلّ شيء بغية الوصول إلى معرفةٍ يقينيّة

    ممثل الاتهام: أيّة فلسفةٍ هذه التي نتحدّث عنها ؟ وهل للرجل فلسفة ؟ ثمّ ما النظريّة الفلسفيّة التي خرج بها ، ؟ وما المنهج الفكريّ الذي اتّبعه ؟ … لا منهجَ ولا نظريّة وإنّما سلوك شاذٌّ وآراء مبنيّة على الظن الذي قال فيه :

    أمّا اليقين فلا يقين وإنّماأقصى اجتهادي أن أظن وأحدِسا

    إن التشاؤم والحيرة والشكّ لا تكفي الإنسان كي يكون فيلسوفاً ، اللهم إلاّ إذا كنّا نبحث عن كلّ فكرة غريبةٍ وشاذّة فندعو صاحبها فيلسوفاً ، وعلى هذا تكون الفلسفة هي القول الشاذّ البعيد عن قواعد المنطق والعقل وغير الموافق لسيرورة الحياة ونواميس الطبيعة .إنّ الفلسفة أيّها السادة أسمى من هذا ، فهي وعاء الحكمة ومناط العقل ومندوحة الخلاص البشريّ ، لذلك أطلب من معالي المحكمة عدلاً شطب كلمة فيلسوف من تاريخ هذا الأعمى إحقاقاً للحقّ وإكراماً للفلاسفة العظام

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العلاء المعري

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 2:02 pm

    محامي الدفاع:

    أفيلسوفٌ يقول الشعر ؟ قلت :نعم بل شاعر فلسف الأكوان والبشرا

    فاضت منابعه عقلاً وأخيلةًوالفنّ منتظماً …00والفكر منتثرا

    أبا العلاء وما من نابهٍ فطنٍ إلاّ اكتسى جيده من عقدكم دررا

    إنّ موكلي أيّها السادة فيلسوفٌ شاء ممثّل الاتهام أم أبى ، وفي آثاره كلّ خصائص التفكير الفلسفيّ ، وحتّى الشكّ الذي عدّه ممثل الاتّهام جريمة اقترفها أبو العلاء يعدّ اليوم من أهمّ مناهج الفلاسفة ، ولو كان هذا الرجل في أوربّا لأقاموا له تمثالاً ، ولكننا وللأسف نتلذذ بتوجيه السهام إلى صدور رجالنا العظام ، تطلب شطب اسمه من لائحة الفلاسفة . أليس الفيلسوف من يفكّر تفكيراً حرّاً ؟ ويأخذ بقوانين العقل غير آبهٍ بأعراف الناس وآرائهم المتوارثة ؟ .. وماذا فعل موكلي غير ذلك إنّ ما جاء به من أفكارٍ ونظريّاتٍ ,أحكامٍ استقاها من عقله ، ولم يستوردها من فلاسفة الشرق أو الغرب ،وهو لم يكن منظّراً يبيع أفكاراً بل فيلسوف وبكل ما في الكلمة من معنى لأنه تمثّل هذه الأفكار وعاشها حتى الأعماق وما تهجّمك عليه إلاّ

    كناطحٍ صخرةٍ يوماً ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

    ممثل الاتهام:

    ألا بعداً لهذه الفلسفة التي تتعارض مع سنن الحياة وتخالف شريعة السماء أيّها السادة : المعرّي مريض العقل والدين ، ولكنّه يلقي بهذه التهمة على الآخرين ليقول عن نفسه إنّه صاحب نظريّة ، أليس مريض عقل من يخالف قوانين الطبيعة ؟ أليس ناقص دينٍ من يخالف شريعة رسول الله التي أحلّ الله فيها طعام الحيوانات لحماً ولبناً وعسلا، ولكن هذا المعرّي يطلب من الناس أن يتّبعوه فلا يأكلوا لحماً ولا بيضاً ولا لبناً ولا عسلا ، بربّكم لو أنّ نبيّاً جاء بما جاء به المعرّي فمن كان سيؤمن به إلاّ الشاذّون والمختلّون عقلياً ، وبعد : إذا كان السيّد محامي الدفاع معجباً كلّ هذا الإعجاب بهذا الأعمى فلماذا لا يتّبعه ويصير نباتيّاً مثله؟

    الشاعر:

    إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور!

    ممثل الاتّهام:

    استمعوا له يقول :

    غدوت مريض العقل والدين فالقني لتسمع أنباء الأمور الصحـــــائح

    فلا تأكلن ما أخرج الماء ظالماً ولا تبغ قوتاً من غريض الذبائح

    ولا بيض أمّاتٍ أرادت صريحه لأطفالها ..دون الغواني الصرائح

    ولا تفجعنّ الطير وهي غوافلٌ بما وضعت ، فالظلم شر القبائح

    ودع ضرب النحل الذي بكرت ل كواسب من أزهار نبتٍ فوائح

    فما أحرزته كي يكون لغير ولا جمعته للنـدى والمنــــــــــــائح

    مسحت يدي من كلّ هذا فليتني أبهت لشأني قبل شيب المسائح

    محامي الدفاع:وما وجه الغرابة ؟ وأين مخالفة الشريعة في هذه الأبيات ؟ إنما هو رفق بالحيوان وحفاظٌ عليه وحماية لهذا المخلوق الضعيف من أيدي البشر الظالمين ، وهل أجبر المعري الناس على اتباع ما ذهب إليه ؟ إنّه اكتفى بتطبيق ذلك على نفسه ، وامتنع عن أكل ما ذكر . ألم يمتنع عن أكل الدجاج المشوي حينما وصفه له الأطبّاء في مرضه ؟ قائلاً له : (( استضعفوك فوصفوك ؟ هلاّ وصفوا شبل الأسد ؟ )) ورفض أن يأكله

    وهو أوّل من رفع شعار اُرفق به كما في قوله :

    يا ضارب العود البطيء وظهره لا وزر يحمله كوزر الضارب

    ارفق به ، فشهدت أنّك ظالمٌ في ظالمين 00 أباعدٍ وأقارب

    ثمّ ألا ترى معي يا صاحبي أنّ أكل اللحوم قد أدّى إلى انتشار أمراض تصلّب الشرايين وما يسمّى بالكولسترول والشحوم الثلاثيّة وداء النقرس وغيرها من الأمراض ، أما قرأت النشرة الصحّيّة الأخيرة الصادرة عن منظمة الأغذية التي تقول : أكل اللحوم الحيوانيّة ضارٌّ جدّاً ، وهذا ما جعلنا نحضّ على الطعام النباتي الصحّي الخالي من الأمراض الفتّاكة ، ثمّ ألا تخشى يا ممثّل الاتهام أن تصاب بالجنون إذا أكلت من لحم البقر المجنون ؟ .

    القاضي:لم يكن الدين يوماً ضدّ العلم وعلى الإنسان ألاّ يكون نباتيّاً صرفاً ، ولا حيوانيّاً صرفا فالله قد خلق الحيوانات وسخّرها لبني آدم ، يركبون بعضها ، ويذبحون بعضها ويشربون منها الحليب ويحملون عليها أثقالهم ، وهذا كلّه لا يتعارض مع مبدأ الرفق بالحيوان ، فكيف تحرّم ما حلل الله يا أبا العلاء ؟

    الشاعر: أجل .. إنّ الله حللها لنا ، ولكن هل أجبرنا على أكلها ، أو أخذ ما تدّخره لنفسها وأولادها ؟ وأنا ارتأيت أن أمتنع عن أكل اللحوم والمنتوجات الحيوانيّة . إنّ نفسي لم تطاوعني أن أذبح خروفاً لآكله أو أسلب نحلةً غذاءها الذي تعبت في جمعه ، لقد فكّرت في هذا الأمر طويلاً ، حتّى هداني عقلي إلى هذا القرار الذي اتّخذته وهو الاكتفاء بالأطعمة النباتيّة والامتناع عن الأطعمة الحيوانيّة

    ممثّل الاتهام: بئس ما هداك إليه عقلك ، وما هذا العقل الذي يجعلك لا ترى في كلّ البلدان مكاناً يصلح لإقامة حتّى وإن كان من البقاع المقدّسة ؟ بل ما هذا العقل الذي يضلّ صاحبه فيجعلُه يحمّل الألفاظ فوق ما تحتمل ، ويستنبط منها أحياناً نتائج غريبةً وعجيبه . استمعوا إلى هذه الأبيات :

    كلّ البلاد ذميمٌ لا مُقام به وإن حللت ديار الوبل والرهم

    إنّ الحجاز عن الخيرات محتجزٌ وما تهامة إلاّ معدنُ التهــم

    والشام شؤمٌ وليس اليُمنُ من يمنٍ ويثرب الآن تثريبٌ على الفَهِم

    إنّ الذي يغترّ بعقله يضلّ ويضيع ، فالعقل لا بدّ له من كوابح ، وأبو العلاء مغرور بعقله إلى درجة الجنون فهو يقدّس العقل ويمجّده ويرفض أن يأتمّ بغيره ، أو يسمع رأياً مخالفاً لرأيه حيث يقول :

    يرتجي الناس أن يقوم إمامٌ ناطقٌ في الكتيبة الخرساء

    كذب الظنّ ..لاإمام سوى العقـــل مشيراً في صبحه والمساء

    فإذا ما أطعته جلب الرحمــــــــــــــــــــة عند المسير والإرساء

    بل ويصل به الأمر في تمجيده للعقل وخلافه مع رجال الدين إلى اتّهامهم بالزندقة كما في قوله :

    تستّروا بأمورٍ في ديانتهم وإنّما دينهم دين الزناديق

    نكذّب العقل في تمجيد قائلهم والعقل أولى بإكرامٍ وتصديق

    محامي الدفاع:إنّ العقل يقضي عند معرينا ألا يكتفي المسلم بركعات الصلاة ، وهو ينسى أنّ الصلاة تنهى عن ظلم الناس وعن الكذب ، وهو يرى للفروض الدينيّة شكلاً وروحاً وهو لا يدعو إلى ترك الشكل ولكنّه يفضّل عليه الروح أو الغاية المقصودة من الفروض الدينيّة وهذا ما دفعه للقول :

    ما الخير صومٌ يذوب الصائمون له ولا صلاةٌ ولا خوفٌ على الجسد

    وإنّما هو ترك الشرّ مطّرحـــاً ونفضك الصدر من غلٍّ ومن حسد

    كما أنّ الدين عنده في إطاعة العقل وأنّ الإلحاد في عصيانه

    أيّها الملحد لا تعص النهى فلقد صحّ قياسٌ واستمرّ

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العلاء المعري

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 2:03 pm

    ممثّل الاتهام:

    إذن فأنت ترى أنّ المعري يفصّل دينه على هواه فما وافقه أخذه وما خالفه أنكره ! تحت ذريعة واهية مضللة ألا وهي العقل وكلّنا يعلم أنّ الدين يؤخذ بالنقل لا بالعقل فلا حول ولا قوّة إلا بالله0.

    الشاعر: لا يا حضرة القاضي… هذا محض افتراء ، فأنا لم أفصّل ديني على هواي ، ولكنني أردته كما أراده الله قريباً من الفطرة الإنسانيّة والعقول البشريّة ، بعيداً عن الأوهام والأباطيل . إنّ الله منحنا العقول وطلب منّا أن نفكّر بها ، وسخر من أولئك الذين يتوارثون المعتقدات دون تفهّم وتمحيص ، قال جلّ وعلا على لسان أولئك الضالّين ((إنّا وجدنا آباءنا على أمّةٍ ، وإنّا على آثارهم مقتدون ))

    ممثّل الاتهام:

    … لايحقّ لك أن تفكّر إلاّ في المساحة التي تركها الله لك ، فالله خلق الأكوان وقّدر فيها أقواتها وسنّ قوانينها ، ثمّ أوجد الإنسان عليها وطلب منه التفكير لاكتشاف نواميس الطبيعة والكون بالدرس والمثابرة ليحسّن حاله في الدنيا ويفوز برضى الله في الآخرة . ثمّ يأتي رجلٌ مثلك يريد أن يقود مظاهرة احتجاجٍ على نظام الكون فيدعو إلى تعطيل الدنيا ، فيمتنع عن الزواج ويطلب من الناس أن يقتدوا به فإذا ما فعلوا ذلك انتهت هذه الدنيا إلى خراب :

    لو أنّ كلّ نفوس الناس رائيةٌ كرأي نفسٍ تناهت عن خفاياها

    لعطّلوا هذه الدنيا فما ولدوا ولا اقتنوا واستراحوا من رزاياها

    واستمعوا إليه وهو يتباهى بأنّه قطع حبل النسل الممتدّ بينه وبين آدم بعدم الزواج والإنجاب فيقول:

    تثاءب عمرو إذ تثاءب خالد بعدوى فما أعدتني الثؤباء

    تواصل حبل النسل ما بين آدمٍ وبيني ولم توصل بلامي باء

    وهو لا يفضّل أن يكون له أبناءٌ ولو كانوا أفضلَ رجال عصرهم يقول:

    لو أنّ بنيَّ أفضل أهل عصري لما آثرت أن أحظى بنسل

    ويتمنّى لو أنّ حوّاءَ عقيم لا تلد فيقول:

    فليت حوّاء عقيماً غدت لا تلد الناس ولا تحبل

    بل يعدّ إنجاب الأب لأبنائه جناية كبيرة عليهم ولذلك فهو لم يتزوّج ولم يجن على أحد يقول:

    هذا جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد

    إنّ أباك لم يجن عليك وإنّما جنى علينا جميعاً عندما جاء بك إلى هذه الدنيا …تصوّروا أيّها السادة مصير الإنسانيّة بعد مدّةٍ وجيزةٍ لو أننا أخذنا برأي هذا الأعمى فقطعنا حبل النسل وحكمنا على الحياة البشريّة بالفناء .

    محامي الدفاع:

    طالما كنت مبصراً في دياجيك وكانوا في نورهم عميانا

    لا تخف على الدنيا يا صاحبي ، ولا تكن ساذجاً لهذه الدرجة ، وهل تظنّ أنّ دعوة أبي العلاء ستلقى أذناً مصغيةً ويستجيب لها البشر فيمتنعون عن الزواج ، وتنتهي الدنيا بهذه البساطة ؟

    وأبو العلاء ليس أوّل ولا آخر من عزف عن الزواج ، فكثيرون هم الذين لم يتزوّجوا ، ولكلّ إنسانٍ ظروفه ، وموكّلي كان ضيّق اليد لايكاد يستطيع الإنفاق على نفسه ، وهو ضرير عاجز عن الكسب فلم يرد أن ينجب أطفالاً تتحيّفهم المكاره ويعيشون عالةً على غيرهم ،ألم تقرأ قوله

    وهوّن أرزاء الحوادث أنني وحيدٌ أعانيها بغير عيال

    فلماذا تحاولون إحرج موكلي ودفعه للتصريح عمّا في مكنون فؤاده ، وهو قد أذاع سرّه معترفاً بأنه ما زهد في النساء عن طيب خاطر ، ومكذّباً من قال إنّه لا يتحسّر على ما فاته منهن كما في قوله :

    والمرء ليس بزاهدٍ في غادةٍ لكنّه يترقّب الإمكانا

    وهو القائل:

    إنّي أواري خلّتي فأريهم ريّاً وفي سرّ الفؤاد أوارُ

    إنّه ترك لكم الدنيا متعها ولذائذها ورضي منها بالقليل ، أفتلومونه على ذلك ؟

    ممثّل الاتهام: لماذا تتلمّس له الأعذار الواهية لتطمس الحقيقة ؟ لماذا لا يكون هذا الرجل صاحب عقدة نقصٍ تدفعه إلى هذا التصرّف الأرعن الذي يعدّه بعضهم فلسفةً ، ويبالغ آخرون فيجدون في كلامه أسراراً وطلاسمَ تعجز عقولنا عن فهمها . أنا لا أراه إلاّ انقاض رجلٍ هزمته مصائب الحياة فتركت في نفسه كما ترك الجدري في وجهه ندوباً جعلته مشوّها يقول ما قال ويفعل ما فعل ، مستوحياً نفساً محطّمةً مليئةً بمركبات النقص ، ولا أرى من سرّ عظمة هذا الرجل غير المقولة السائرة ((خالف تعرف )) وصدق الشاعر حين وصف نفسه فقال :

    إن مازت الناسَ أخلاقٌ يعاش بهافإنّهم عند سوء الطبع أسواءُ

    أو كان كلّ بني حواء يشبهني فبئس ما ولدت للناس حوّاءُ

    الشاعر: أكلّ هذا لأنني لم أتزوّج ؟ ! وهل الأمر خطيرٌ لهذه الدرجة ؟ إن كنتم تخافون على النوع الإنساني من الإنقراض فكونوا مطمئنّين ، فالبشر في ازدياد ، ولا سيّما العرب ، فهم لا يجيدون إلاّ إنجاب الأطفال. أمّا إن كنتم تشفقون علي لأنني حرمت من النساء ، فقد تنازلت لكم عن هذه النعمة ، فأنا أضربت عن الزواج ولست نادماً .

    القاضي: أتضرب عن الزواج يا أبا العلاء ؟ وكيف عشت هذه الحياة بدون امرأة ؟ تؤنس وحشتك وتنير ليلك ؟ وما قيمة الحياة إذا خلت من النساء؟

    إن النساء رياحين خلقن لنا وكلنا يشتهر شم الرياحين

    الشاعر: إنني سأعترف لكم أيّها السادة بحقيقةٍ طالما كتمتها زمناً ، ولكن لا سبيل للاستمرار في كتمانها ،

    ولا تكتمنّ الله ما في نفوسكم ليخفى . ومهما يكتم الله يعلم

    إنني أصبت بالعمى ، ولكنني لم أتقبّل قضاء الله مستسلماً راضيا ، بل كنت أحسّ بأنني مظلومٌ في هذه الدنيا وقد قادني هذا الإحساس إلى بعض الأفكار الغريبة ، فاقترحت تعطيل هذه الدنيا وإنهاءها بالإقلاع عن الزواج وبدأت بنفسي فلم أتزوّج .

    وأمّا عن امتناعي عن أكل أطايب الطعام واكتفائي بالأغذية النباتيّة فما هو إلاّ صورةٌ أخرى للإحساس بالظلم الناتج عن فقد البصر وضيق اليد ، وأقول بكلّ صراحة : إنّ زهدي في الدنيا هو زهد العاجز :

    يقول الفارسون حليف زهدٍ وأخطأت الظنون بما فرسنه

    ولم أعرض عن اللذات إلاّ لأنّ خيارها عنّي خنسنه

    ممثّل الاتهام:

    وهل عماك يسوّغ لك ما قلته أو فعلته ؟ ، كثيرٌ من الناس خلقوا عمياناً ومع ذلك عاشوا كما يعيش الناس فتزوّجوا النساء وأنجبوا الأطفال

    إنّ عداءك للمرأة لا بدّ أن تكون له أسبابه ، فهلاّ ذكرتها أمام المحكمة ؟

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العلاء المعري

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 2:04 pm

    الشاعر: ((يبقى صامتاً))

    القاضي: تكلّم يا أبا العلاء ولا تبق صامتاً ، أتكون امرأة قد أساءت إليك أم رأيت من إحداهنّ ما جعلك تنفر من النساء جميعاً وتسيء الظنّ بهن.ليتك سمعت بدوي الجبل يقول:

    أيه حكيم الدهر ..أيّ مليحةٍ ضنّت عليك لعطرها الفوّاح

    أتضيق بالأنثى وحبّك لم يضق بالوحش بين سباسب وبطاح

    يا ظالم التفّاح في وجناتها لو ذقت بعض شمائل التفاح

    للعبقريّة قسوةٌ لولا الهوى عصفت بكلّ عقيدةٍ وصلاح

    محامي الدفاع: حضرة القاضي لقد ترامت إلى مسامع موكلي أخبار عن نساء غادرات ألحقن الأذى بأزواجهنّ كما سمع عن أبناء غدوا مضرب المثل في عقوق آبائهنّ وأمهاتهن فراعه ذلك وأطلق حكماً قاطعاً يقول:

    عروسك أفعى فهب قربها وخف من سلسلكَ فهو الحنش

    ممثّل الاتهام:

    حضرة القاضي .. الحقيقة واضحة كالشمس ، إنّه حقدٌ أعمى وكره لئيم للنصف الآخر ، جعله يسيء الظن في المرأة ويرى أنّ الكثيرات ينجبن أطفالاً من غير أزواجهنّ ولا يستطيع أحدٌ أن يَمِيز بين ابن الزانية وابن الحرّة الطاهرة

    وسيّانِ من أمّه حرّة حصانٌ ..ومن أمّه فرتنى (أي زانيه)

    وهو القائل :

    ألا إنّ النساء حبالُ غيٍّ بهنّ يضيّع الشرف التليد

    وهو يرى أنّ النساء لا يتمتّعن بالوفاء إلا في لحظة الموت يقول:

    من صفات النساء قدماً أن لسن للودّ مصفِيات

    وما يبين الوفاء إلا في زمن الفقد والوفاة

    هذا هو أبو العلاء ، عدوّ النساء ومحتقرهن، والداعي لجهلهنّ والحذر من تعليمهن ، بل ويدعو خلف الجدران لسجنهنّ ، أفبعد هذا كله تتبنّى قضيّته يا محامي الدفاع والأولى بك أن تتبنّى قضيّتهن ؟

    محامي الدفاع: أو تظنّ نفسك بقولك هذا قد أنصفتهن ، ووقفت إلى جانبهن وهل وجدنا في جحيم أبي العلاء واحدة منهن ؟ بالعكس تماماً ، إنّ المعرّي في رسالة الغفران قد جعل القبيحات المشهورات في الدنيا حسناوات في غفرانه مثل حمدونة وغيرها ، أمّا بالنسبة لقوله

    وسيّان من أمّه حرّة حصانٌ ومن أمّه فرتنى

    فالمعري يرى أنّ المساواة بين البشر واقعةٌ في أصلهم الواحد ،والأطفال يتظاهرون في ظواهر الولادة بغضّ النظر عن أمهاتهم فكلّهم من آدم ، لافرق بين ابن الحرّة الشريفة وابن التي تتزيّن للرجال ، ،أيتّهم موكّلي بكره النساء وحقده عليهن لمجرّد أنّه رفض الزواج ؟

    الشاعر: يا ناس ..ألا تؤمنون بالله ؟ .. ألا تعتقدون بأنّ كلّ شيْ يحدث بإرادته ؟ وأنّه لا تسقط من ورقة إلاّ بإذنه ؟ لقد قدّر الله لي أن أعيش عازباً فأنا مجبر على الانصياع لقضاء الله وقدره ، وهل لي من الأمر شيء؟

    ممثّل الاتهام: على نفسها جنت براقش ، .. ومن فمك أدينك ، …ها أنت تذكّرنا بقضيّة كدنا ننساها ، ألا إنّها قضيّة الجبر

    ممثّل الاتهام: حضرة القاضي .. إنّه يدّعي أنّ الإنسان مجبرٌ على سلوكه ، وأنّه غير قادر على الاختيار ، بل هو مدفوعٌ بقضاءٍ لا يعرف كنهه، ألم يقل في مقدّمة اللزوميّات : إنّه لم يؤلّف هذا الكتاب طائعاً ، وإنّما ألّفه بقضاءٍ لا يعرف كنهه ، كلّ ذلك ليتنصّل من أفعاله وليتبرأ من شروره وآثامه فهو القائل :

    حوتنا شرورٌ لا صلاح لمثلها فإن شذّ منّا صالحٌ فهو نادر

    وما فسدت أخلاقنا باختيارنا ولكن بأمرٍ سببته المقــــادر

    فقل للغراب الجون إن كان سامعاً أأنت على تغيير لونك قادر

    وهو القائل أيضاً:

    ما باختياري ميلادي ولا هرمي ولا حياتي ..فهل لي بعد تخيير

    ولا إقامةَ إلاّ عن يدي قدرٍ ولا مسيرَ إذا لم يُقضَ تيسير

    محامي الدفاع: وهل يعاب الرجل في هذا ؟ أليست هذه المسألة معضلة العصر وكلّ العصور ؟ إنّ الجبر ليس مذهباً عند أبي العلاء . بل هو اطمئنانٌ عمليّ من أثر التشاؤم ..إنّه ليس معقولاً لكنّه واقع فتلقاه برضىً لأنّك لا تستطيع تعليله ولا تبديله

    إذا كنت بالله المهيمن واثقاً فسلّم إليه الأمر في اللفظ واللحظ

    كما أنّه لا يريد أن يؤمن بالجبر لأنّه يرى فيه حينئذٍ نسبة خلق الشر إلى الله ..إنّ تقاه يأبى عليه ذلك ، ولكنّه يرى كثرة شواهد الجبر حوله فيذعن اضطراراً أو اطمئناناً لنفسه لا يقيناً

    القاضي:

    لا تعش مجبراً ولا قدريّاً واجتهد في توسّط بين بينا

    إنّ مسألة الجبر والاختيار مسألةٌ قديمةٌ تحدّث فيها الفقهاء والمفكّرون كثيراً ، واستقرّ رأي الجمهور منهم على أنّ هناك بعض الأمور لا يد فيها للإنسان ولا يملك القدرة على تغييرها ، كمولده ،ووفاته ، ولون عينيه وبشرته وغيرها من الأمور الخارجة عن نطاق إرادته ، وهناك أمور أخرى يرى الإنسان نفسه أمامها حرّاً طليقاً قادراً على فعلها وتركها . وهذا ما يحاسب عليه ، وما ذكره أبو العلاء لإثبات أنّ الإنسان مسيّرٌ في حياته ينضوي تحت الأمور الخارجة عن نطاق إرادته ، ولا تنفي أن يكون الإنسان حرّاً في أمورٍ أخرى ، فالغراب الأسود لا يستطيع تغيير لونه ، لكنّ الإنسان قادر على فعل الخير وارتكاب المعاصي ، قادر على أن يبذّر أمواله فيما يغضب الله أو أن ينفقها في ما يرضي الله ، وما قاله الشاعر منافياً لهذه الحقائق ليس صحيحاً ، بل هو تنصّل من التبعات ومحاولة لتسويغ التقصير وارتكاب الذنوب ، ..

    أم أنّ لك رأياً آخر يا أبا العلاء ؟

    الشاعر:

    خذي رأيي وحسبك ذاك منّي على ما فيه من عوجٍ وأمتِ

    وماذا يبتغي الجلساء منّي أرادوا منطقي وأردت صمتي ويوجد بيننا أمدٌ قصيٌّ فأمّوا سمتهم ..وأممت سمتي

    إنّ مصدر إيماني بالجبر أمران : أوّلهما : أنّ كلّ شيءٍ في هذه الدنيا هو نتيجةٌ لشيءٍ كان قبله وعلّةٌ لشيءٍ يجيء بعده ، أي لا موضع للاختيار ولا محيد عن الجبر، وثانيهما : إيماني بشمول القدرة الإلهيّة والعلم الإلهيّ لكل شيءٍ في هذا الكون .

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العلاء المعري

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 2:09 pm

    القاضي: كفانا جبراً واختياراً … فقد أفضنا في الحديث عن حياة المعرّي وفكره ونظراته في الحياة ، دعونا من ذلك وحدّثونا عن أدب المعرّي وآثاره وسرّ تعصبه لأبي الطيّب المتنبي الذي ذكرتم أنّه فارق بغداد مكرهاً نصرة له

    محامي الدفاع: وهل هناك أحدٌ يحبّ الشعر الجيّد ويتذوّقه ولا يعجب بالمتنبّي ؟ فما بالك إن كان شاعراً كأبي العلاء ؟

    ممثّل الاتهام: من منّا لم يعجب بشعر المتنبي ولكنّ الإعجاب شيء والانتحال شيء آخر0 إنّ ما فعله المعري أنّه سطا على أفكار المتنبي وأخذ يرددها ، وسنعرض أمامكم أيّها السادة مقطعاً من لامية أبي العلاء لنوازنها بلامية المتنبي 0000يقول المعري:

    ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل عفافٌ وإقدامٌ وحزمٌ ونائل

    أعندي وقد مارست كلّ خفيّةٍ يصدّق واشٍ أو يخيّب سائل

    كأنّي إذا طلت الزمان وأهله رجعت وعندي للأنام طوائل

    وإنّي وإن كنت الأخير زمانه لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل

    ولو كان في لبس الفتى شرفٌ له فما السيف إلاّ غمده والحمائل

    ووازنوها بقول المتنبي :

    لك يا منازل في القلوب منازل أقفرت أنت وهنّ منك أواهل

    جمع الزمان ، فما لذيذٌ خالصٌ مما يشوب ولا سرورٌ كامل

    ما نال أهلَ الجاهليّة كلّهم شعري ولا سمعت بسحري بابل

    وإذا أتتك مذمّتي من ناقصٍ فهي الشهادة لي بأنّي كامل

    من لي بفهم أهيل عصرٍ تدّعي أن يحسب الهنديّ فيهم باقل

    ألا ترون معي أيها السادة أنّ المعرّي يدور في فلك المتنبي ولا يستطيع الإفلات منه ؟ ثمّ أين هذا الجديد الذي ادعى أنّه سيأتي به في قوله ؟:

    وإنّي وإن كنت الأخير زمانه لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل

    إنّه يتقمّص شخصيّة المتنبي ، ويترسّم خطاه وكأنّه ظلّه 0

    محامي الدفاع: وهل في ذلك ضير ؟ ألا يكفي أبا العلاء فخراً أنّه جارى المتنبي ؟ ومن استطاع ذلك غيره ؟ . فقد تأثّر به بادئ ذي بدء ، إلاّ أنّه اختلف عنه فيما بعد سلوكاً وشعراً ، فالمتنبي أيّها السادة شاعر يقول الحكمة وينتحل الفلسفة أمّا أبو العلاء فهو حكيمٌ وفيلسوفٌ حقاً، والمتنبي مدح الأمراء والملوك طمعاً في المال والهدايا ، أمّا المعرّي فقد صان نفسه عن ذلّ السؤال ولم يجن من شعره أيّة ثمرةٍ مادّيّةٍ ، والمتنبي ظلّ يكدح في طلب الدنيا حتّى قتلته ، بينما أبو العلاء فقد أعرض عنها حتّى قتلها .

    ممثّل الاتهام:

    أين المعري من أبي الطيّب يا رجل ؟ المتنبي ذروة عجز الشعراء عن بلوغها ، وأنا لا اريد مقارنته بأبي العلاء بل أردت أن أبيّن أنّ أبا العلاء لم ير شاعراً مقتدراً إلاً وسرق منه شيئا ، فنونيّته التي مطلعها :

    عللاني فإن بيض الأماني فنيت والزمان ليس بفان

    يقلّد فيها ابن الرومي وداليّته

    غير مجدٍ في ملّتي واعتقادي نوح باكٍ ولا ترنّم شادِ

    التي طالما طبّل وزمّر لها أنصاره ، وزعموا أنّها رثاء الإنسانيّة ، ما هي ألاّ سرقةٌ خفيّةٌ وانتحالٌ لقصيدة أبي العتاهيه التي قيلت قبل المعرّي بأكثر من مئة سنة والتي يقول فيها :

    لدوا للموت وابنوا للخراب فكلّكم يصير إلى تبــــــاب

    لمن نبني ؟ ونحن إلى ترابٍ نصير كما خلقنا من ترابِ

    ألا يا موت لم أر منك بدّاً أتيت فما تحيف وما تحابي

    كأنّك قد هجمت على مشيبي كما هجم المشيب على شبابي

    أيا دنياي مالي لا أراني أسومك منزلاً إلاّ نبــــــا بي

    تقلّدت العظيم من الخطايا كأنّي قد أمنت من العقــــــــاب

    ألا ترون أيّها السادة أنّ أبا العلاء يعزف على أوتار أبي العتاهيه ؟

    محامي الدفاع: أين الثريّا من الثرى ؟ …المعرّي الذي لم يترك كلمةً قالتها العرب إلاّ عرفها بحاجة إلى السرقة والإنتحال ؟ هذا الحكيم الذي تفيض أبيات قصيدته (رثاء الانسانية) حكمة وتجربة ونضجاً وتواضعاً وشمولاً وتربّعاً على عرش الأدب بحاجة إلى السرقة والانتحال؟! أمعنوا النظر أيّها السادة تجدوا في هذه القصيدة عقلاً راجحاً وإنساناً كريم الخصال :

    خفف الوطء ما أظنّ أديم الأرض إلاّ من هذه الأجساد

    سر إن اسطعت في الهواء رويداً لا اختيالاً على رفات العباد

    وقبيح بنا وإن قدم العهــــــــــــــــــــــــد هوان الآباء والأجداد

    القاضي:

    الحق يقال أنّ هذه القصيدة من أروع ما قيل في الرثاء الإنساني وما تضمنته من حكمة وصدق عاطفي يرفع قائلها إلى مصاف المبدعين الأفذاذ 0وليست هي القصيدة الوحيدة في هذا المجال وإنّما له مواقف إنسانية كثيرة لعل من أروعها قوله:

    ولو أنّي حبيت الخلد فرداً لما أحببت بالخلد انفرادا

    فلا هطلت عليّ ولا بأرضي سحائب ليس تنتظم البلادا

    وقوله: فلتفعل النفس الجميل فإنّه خير وأحسن لا لأجل ثوابها

    أجل يحق لك أن تفاخر بهذه الإبداعات يا محامي الدفاع0

    محامي الدفاع:

    حضرة القاضي: أحبّ أن أضيف إلى هذا الإبداع أنّ المعري من حيث شكل القصيدة قد أضاف إبداعات كثيرة فهو لم يكتف بالروي والقافية بل تعدّاها إلى لزوم ما لا يلزم ثم يتّهم بالتقليد ؟ إنّ اللزوميّات أيّها السادة معجزةٌ ما جاد الدهر بمثلها ، ففي حين يعتمد الشعراء حرف رويٍّ واحداً وقافيةً واحدةً ، كان منهج المعري أدقّ من ذلك وأروع ، فالقافية تلزم عنده لوازم لا يفتقر لها البيت من ردفٍ وتأسيس ووصلٍ وخروج ، وفي حين ينتقي الشعراء حروفاً معيّنةً يبنون عليها قصائدهم ، نظم المعرّي شعره مستوفياً حروف العربيّة كلّها في قوافيه ، وأريد أن أسأل ممثل الاتهام : من من الشعراء جعل حرف الثاء أو الظاء رويّاً في شعره غير موكلي ، بل وأكثر من ذلك فقد جاء حرف الرويّ في اللزومياّت بالحركات الثلاث والسكون أيضاً ، كما ألزمه حرفاً يسبقه من تاءٍ أو ياءٍ أو غيرها في كلّ القصيدة وإليكم هذا الشاهد :

    وليس ركابي عن رضاي عوادناً ولكن عداها أن تسير عوادي

    أتجمع في ربعٍ قيانٌ كأنّهــــــا شوادن باللحن الخفيف شوادي

    بوادٍ نأت عنه العيون وعنده بوادن للأمر القبيـــــــــح بوادي

    وما تشبه الشمس الروادن مرّداً كخيــــــــــلٍ بميدان الفسوق روادي

    وكلّ روادٍ لا تصاب أبيّــــــــــةٌ متى نوزعت في منطق لـــــــرواد

    فهل قاتــــــل منهنّ غيداء مرّةً فوادٍ وهل للمومســــــــات فوادي

    إنّه التزم حرف الواو قبل القافية مع أنّ قواعد العروض لا تفرض عليه ذلك .

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العلاء المعري

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 2:11 pm

    ممثّل الاتهام:

    وما حاجتنا إلى كلّ هذا التعقيد والغموض ؟ ولم هذا التكلّف الظاهر المرفوض ؟

    الشعر((ياصاحبي ))لمحٌ تكفي إشارته وليس بالهذر طوّلت خطبه

    الشعر == معانٍ لو فصّلتها القوافي هجّنت شعر جرولٍ ولبيدِ

    حزن مستعمل الكلام اختياراً وتجنّبن ظلمـة التعقيد

    وركبن اللفظ القريب فأدركــــــن به غاية المراد البعيد

    إنّه إلزامٌ لا مبرر له ، ولعب بالقوافي لا طائل منه ، فمن يقرأ اللزوميات يجد أنّ جوانب كثيرة منها واهية إذ استغرقها الشاعر بالتكرار الممل حتى أسلوبه يسقط في أكثر من موضع ، ربّما قد وفّق في بعض الأبيات لكنّها في الكثرة الغالبة يعمّها الإسفاف والضعف0 إنّ المعرّي أيّها السادة كالغراب الذي أراد أن يتعلّم مشية الحجل فضيّع المشيتين معاً ، أخفق بين الفلاسفة فادّعى الشعر ، وأخفق بين الشعراء فادّعى الفلسفة وصاغ قوافي جاءت بالأبيات ، وجاء بأفكارٍ لا يربطها رابط أو موضوع ، وتحتاج إلى معجمٍ لفهمها وفكّ طلاسمها

    محامي الدفاع: لقد نبا سيفك وطاش سهمك يا ممثل الاتهام ، فاللزوميّات ليست أحاجياً وطلاسم كما ادّعيت ، وإنّما هي برودٌ محكمة النسج جيّدة السبك ، خيوطها متينةٌ ونقوشها زاهية ، استطاع موكلي أن يوائم فيها بين سموِ المعنى وجودة اللفظ وحسن الصياغة ، وما كان أبو العلاء ليرضى أن يسوق معانيه بلفظٍ مبتذل وأسلوبٍ مباشر ، فهو شاعر يعرف قيمة الكلمة ويقدّر شأن العبارة ، كما أنّه معلّمٌ حريصٌ أن يعلّم طلابه طرائق التعبير ، وينثر بين أيديهم ما حفظه من كنوز لغتنا العربيّة ودونكم واحدة منها وتذكّروا أنّها من اللزوميّات

    لعل الموت خيرٌ للبرايا وإن خافــــــــــوا الردى وتهيّبوه

    اطاعوا ذا الخداع وصدّقوه وكـــــــم نصح النصيح فكذّبوه

    وجاءتنا شرائع كلّ قومٍ على آثـــــــــــــار شيءٍ رتّبوه

    وغيّر بعضهم آثار بعضٍ وأبطلت النهى مــــــا أوجبوه

    فلا تفرح إذا رجّبت فيهم فقد رفعوا الدنيء ورجّبوه

    وما دان الفتى بحجىً ولكن يعلّمـــــــه التديّــن أقربــــــوه

    فهل يعاب الرجل بمقدرته اللغويّة وغزارة ألفاظه ؟ وقدرته على ابتكار القوالب التعبيريّة الجديدة ، وهل مثل هذا الإنسان المبدع الذي يتدفّق كالنهر الغزير بحاجةٍ إلى ماء السواقي ؟

    القاضي: لئن خفيت شخصيّة المعرّي في بداياته ، وظهر تأثّره بمن سبقه من شعراء الحكمة ، إلاّ أنّها اتّضحت وتبلورت في الطور الأخير من حياته ، طور العزلة واللزوميّات ، وقد أحدث في الشعر فناً لم يعرفه الناس من قبل ، إنّه الشعر الفلسفي بما فيه من معانٍ دينيّةٍ وخلقيّةٍ واجتماعيّة ، ولكن لابدّ من إشارة إلى أنّ الجهد الذي بذله أبو العلاء في لزوميّاته ، جهد ضائعٌ لم يجن منه ثمرةً تتناسب مع الطاقة التي بذلها ، اللهم إلاّ إذا كان يريد إثبات مقدرته اللغويّة وتمكنه من ناصية البيان ، وهذا شيءٌ يتنافى مع تفكير رجلٍ يدّعي التواضع والابتعاد عن الناس والزهد في الدنيا ، كما أنّ جدّيّة الموضوعات التي تناولها في اللزوميّات تتناقض مع اللعب بالقوافي حتّى ليخيّل إلينا أحياناً أنّ القافية هي التي أتت بالبيت وليس العكس .

    محامي الدفاع: حضرة القاضي … إنّ أبا العلاء أرادها كذلك ، فكانت كما أرادها ، وإن كنتم تحبّون الشعر خالياً من التعقيد جارياً مع الطبع ، ميّالاً إلى السهولة ، فلموكلي أشعار تذوب رقّةً وعذوبةً ..

    وإليكم قصيدته في وصف الليل والتي بزّ فيها المبصرين وإن شئتم أنشدتكم بعض أبياتها

    القاضي: حبذا لو سمعناها بلسان الشاعر

    الشاعر: بكلّ سرورٍ ((ينشد))

    عللاني فإنّ بيض الأماني فنيت والظلام ليس بفـــــــــــــــانِ

    إن تناسيتما وداد أناسٍ فاجعلاني من بعض من تذكرانِ

    ربّ ليلٍ كأنّه الصبح في الحــــــسن وإن كان أسود الطيلسان

    قد ركضنا فيه إلى اللهو لمّا وقف النجم وقفة الحيران

    كم أردنا ذاك الزمان بمدحٍ فشغلنا بذمّ هذا الزمان

    ليلتي هذه عروس من الزنج عليهــــــا قلائدٌ من جمان

    هرب النّوم عن جفوني فيها هرب الأمن عن فــؤاد الجبان

    وكأنّ الهلال يهوى الثريّا فهمـــــــــا للوداع معتنقان

    نحن غرقى ..فكيف ينقذنا نجــــمان في حومة الدجى غرقان

    ثمّ شاب الدجى وخاف من الهجـــر فغطّى المشيب بالزعفران

    ممثّل الاتهام: وما الجميل في هذه الأبيات ؟ أنا لا أرى فيها سوى مجموعة من الصور التقليديّة امتاحها الشاعر من معين ذاكرته وكرر ما قاله غيره ، وليس له في ذلك أيّ فضل.

    القاضي: لا يا ممثّل الاتّهام إنّها كلمةٌ للحقّ تقال ، هذه الأبيات على درجةٍ عاليةٍ من الجودة والجمال ، فألفاظها رقيقة ، وموسيقاها عذبة ، وصورها طريفة ، ولا أثر فيها للتكلّف والتعقيد الذي لمسناه في اللزوميّات ،

    القاضي: لندع الآن شعر أبي العلاء …ولننتقل إلى نثره فهلا أضأتم لنا هذا الجانب يا ممثّل الاتهام؟

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العلاء المعري

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 2:13 pm

    ممثّل الاتهام:

    وأيّ نثر تقصد يا حضرة القاضي …؟ وهل للرجل نثرٌ يذكر ؟ إنّما هي بعض الرسائل التي حاول فيها أن يثبت نثراً ما عجز عن إثباته شعراً ، فجاءت ملآى بالصنعة البديعيّة من سجعٍ معقّدٍ وطباقٍ متعمّد وجناس غريب مردد ، إنّ نثره ألغازٌ وأحاجٍ تحتاج إلى منجّمين لفكّ رموزها ، ويقصر الفهم عن إدراك الغرض منها ، وكانوا يقولون : المعنى في قلب الشاعر فصار المعنى في قلب الناثر . وإليكم هذا المقطع وقد اخترناه سهلاً نسبةً إلى غيره :

    ((فحرس الله سيّدنا حتّى تدغم الفاء تلك الحراسة بغير انتهاء ، وذلك أنّ هذين ضدّان ، وعلى التضاد متباعدان ، رخوٌ وشديد، وهاوٍ وذو تعقيد ، وهما في الجهر والهمس بمنزلة غدٍ وأمس ، وجعل الله رتبته التي كالفاعل والمبتدا ، نظير الفعل في أنّها لا تخفض أبدا ))

    هذا هو نثر أبي العلاء يا حضرة القاضي

    محامي الدفاع: أوتنكر على الرجل نثره يا هذا ؟ وما وصل إلينا منه كافٍ ليجعل منه كاتباً عظيماً ، فما بالك لو وصل إلينا كلّه ؟ إنّ رسالة الغفران أيها السادة أصدق برهان على ذلك ، إنّها عملٌ فريدٌ من نوعه ، وهي تنقسم إلى قسمين :

    القسم الأوّل على شكل قصّةٍ خياليّة جعل المعرّي بطلها ابن القارح يرحل إلى العالم الآخر ويدخل الجنّة بشفاعة الرسول محمّد (ص) ثمّ يبدأ بالتجوال في الجنّة والنار فيطّلع على ما أعدّه الله لعباده المؤمنين من متعٍ لا تخطر على بال بشر ، وما أعدّه للكافرين من ألوان العذاب ، وكان يغتنم فرصة لقائه بالشعراء والرواة وعلماء اللغة ليسألهم عن بعض القضايا الأدبيّة واللغويّة .

    أمّا القسم الثاني : فيتضمّن الرد على رسالة ابن القارح ـ الأديب الحلبي ـ وفيه أفكار وأخبارٌ عن الزنادقة وما ينتظرهم من عقاب .

    ممثّل الاتهام: أهذا كلّ ما في الأمر ؟ إنّها رسالة شك لا رسالة غفران ، وهي قصّةٌ غريبةٌ تشهد بسوء عقيدته وفساد سريرته ، خلط فيها الجد بالهزل ، وسخر من العقائد الدينيّة ، طلب فيها المغفرة للزناديق من الشعراء الذين زجّهم في الجحيم ليخفي كفره وإلحاده ، وفي الوقت نفسه جعل من جنّة المؤمنين صالوناً فخماً عامراً بكثيرٍ من الخلعاء والماجنين ، إنّها محاولةٌ لتعويض ما خسره في الدنيا من مسرّاتٍ ، فهو يريد أن يحقق بالأحلام ما عجز عن تحقيقه في الواقع ، ألم يجعل الأعمى بصيراً ، والهرم شابّاً ، والقبيحات حسناوات.

    محامي الدفاع: وهل الحقيقة غير ذلك ؟ أم أنّك تتوقّع أن تكون الجنّة ملأى بالعميان والعرجان والطرشان ؟ ! ، إنّ كلّ ما جاء في الرسالة مستمدٌّ من القرآن الكريم والسنّة الشريفة وقد استعار المعرّي كثيرا من التسميات والألفاظ من القرآن ، كما ورد في الرسالة عشرات الآيات القرآنيّة . وهو لم يدخل في الجنّة أحداً أكّد القرآن أنّه سيخلد في النار

    أمّا الجانب الساخر ، فقد تناول فيه ابن القارح الذي زجّ بنفسه في معركةٍ لا طاقة له بها ، رادّاً عليه بتطوافٍ في الجنّة والنار مظهراً براعةً لغويّةً ونحويّةً وثقافيّة ودينيّة بأسلوبٍ جديدٍ مبتكر لم يسبقه إليه بشر

    ممثّل الاتهام: أين هو من الإبتكار ؟إنه يعتمد على ذاكرته فيجمع ما قال غيره ويعيد ترتيبه ليظهر أنّه جديد.

    إنّ المعري أيها السادة سرق رسالة الغفران من رسالة التوابع والزوابع لابن شُهيد الأندلسي .التي كتبت قبل رسالة الغفران بعشرين عاماً ،ومن المؤكد أنّ أبا العلاء قد اطّلع على هذه الرسالة ونسج على منوالها

    محامي الدفاع:أين هذا من ذاك يارجل…لقد رحل ابن شهيد بنفسه إلى عالم الجن مع رفيق له هو زهير بن نميز في حين أن المعري جعل ابن القارح يرحل إلىالدار ا لآخرة ويتجول في أنحاء الجنة والنار .ورسالة ابن شهيد محدودة الأفق اقتصر فيها كاتبها على القرآن والسنة ،بينما كانت رسالة الغفران غنية بالمعارف تعكس ثقافة المعري الدينية والأدبية واللغوية والفلسفية ، ثمّ أيّة قيمةٍ لرسالة ابن شهيد ولم يصل إلينا منها سوى شذراتٍ وجدت في ذخيرة ابن بسّام ، أمّا رسالة الغفران فقد وصلتنا كاملةً وذاعت في أنحاء العالم كافّةً وقد تأثّر بها دانتي في الكوميديا الإلهيّة ،

    القاضي: تذكر كتب الأدب أنّ ابن شهيد من السبّاقين إلى خوض العالم الآخر ، وليس من الصعب وصول رسالته إلى المشرق وليس بعيداً أن يكون المعرّي قد اطّلع عليها ، ولكن لا أظنّ أنّه تأثر بها ، والمرجّح أنّه تأثر بقصّة الإسراء والمعراج ، وقد استطاع أن يلخّص فيها كلّ ما وعته ذاكرته وما وصل إليه علمه بأسلوبٍ قصصي جذابٍ ، فكانت هذه الرسالة بحق مدرسةً كاملةً تنهل منها الأجيال دروساً في العلم واللغة والأدب .

    ممثّل الاتهام: والله إنّني أرى فيها خطراً على أجيالنا ، فمن المعلوم أنّ لكلّ قصّةٍ غاية ، ولا يحقّ لكاتبٍ أن يجعل الشخصيّات الشريرة في قصصه تنجو من العقاب وتفلت من يد العدالة ، بينما نرى المعرّي في رسالته يدخل الجنّة أناساً لا يستحقّونها .فهو بذلك يرسّخ في قناعات الأجيال أنّ المجرمين والمنحرفين يجب أن لا يؤخذوا بجريرة أفعالهم وهذا أمر خطير0

    القاضي: لقد كررت هذه المقولة أكثر من مرّة بلا دليل ، فهلاّ أتيت بمثالٍ على كلامك هذا ؟ وأرجو أن يكون المثال من الغفران ، وكما ذكره المعرّي ن فقد ابتلي هذا الرجل بمن يؤول كلامه ويستنبط منه نتائج وأحكاماً ما خطرت له ببال

    ممثّل الاتهام: حسناً …إليكم هذا النص ، وقد نقلته من رسالة الغفران ص(46) (( فيقول أي الأعشى : سحبتني الزبانية إلى سقر فرأيت رجلاً في عرصات القيامه يتلألأ وجهه تلألؤ القمر والناس يهتفون به من كلّ أوب : يا محمّد ..يا محمّد.. الشفاعة ..الشفاعة… نمتّ بكذا ..ونمتّ بكذا .. ، فصرخت في أيدي الزبانية : يا محمّد أغثني فإنّ لي بك حرمة ، فقال : يا علي بادره فانظر ما حرمته ؟ فجاءني علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأنا أ عتل كي ألقى في الدرك الأسفل من النار ، فزجرهم عنّي وقال : ما حرمتك؟ فقلت : أنا القائل :

    ألا أيّهذا السائلي أين يمّمَت فإنّ لها في أهل يثرب موعدا

    فآليت لا أرثي لها من كلالةٍ ولا من حفىً حتّى تلاقي محمّدا

    متى ما تناخي عند باب ابن هاشمٍ تراحي وتلقي من فواضله ندى

    أجدّك لم تسمع وصاة محمّدٍ نبي الإله حين أوصى وأشهدا

    إذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقىوأبصرت بعد الموت من قد تزوّدا

    ندمت على أن لا تكون كمثّله وأنّك لم ترصد كما كان أرصدا

    نبيٌّ يرى ما لا يرون وذكره أغار لعمري في البـــــــلاد وأنجدا

    وقد كنت أومن بالله وبالحساب ، وأصدّق بالبعث ، وانا في الجاهليّة الجهلاء ، فذهب عليٌّ إلى النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) فقال : يا رسول الله هذا أعشى قيس قد روي مدحه فيك وشهد أنّك نبيٌّ مرسل ، فقال : هلاّ جاء في الدار السابقة ؟ فقال علي : قد جاء ولكن صدّته قريشٌ وحبّه للخمر . فشفع لي ، فأدخلت الجنّة على أن لا أشرب فيها خمراً .

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    أبو العلاء المعري

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الجمعة يوليو 03, 2009 2:14 pm

    القاضي: وما الغرابة في ذلك ؟ والله إنّ هذا الرجل ليستحقّ الرحمة والمغفرة ، وربّنا كريمٌ وقد وسعت رحمته كلّ شيْ

    ممثّل الاتهام: لكنّ ذلك لا يمكن أن يحدث ، وكيف يدخل الجنّة إنسانٌ أدرك الإسلام ولم ينضو تحت لوائه … تصوّر يا حضرة القاضي حتّى الحطيئة الذي ما ترك أحداً إلاّ هجاه ، وكان أوّل المرتدّين عن الإسلام أدخله المعريّ الجنّة ،

    الشاعر: وما الذي يضايقك يا رجل ؟ إنّ جنّة الله واسعة ، أم أنّك تخاف ألا يبقى لك مكانٌ فيها ؟

    ممثّل الاتهام: بل أخاف أن يشملك الله برحمته ويدخلك الجنّة فتحاول إفسادها كما حاولت إفساد الدنيا

    محامي الدفاع: (متوجّهاً نحو أبي اعلاء )(ومشيراً إلى ممثّل الاتهام )

    فارقد هنيئاً بفردوس العلا ثملاً وجاحدوك صلوا من غيّهم سقرا

    القاضي: لا ..لا..لا داعي لهذه المهاترات ، فقد أشرفت جلستنا على نهايتها وأرجو أن تهدأ النفوس وتتصافى القلوب ، ولنتذكّر دائماً الأهداف التي وجدت من أجلها هذه المحكمة ، ألا وهي خدمة أدبنا العربي ، ونفض الغبار عن تراثنا الخالد وتعريف الناس به ،

    ممثّل الاتهام:أيها السادة الأكارم إنّ كلَّ ما قلته في هذا الجلسة ينضوي تحت هدف سامٍ ألا وهو طلب الحقيقة فإن قسوتُ فما يجلو صدأ الحديد إلاّ النار بعدها يعود قويّاً لامعا، وهكذا اعتدنا في هذه المحكمة أن نفكّر بحريّة لأن الحكمة ضالتنا والعدل رائدنا ، ولن نحيد عن هذه المبادئ قيد أنملةٍ إن شاء الله 0 إنني أشكر للمحكمة رحابة صدرها وللشاعر حسن تقبله للنقد وللجمهور الكريم حسن تجاوبه وأعلموا أن أبا العلاء كان ولا يزال علماً بارزاً من أعلام أدبنا العربي وشكرا000

    محامي الدفاع: إنني أضمّ صوتي إلى صوت زميلي ممثّل الاتهام وأشدّ على يده ، لنتعاون معاً على خدمة لغتنا العربيّة وإحياء هذا التراث العريق والاعتماد عليه في بناء المستقبل . فلا مستقبل بلا ماض ولا اخضرار بلا جذور .



    الشاعر: بارك الله بكم وسدد خطاكم وشكر لكم سعيكم ، وإنني أحمد الله الذي يقيّض لحضارتنا العربيّة دائماً من يتعهّدها بالعناية والرعاية لتبقى شعلةً ساطعة ومنارةً تهتدي بها الأجيال .

    القاضي: أشكر لكم حرصكم على هذه الأمّة ولغتها وتراثها ، كما أحيي هذا الجمهور الكريم الذي ما جاء إلى هذه القاعة إلاّ مدفوعاً بحسّه القومي وحبّه للعرب والعروبة .

    ترفع الجلسة للمداولة الجلسة الآن للنطق بالحكم ….

    باسم الأدب والأدباء …. وتحت شعار ((لا اخضرار بلا جذور)) ….تقرر المحكمة ما يلي :

    _ إنّ أبا العلاء المعرّي علمٌ بارز من أعلام أمّتنا العربيّة ، وشاعر فذٌّ ، تمثّل ثقافة عصره ، وألمّ بالعلوم والمعارف السائدة آنذاك ، وصاغها في أدبٍ بليغٍ محكم يشهد بموهبته الفنيّة ومقدرته اللغويّة كما يشهد بحدّة ذكائه وعمق تفكيره

    -كان المعرّي مؤمناً بالله وملائكته وكتبه ورسله ، يأتمر بأوامره وينتهي عن نواهيه ، وكلّ الذين قابلوه وعرفوه عن قرب يشهدون بتقاه وينزّهونه عن الشبهات .ويمكن أن نتلمّس عظمة المعري في أمور:

    1- صراحته في مهاجمة ما كان يراه فاسداً في الأخلاق وفي الحكام

    2- توجهه بالشعر إلى موضوعات أخلاقية وحضارية لم يسبق إليها

    3- تطبيقه الحكمة على نفسه وإظهار مبادئها في حياته

    4- ترفعه عن التكسب بشعره وزهده وصون وجهه عن ذل السؤال

    5- وقوفه إلى جانب الجماهير المقهورة والمغلوبة على أمرها0

    -والمعرّي على سمو قدره وعلو منزلته يبقى إنساناً ولا يوجد إنسانٌ خالٍ من الأخطاء ، ولذلك فقد أخذ عليه ما يلي :

    ـ اعتداده بعقله وإخضاع الدين لسلطان العقل وغروره هذا جعله يبيح لنفسه الخوض في بعض المسائل الحساسة التي جعلت الشبهات تحوم حوله ، وهذا ما سهّل على خصومه مهمّة النيل منه والطعن في عقيدته .

    ـ كما يؤخذ عليه التعقيد في الشعر والنثر والإكثار من الغريب وإلزام نفسه بقيودٍ قاسية وسمت أدبه بالتكلّف ، وكان بإمكانه أن يوظّف هذا الجهد الكبير الذّي بذله في ميادن أخرى فيأتي بكلّ ممتعٍ ومفيد

    ـ والمأخذ الكبير الذي يؤخذ عليه هو موقفه السلبي من المرأة وقسوته البالغة في مهاجمة النساء ، ونعتقد أنّ وراء هذه الخصومة سرّا ، لكنّ المعرّي لم يذع هذا السرّ فدفن معه .

    لكننا في خاتمة المطاف نعود فنذكر أنّ العظماء وحدهم هم الذين يخرجون عن المألوف ويشقّون دروباً جديده ، وهم وحدهم القادرون على تطوير الفكر الإنساني ومدّه بنسغ جديدٍ لينمو ويزدهر ويعطي أفضل الثمار .

    وشاعرنا أبو العلاء المعرّي من هؤلاء العظماء الذين قلّما يجود الزمان بمثلهم

    قراراً وجاهيّاً قابلاً للطعن عن طريق النقد والمناقشة صدر وأفهم علناً

    ((((((هذا العمل من إعداد مجموعة
    ((لااخضرار بلا جذور ))

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    رد: أبو العلاء المعري

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأربعاء أغسطس 26, 2009 9:09 pm

    لتحميل الأمسية الشعرية للشاعر المعري يرجى الضغط على الروابط التالية:


    4shared.com 4shared.com/file/127078992/39598b5/_3_online.html

    4shared.com 4shared.com/file/127107421/50af9c74/_4_online.html

    4shared.com 4shared.com/file/127055621/fa9edc44/2_online.html

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت أبريل 19, 2014 8:17 pm