مجموعة لااخضرار بلا جذور

    الحدثة والتراث

    شاطر

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    الحدثة والتراث

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 9:35 am

    لا اخضرار بلا جذور
    =================



    مجموعة من مدرسي اللغة العربية في ثانويات معرتمصرين – محافظة ادلب أطلقت على نفسها ( مجموعة لا اخضرار بلا جذور ) الأدبية .

    عشقت الأدب وعملت على خدمة لغتنا العربية الجميلة بالكشف عن كنوز أدبها الدفينة والمتجددة وربط الماضي بالحاضر والمستقبل ونبش التراث الأدبي القيم المنقوع في بطون الكتب وعلى رفوف المكتبات ونفض البلى والغبار عنه وتقديمه للناس بأسلوب ممتع شيق يبعد الملل ويقدم المتعة والفائدة بحوار أدبي يعتمد الرأي والرأي الآخر ويخرج عن أسلوب المحاضرة الإلقائي ولا يصل إلى العمل المسرحي بل حوار مفتوح يترجم فيه المتحاورون الموضوع الذي يتناولونه ( شاعر , أديب , قضية أدبية , مناسبة قومية ) ويستعرضون ما له وما عليه وما قاله لنقاد والعارفون فيه سلباً أو إيجاباً ويوردون الكثير من الشواهد الشعرية والنصوص الأدبية في جلسة محكمة نقد أدبية فيها قاض ومحام للدفاع وممثل للاتهام ويستدعى إليها الشاعر المتهم ( موضوع الجلسة ) بزي زمانه ويفضل أن يكون من الشخصيات الاشكالية وتلقى عليه التهم على لسان ممثل الاتهام وهي كل ما أثير حول المتهم من سلبيات تمس شخصه ونتاجه بأدلة من أقوال النقاد وبراهين من نتاجه , ويتولى محامي الدفاع الدفاع عنه بدفوع فيها الكثير مما له من إيجابيات ومواقف ذكرها النقاد والدارسون مؤيدة بالأجود من نتاجه ومعززة بلسان المتهم في دفاعه عن نفسه شعراً أو نثراً وقد يحتاج الأمر إلى شهود يدلون بشهاداتهم مع المتهم أو ضده أما رأي المجموعة النقدي فهو ما جاء على لسان القاضي وما نطق به قرار المحكمة , وهو عبارة عن خلاصة هذا الجدال الممتع بلغة فصيحة سليمة ولفظ دقيق معبر يشد السامعين إليه ويعرفهم بموضوع الجلسة ويغنيهم عن الرجوع إلى مئات الصفحات , في زمن كسدت فيه الثقافة وقلت القراءة والقراء , وزمن لا يقل عن ساعة ولا يزيد عن ساعتين .

    أسس هذه المجموعة

    الجيل الأول من الزملاء : مصطفى الحلبي , رائد السيد أسعد , عبد الغني عون , محمد واكد رزوق , وشاركهم في تقديم بعض الأعمال عدد من الزملاء مثل : زكريا اصطيف , معن اسماعيل , عبد الرحمن جبان , محمد خالد الخالدي .

    وهي مستمرة

    بجيل ثان من الزملاء : محمد واكد رزوق , أسامة يازجي , مازن عون , فائز عبدان .

    تناول الجيل الأول بالدراسة والتقديم كلاً من : أبي نواس , المتنبي ، المعري , التقليد والتجيد , شعراء النقائض , أحمد شوقي , ابن زيدون , المعتمد بن عباد , نزار قباني , وغيرهم , إضافة إلى أعمال أدبية قومية ووطنية مثل : لقاء السيوف , أغنيات للوطن , غضبة الأقصى , قالت العرب , الميلاد الذهبي . عرس الشهادة

    وتناول الجيل الثاني بالدراسة والتقديم كلاً من : أبي فراس الحمداني , جبران خليل جبران , عمر بن أبي ربيعة – بدر شاكر السياب .

    وقد قدمت هذه المجموعة أعمالها في المراكز الثقافية في القطر العربي السوري ولقيت مزيداً من الاهتمام والحضور والتشجيع من القيادات السياسية والادارية ووسائل الاعلام في القطر ونأمل مزيداً من الرعاية . والله ولي التوفيق .

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    الحدثة والتراث

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 9:40 am

    ((مقدّمة))
    قديمةٌ هي المعركة بين القديم والحديث، والصراع الذي دار بينهما لم تخبو ناره ، ولم تنطفئ جذوته ، فريقان في ساحةٍ واحدةٍ ، وكلٌّ منهما يدعم مواقفه ويعززها تثبيتاً لوجوده ودحراً وهزيمةً لخصومه ، وقد يتخلّى أحد الفريقين عن الموضوعيّة والإنصاف ، فأنصار القديم يرون في الجديد ضرباً من الهراء لا مسوّغ له ، وأنصار الحداثة يرون في القديم شيئاً من الجمود وعدم التطوّر ، لكننا في لقائنا اليوم سنشيح بوجوهنا وأبصارنا عن هذه المواقف المغالية المتطرّفة في التعصّب للقديم أو الحديث ، وستكون الموضوعيّة هدفنا والإنصاف رائدنا ، لنعطي ما لله لله وما لقيصر لقيصر ، وقد جعلنا إمامنا العالم الناقد ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء حيث يقول Sad(ولم أسلك فيما ذكرته من شعر كلّ شاعرٍ مختاراً له سبيل من قلّد أو استحسن باستحسان غيره ، ولا نظرت إلى المتقدّم منهم بعين الجلالة لتقدّمه ، ولا إلى المتأخّر منهم بعين الاحتقار لتأخّره ، بل نظرت بعين العدل على الفريقين وأعطيت كلاًّ حظّه ووفّرت عليه حقّه ، فإنّي رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدّم قائله ، ويضعه في متخيّره ، ويرذّل الشعر الرصين ولا عيب له عنده إلاّ أنّه قيل في زمانه أو أنّه رأى قائله ))
    كما أنّ عبّاس محمود العقّاد يقول : ((إنّ التشيّع للقديم والجديد صرفهم عن الاستعداد للحاسّة الفنّيّة التي تطرب للجيد الممتع من ثروة القدماء والمحدثين )) وقد تنبّه لهذا عبد العزيز الجرجاني حين قال ((وما أكثر ما نرى ونسمع عن حفّاظ اللغة وجلّية الرواة ممن يلهج بعيب المتأخرين وأنّ أحدهم ينشد البيت من الشعر فيستحسنه ويستجيده ويعجب به ويختاره فإذا نسب لبعض أهل عصره وشعراء زمانه كذّب نفسه ونقض قوله ، ورأى تلك الغضاضة أهون محملاً وأقلّ مرزاً من التسليم بفضيلةٍ لمحدثٍ والإقرار بالإحسان لمولّد ، وحكى عن إسحق الموصلّي أنّه قال : أنشدت الأصمعي :
    هل لي إلى نظرةٍ إليك سبيل فيبلّ الصدى ويشفى الغليل
    إنّ ما قلّ منك يكثر عندي وكثــــير ممن تحـــبّ القــلــيل
    فقال : هذا والله الديباج الخسرواني ! ولمن تنشدني ؟ فقلت : إنّهما لليلتهما فقال: لا جرم والله إنّ أثر التكلّف فيهما ظاهرٍ .
    إنّ التعصّب للقديم صرف من وقع في غرام القديم عن النزاهة والموضوعيّة وجعله يغمض عينيه عن الجديد وما فيه من روعةٍ وجودة ٍ وإتقان، فقد فرض الجديد نفسه علينا استجابةً لمقتضيات الزمن والتطوّر وفق قوانين الموضوعيّة الحتميّة ، وقد جعلنا هذا الجديد نجلّه ونحترمه على الرغم من أنّ للقديم قداسته ومكانته ، ولعلّ ما يضعف من موقف أنصار الجديد حنين جارف عند الشعوب لماضيها المشرق العظيم ، والذي يقوّي هذا الحنين خلود هذا الأدب وبقاؤه حيّاً متجدداً أكثر من ستة عشر قرناً ، أمّا ما يدعم موقف الحداثيين فهو كوننا نواجه تحدياتٍ عصريّة تتطلّب مواكبة العصر بكلّ ما هو مفروضٌ من احتكاكٍ وتواصلٍ ، فلكم أنصار الجديد ودعاته أن تجددوا وتطوّروا وتتقدّموا شرط أن يبقى ما تكتبونه شعراً يقنع الإنسان العربيّ بمشروعيّة وجوده وأن تضعوا نصب أعينكم هذا البيت :
    إنّ هذا القديم كان جديدا وسيمسي هذا الجديد قديما
    كما نذكّر أنصار التراث بمقولةٍ: (( الثبات موتٌ والتجدد حياة))
    أيّها السادة: سندخل بعد قليلٍ حرم الشعر الذي قال عنه سبنسر : إنّه بمنزلة المنزل اللطيف الذي نلوذ به هرباً من الألم وضوضاء الحياة وما فيها من ضجر وصخبٍ وملل ، سندخل عالم الخلود الذي يضمنه لأصحابه الشعر الأصيل ، قال شاعرٌ يحتضر لصديقه : جرّب أن لا تسمح للموت أن يتغلّب عليّ ، قال له الصديق : كيف ؟ قال الشاعر المحتضر : عبّر عنّي بعبارةٍ خالدةٍ وبذلك لا يستطيع الموت أن يمحوني من الحياة ))
    سيظلّ إذاً للشعر حضوره الأبديّ ، ويظلّ للكلمة أثرها الخالد .

    بسم الله الرحمن الرحيم
    القاضي: قال تعالى في سورة الفجر : (( وتأكلون التراث أكلاً لمّا ))
    وقال أيضاً في سورة مريم : فهب لي من لدنك وليّاً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربّ رضيّا )).....وسؤالنا لأنصار التراث : ما المقصود من التراث في الآيتين الكريمتين ؟ وحبّذا لو أعطيتمونا تعريفاً وافياً بالغرض
    التراث : التراث إرثٌ مادّيّ كما ورد في الآية الأولى ، أمّا في الآية الثانية فالمقصود منه الفضل لا المال ، وهو تجارب السلف المنعكسة على الآثار التي تركوها في المتاحف أو المقابر أو المنشآت أو المخطوطات وما زال لها تأثيرها حتّى عصرنا الحاضر. وهو بمعنى آخر كلّ ما وصلت إليه البشريّة من قيمٍ وأفكارٍ حققتها عبر العصور منذ إنسان الكهف حتّى العصر الحديث .
    القاضي: شكراً لكم .. وأرجو من أنصار الحداثة أن يعرّفوا لنا الحداثة ويوضّحوا هل تتطابق مع المعاصرة ؟ وما الفرق بينهما ؟
    الحداثة : المحدث لغةً هو ما لم يكن معروفاً في كتابٍ ولا سنّةٍ ولا إجماعٍ وهو نقيض القديم ، فالحداثة استجابةٌ لمقتضى التطوّر وهي تعني استجابة المبدع لمقتضيات زمنه ولمقتضيات التطوّر وفق قوانين الموضوعيّة الحتميّة .
    أمّا التجديد فإصلاحٌ وتحسينٌ ، وجدد الشيء : جعله جديداً والجديد هو ما يختلف عمّا سبقه بنسبةٍ ما ، وهو يقدّم إضافةً إبداعيّةً .
    القاضي: شكراً لكم أنصار الحداثة وسؤالنا لأنصار التراث : ما تعريف الأصالة ؟
    التراث :الأصالة لغةً هي الارتباط بالأصل ، واستأصلت هذه الشجرة أي ثبت أصلها ، ورجلٌ أصيلٌ : له أصلٌ ، وهو ثابت الرأي عاقل . ويفهم من هذا المعنى أمران : أوّلهما الارتباط بالأصل والوفاء له والصدور عنه ، وثانيهما : ظهور أصلٍ جديدٍ يحسن الارتباط به والوفاء له والصدور عنه . وقد عرّف المعجم الفلسفي الأصالة بأنّها الصدق والتفرّد ، وهي أن يصدر الإنسان عن طبعه ، الأصالة هي الرؤية المعاصرة للتراث لأننا حين نتعامل مع التراث لا نتعامل معه بوصفه مادّةً خاماً تنتمي إلى الماضي الذي انتهت وظيفته ، وإنّما نتعامل معه بوصفه مواقف وحركة مستمرّة تساهم في تطوير التاريخ وتغييره .
    القاضي: نخلص إلى : أنّ الحداثة حركةٌ تجديديّة شاملةٌ وهي لا مثال لها لأنّها تغييرٌ كلّيٌ ، وقد يكون التجديد في بعض صوره تمهيداً للحداثة ولكنّه ليس الحداثة نفسها .
    وأنّ الأصالة تعني امتداد الجذور ، وهي لا تقف في مقابل المعاصرة إذ لا تعارض بينهما لأنّ من معانيها الصدق مع النفس . فما رأي أنصار الحداثة بالدعوات التي تدعو إلى قطع الصلة بالماضي والتخلّي عنه والتطلّع نحو المستقبل باسم الحداثة والمعاصرة ؟
    الحداثة : من المعلوم أنّ الثبات موتٌ والتجدد حياة ، ولذلك وجب علينا أن نحيا عصرنا المتطوّر المتجدد ، وان نخلع رداء القديم ونرتدي رداءً عصريّاً متحضراً ، ولكم سعدت ورقصت طرباً وتملّكني شعور غامرٌ بالفرح والإعجاب عندما تناهى إلى مسمعي ما أنشده الشاعر المهجريّ فوزي المعلوف في حفلٍ أدبيًّ أقيم في المهجر من قصيدةٍ مطلعها :
    خلّ البداوة رمحها وحسامها والجاهليّة نوقها وخيامها
    فالشاعر يريد منّا أن نعيش عصرنا المتحضّر الذي نبذ السيف والرمح والفرس واستبدل به الطائرة والصاروخ وارتياد الفضاء ، فعلينا أن نتحرر من إسار الماضي ولنكن عصريين نساير ركب المدنيّة والتطوّر
    التراث : على رسلك يا نصير الحداثة فإنّ إعجابك بموقف الشاعر فوزي المعلوف سيزول وينمحي عندما تعلم أنّ الشاعر المهجريّ إلياس فرحات قد تصدّى لفوزي وأنشد على المنبر ذاته قصيدةً رائعةً ردّ فيها على تهجّم فوزي على القديم فأفحمه وأعاد السهم إلى صدره مؤكّداً أنّ لا اخضرار بلا جذور :
    حيّ البداوة نوقها وخيامها والجاهليّة رمحها وحسامها
    حيّتك أشباح القديم وسلّمت فمن العدالة أن تردّ سلامها
    قد تبلغ النفس الطموح أشدّها ويظلّ يذكرها الولاء فطامها
    لولا الجذور المطمئنّة في الثرى ما كانت الأغصان ترفع هامها
    الحداثة : أراكم عدتم بخفي حنين يا أنصار التراث .. إنّ عبادة الأجداد وتقديس كلّ قديمٍ والحفاظ عليه من معالم القرون الأولى في ظهيرة العصور الحديثة ، كلّ ذلك قاد أمّةً كالصين إلى الانهيار ، ولذلك يبدو شاعرنا الرصافي واعياً وموضوعيّاً لهذه الفكرة فهو يطالب العربي بقطع الصلة بالماضي والتحرر من إساره والاهتمام بالمستقبل وحده حين يقول :
    أرى مستقبل الأيام أولى بمطمح من يحاول أن يسودا
    فما بلغ المقاصد غير ساعٍ يردد في غدٍ نظراً سديدا
    فوجّه وجه عزمك نحو آتٍ ولا تلفت إلى الماضين جيدا
    وهل إن كان حاضرنا شقيّاً نسود بكون ماضينا سعيدا
    تقدّم أيّها العربي شوطاً فإنّ أمامك العيش الرغيدا
    وأسس في بنائك كلّ مجدٍ طريفٍ واترك المجد التليدا
    فشرّ العالمين ذوو خمولٍ إذا فاخرتهم ذكروا الجدودا
    فدعني والفخار بمجد قومٍ مضى الزمن القديم بهم حميدا

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    الحدثة والتراث

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 9:41 am

    القاضي: ولماذا أغفلت يا نصير الحداثة قول الشاعر من القصيدة نفسها :
    وخير الناس ذو حسبٍ قديمٍ أقام لنفسه حسباً جديدا
    ألا ينطبق عليك قول أحدهم :
    إن يسمعوا ريبةً طاروا بها فرحاً عني وما سمعوا من صالحٍ دفنوا
    التراث : صحيح أيّها السادة أنّ شاعرنا الرصافي كان مجددا وثائراً فهو يقول :
    تعوّدت ألاّ أستنيم إلى المنى وألاّ أرى إلاّ بهيئة ثائر
    إننا نجد في ديوانه قصائد طويلةً من عناوينها : الكائنات ، اللانهاية والأرض ، نواميس الحياة ، ينحو فيها إلى تنبيه قومه العرب إلى قيمة العلوم الطبيعيّة ، ولكنّه كان ممن مجّدوا ماضينا ، ونشروا فيه صوراً مضيئةً تثير العزّة القوميّة لدى الحفداء ، وقرنوا هذا الماضي المجيد بالحاضر القاتم ليدفعوا الشعب إلى الصحوة حيث يقول :
    أين الجحاجح ممن ينتمون إلى ذؤابة الشرف الوضّاح من مضر
    قومٌ هم الشمس كانوا والورى قمرٌ ولا كرامة لولا الشمس للقمر
    وهو نفسه عندما طالب العرب بتعليم البنات ذكّرهم بالالتفات إلى ما فعله الأجداد للاقتداء بسيرتهم ونهجهم وبيّن لنا الفرق بين المثل العليا في الإسلام وبين الواقع المتدنّي الذي كان عليه العرب في مطلع القرن الحالي قال في قصيدته تربية البنات :
    وقالوا إنّ معنى العلم شيءٌ تضيق به صدور الغانيات
    أليس العلم في الإسلام فرضاً على أبنائه وعلى البنات
    ألم نر في الحسان الغييد قبلاً أوانس كاتباتٍ شاعرات
    فماذا اليوم ضرّ لو التفتنا إلى إسلامنا بعض التفات
    فلقد كان الرصافي يجلّ أجدادنا إذاً ويقدّسهم ، فهو يراهم نبراس العلوم والمعارف وهو القائل أيضاً عنهم
    وعاشوا سادةً في كلّ أرضٍ وعشنا في مواطننا عبيدا
    الحداثة : ما أحرانا أن نقول لكم يا أنصار التراث (( كلّ فتاةٍ بأبيها معجبة)) وإذا كان الرصافي قد مجّد الماضي وطالب بالسير على هديه فإنّ شعراء آخرين شعروا بالمرارة لأنّ قومهم العرب قد استناموا لأمجادهم الغابرة ، ومن هؤلاء الشاعر العراقي رضا الشبيبي حين قال : قلبٌ يحزّ به الألم عبث الزمان أو ابتسم
    يا أمّةً من جهلها تأبى مجاراة الأمم
    ذلّت حديثاً أمّةٌ أبداً تفاخر بالقدم
    وأحال منها رمّةً طول التباهي بالرمم
    التراث : مهلاً ياصديقي ... ولا تحسبنّ أنّك بالغٌ ما تريد بتطاولك على تراثنا الشامخ الذي لن تجد فيه رماداً فحسب ، وإنّما ستجد فيه جمراتٍ متأججةً فهذا شاعرنا الكبير بدويّ الجبل يرى أنّ من الجحود والعقوق التنكر لماضي العرب المجيد والتهجّم على مسيرة الأجداد الفطاحل يقول:
    أمن العدل أيّها الشاتم التاريخ أن تلعن العصورَ العصورُ ؟
    أمن النبل أيّها الشاتم الآباء أن يشتم الكبير الصغــــــــير؟
    وإذا رفت الغصون اخضراراً فالذي أبدع الغصون الجذور
    وهذا هو أمير الشعراء أحمد شوقي يطلب منّا أن نقلّب صفحات تاريخنا لنتعظ به ، ويريدنا أن نعض بالنواجذ على ما وصلنا من بيانٍ فصيحٍ أشهى من الماء النمير يقول
    فخذوا العلم على أعلامه واطلبوا الحكمة عند الحكماء
    واقرؤوا تاريخكم واحتفظوا بفصيحٍ جاءكم من فصحاء
    وهذا الشاعر المهجري محبوب الخوري الشرتوني يفخر بعروبته ويصرّح بحبّه واعتزازه بأجداده البداة الأعراب وكأنّه يقول :
    أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
    يقول محبوب :
    قالوا تحبّ العرب قلت أحبّهم يقضي الجوار عليّ والأرحام
    قالوا البداوة قلت أطهر عنصرٍ صفت القلوب هناك والأجسام
    ومحمّدٌ بطل البريّة كلّها هو للأعارب أجمعين إمام

    الحداثة : ألهى بني تغلبٍ عن كلّ مكرمةٍ قصيدةٌ قالها عمر بن كلثوم
    إنّ ما يحزّ في النفس ويؤلمها أنّ الحديث عن التراث أصبح ضرباً من الزهوّ والتخلّف عن مواكبة العصر السريع التقدم والتغيّر ، وتجميد المواهب الخلاّقة والحجر عليها ، ألم يقع أنصار التراث في وهم وجود حلولٍ سحريّةٍ في هذا التراث لمشكلات حاضرنا وتطلّعات مستقبلنا
    القاضي: التجديد مرغوبٌ فيه ، وتجديد دم الأدب مطلوبٌ من وقتٍ لآخر ، بأفكارٍ جديدة تحمل من الجمال ما يضفي على الأدب لوناً جديداً يجعله شهيّاً أكثر على أن يكون امتداداً للماضي نابعاً من بيئتنا منبثقاً من أرضنا لا مستورداً غريباً ،...ألا يدركنا الزهوّ ويغمرنا شعور العزّة ونحن نقرأ قصيدةً لامرئ القيس أو للنابغة الذبياني أو لعمرو بن كلثوم كما كان يقرأها هؤلاء القوم منذ أربعة عشر قرناً ؟ . ... ألا ترانا نفهم نصوص هذه الأشعار كما كان يفهمها أصحابها وسامعوهم أم تراها أصبحت غريبةً عنّا بعيدةً عن أفهامنا ؟
    الحداثة : حضرة القاضي .. لقد أصبحت أكثر ألفاظ الجاهليين غريبةً على مسامعنا لا تفهمها أجيالنا ولا تستسيغها أذواقنا أإذا خاطبت حسناء أنيقةً قائلاً لها : إنّ أناقتك مأخوذةٌ من الناقة وإنّ جمالك مأخوذٌ من لفظ الجمل ألا تصاب بالغثيان والدوّار؟ ، ولو قابلت امرأةً طويلةً جميلةً تامّة الخلقة وقلت لها : يا عيطموس ، لنظرت إليك شذراً إذ حسبتك تسخر منها ، ولو قلت لطلبتنا : لقد شاهدت في الطريق حيزبوناً شمطاء فهل تجد من يفهم أنّك تقصد العجوز التي خالط شعرها الأبيض الأسود ، ..فما لنا وللتقعّر ياصاح ؟
    الحداثة : (2) واستكمالاً لما قاله زميلي في هذا الجانب أقول : بربّكم أيّها السادة لو قال أحدٌ لزوجته : ناوليني المزبر من القمطر .ماذا ستعطيه ؟
    إنّ الشاعر صفي الدين الحلّي أشار إلى غرابة ألفاظ الجاهليين وصعوبة فهمها في عصر الانحدار أي منذ ألف سنةٍ خلت فهو يقول آنذاك :
    إنّما الحيزبون والدردبيس والطخا والنقاخ والعطلبيس
    لغةٌ تنفر المسامع منها حين تروى وتشمئزّ النفوس
    وقبيحٌ أن يذكر النافر الوحـــــــــــــــــــــــــــشيّ ويترك المــــــــأنوس
    أين قولي هذا كثيبٌ قديمٌ ومقالي عقنقلٌ قدموس
    إنّما هذه القلوب حديدٌ ولذيذ المقال مغناطيس
    التراث : الحقّ معك يا صاحبي .. ولكن ألا ترى معي أنّ غرابة هذه الألفاظ يعود إلى عدم استعمالها في أحاديثنا ، إنّ الاستعمال في حدّ ذاته هو تجديد دائم للغة وإحياءٌ مستمرّ لها ألست ترى معي أنّ لغتنا الفصيحة يحاربها أبناؤها قبل أعدائها إذ يزعمون أنّها لغة بداوةٍ وأنّها ليست لغة حضارةٍ وعلم ، ,وأنّها عقبةٌ في وجه المعاصرة والحداثة في المعيشة والأدب ، في حين نجد عدوّنا الصهيوني يحاول إحياء لغةٍ ميتةٍ هي العبريّة ونفخ الحياة فيها من جديد ، ألم يتنكّر المارق سعيد عقل للغتنا العربيّة الفصيحة باسم الحداثة والعصريّة وباسم التطوّر ومواكبة الأمم الأخرى حيناً آخر ، فكتب بالعامّيّة ودعا إليها ونادى للكتابة باللغة اليابانيّة ولم يستح عندما قال : (( من أراد لغة القرآن فليذهب إلى أرض القرآن )) . فهل يمكن للعاميّة أن تكون في غنى الفصحى وشمولها وعمقها ، إنّ الوطن العربيّ يضمّ مئات اللهجات العاميّات وهي إذا كانت مفهومة في قطرٍ أو منطقة فإنّها ألغازٌ وطلاسم في قطرٍ آخر أو منطقةٍ أخرى ، ودونكم أيّها السادة مثالين لما أقول : ((طالبٌ تونسيٌّ يدرس في دمشق علم الاجتماع قال لبائعٍ بعامّيته التونسيّة Sad( أعطني حار عظمّ )) فلم يفهم البائع شيئاً لولا إشارته إلى البيض بأصابعه وعددها أنّه يريد أربع بيضاتٍ
    والمثال الثاني : ((طالبة من دمشق قالت مرّةً لمدرّسها : إن شاالله ما نحترمك ، وهي تقصد لا نحرم منك فغضب المدرّس منها لسوء فهم اللهجة العاميّة
    التراث : (2) إنّ ما يدعو إلى السخرية اقتراح تقدّم به عبد العزيز فهمي عضو المجمع العلمي المصري سنة 948 ينصّ على استبدال الحروف اللاتينيّة بالحروف العربيّة ، وشغل المجمع العلميّ ببحث اقتراحه مدّة ثلاث سنوات حتّى أنّه خصص جائزةً ماليّةً من جيبه الخاص تدفع لأحسن اقتراح في هذا الشأن ولذلك سخر الشاعر عبد الوهاب أبو السعود من دعاة العاميّة ومروّجيها عندما بيّن لهم فقرها وقبحها وغنى العربيّة الفصيحة وجمالها يقول :
    أسفاً لغة العرب الفصحى قد ضاعت منّا بالعمد
    واليوم تداولنا لغةً عوجاء مذبذبة القصد
    ملئت ألفاظاً موحشةً ما فيها من معنىً يجدي
    فاسمع بعضاً منها فيما ألقيه إليك وما أبدي
    زعوط نطنط آه يا مبطبط آهٍ آهٍ شوشو دس دس خدّي
    أرجيني ياروح اصطفلوا ضهرك بالك أوعا دي دي

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    الحدثة والتراث

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 9:42 am

    الحداثة : ومن قال لكم يا أنصار التراث إننا نؤمن بهذه الآراء الظالمة المجحفة بحقّ لغتنا العربيّة ؟ ومن قال أنّ التنكّر للغة الفصيحة حداثةٌ وتجديد ومعاصرة
    إنّ الشعوب حياتها بلغاتها ومماتها الإهمال والنسيان
    وإن هي إلاً دعوات استعماريّة تبنّاها دبلكوكس الإنجليزي وعملاؤه وخدع بها بعض العرب ثمّ عاد بعضهم عنها معترفاً بخطئه وعودته إلى الهدى والرشاد كالكاتب المصري محمود تيمور قوله: (( إنّما قصدنا أن تكون لغتنا العربيّة مستوعبةً لمصطلحات عصرنا وأفكاره وألاّ يصل عربي في تفكيره إلى المجاهرة والتفاخر برجعيّته مدفوعاً بالفعل وردّة الفعل )) وهذا الشاعر زكي قنصل يقول :
    أنا يا قوم رجعيٌّ ألا فلتشهد الدنيا
    أنا ياقوم رجعيٌّ أجر سلاسل الماضي
    ======== أقدّس حرمة الفكر
    ======== أعاف القيد والنيرا
    ======== أخاف الحرب والقتلا
    ======= ألا ترثون للرجعي
    فهل نقول للشاعر زكي بوركت وهنيئاً لك رجعيّتك ولا فضّ فوك ؟
    القاضي: لغتنا العربيّة انتماءٌ قوميٌّ وهوّيّة أصيلة ومرآةٌ تعكس بوضوحٍ صورتنا الحقيقيّة ، وإننا لا نجد لغةً امتدّت جذورها في التاريخ وما تزال بشموخها القديم كاللغة العربيّة وهي كانت و لاتزال أمّ اللغات وسيّدتها وهي كما قال الشاعر سليمان العيسى :
    إذا تقطّعت الأرحام بينكم إذا تراكمت الأسوار والحجبُ
    إذا التمستم من الدنيا هويّتكم وضاع خلف تخوم الغربة النسب
    فلا تخافوا لكم صدرٌ يضمّكم ستلتقون على صدري أنا العرب
    إنّ من يطالع صحفنا ومجلاّتنا ودواوين الشعر المعاصر يجد تيّاراتٍ متعارضةً بين القديم والحديث ، بين الكلاسيكي الخليلي وبين المنفلت من الوزن والقافية والإيقاع، وكثر التطاول على حمى الشعر حتّى صحّ قول القائل ((كلّنا شعراء باستثناء المتنبي ))
    فما رأي أنصار التراث بهذه القضيّة ؟
    التراث : حضرة القاضي … إنّ جوابي على سؤالك هذا قد عبّر عنه الشاعر نزار قبّاني خير تعبير عندما وصف شعراء هذا العصر بقوله :
    شعراء هذا اليوم جنسٌ ثالثٌ فالقول فوضى والكلام ضبابُ
    يتكلّمون من الفراغ فما همُ عجمٌ إذا نطقوا ولا أعرابُ
    اللاهثون على هوامش عمرنا سيّان إن حضروا وإن هم غابوا
    يتهكمون على النبيذ معتّقاً وهم على سطح النبيذ ذباب
    الخمر تبقى إن تقادم عهدها خمراً ..وقد تتغيّر الأكواب
    وإذا قدّر لكم أن تطّلعوا على نماذج مما يهذي به هؤلاء لتألمتم كثيراً وحزّ في نفوسكم أن تسمعوا هراءً باطلاً لا تطربون ولا تهتزّون له ورحم الله الزهاوي عندما قال :
    إذا الشعر لم يهززك عند سماعه فليس خليقاً أن يقال له شعر
    وإنّ هذه النماذج تموت ساعة ولادتها كما يرى الشاعر العبّاسي دعبل الخزاعي في قوله:
    يموت رديء الشعر من قبل أهله وجيّده يحيا وإن مات قائله
    التراث :(2) دونكم أيّها السادة مثالاً على ما نقول لشاعر تونسيٍّ يدعى محمد الكنايسي ينحو فيه منحىً جديداً على حدّ زعمه ، ولا يسعنا نحن إلاّ أن نقول: فليسقط الجديد إذا كان لا خير فيه كهذا الشعر :
    وكان لجارنا بغلُ
    وكان البغل يعرفنا..... ويبتعد بيننا البغل......
    كنت أطرد الذباب ......عن جرحه المحفور .......ولا يشكرني
    إنّه على عكس البشر.......يجهل أن يضحك ....
    أحببت بغلاً .........أقترب ويبتعد ......
    واحتفظت من عينيه .......بجرحين ذابلين .......يحكّهما تعبٌ حزين ...وذبابات حضرة القاضي ....إنني أطلب من المحكمة استدعاء الشاهد عمر أبي ريشة رحمه الله لنسأله عن رأيه بالشعر الحديث عامّةً وبالنموذج السابق خاصّةً
    القاضي: أهلاً بك أيّها الشاعر الكبير ... أما زلت ترفض الشعر الحديث ؟
    الشاعر عمر: ليس هناك شعر قديمٌ أو شعر حديث ، هناك شعر أولا شعر ، ومعظم الذي ينشر في بعض الصحف والمجلاّت والدوريّات العربيّة يراد منه تشويه القيم الجماليّة ، وتخريب الذوق العربي ّ ، وتدمير الشخصيّة العربيّة .....إنّه مؤامرةٌ وفضيحة
    القاضي: وماذا تقول فيما سمعت من شعر ؟
    الشاعر عمر : ماذا تفهم حضرة القاضي من هذا الشعر ، ولا أدري كيف أقوّم هذا الشعر الحديث … قد يكون فوق مستواي العلمي والأدبي ، إنّي أقرؤه وأعترف بانني عاجزٌ عن فهمه أو إدراك معانيه
    القاضي: شكراً لك .... هل هناك ثمّة أسئلةٌ توجّه للشاهد ؟
    التراث : نعم حضرة القاضي …. أسمعتم ما قاله الشاعر عمر أبو ريشه ! أمّا أنا فلا أريد أن أشكك في وطنيّة من يكتب هذا النوع من الشعر ، ولا أريد مجاراة رئيس تحرير مجلّة (ألف باء ) الذي قال للكاتب عبد الكريم الناعم وهو يهاجم الشعر الحديث : ((إنّه شعر استعماريٌّ صهيونيٌّ مرفوض ،)) لقد ذكر لنا الأستاذ سليمان العيسى أنّ الجلسات التي كانت تتم في بيروت لدعمه كان يموّلها ويخطط لها السفير الأمريكي ، أريد من الشاعر عمر أن يسمعنا شيئاً من شعره العذب الحلال
    الشاعر عمر:بكلّ سرور .. قفي لا تخجلي منّي فما أشقاك أشقاني
    قفي لن تسمعي منّي عتاب المدنف العاني
    خذي ما سطّرت كفّاك من وجـــــــدٍ وتحنان
    لننس الأمس ولنسدل عليه طيّ نسيان
    فإن أبصرتني ابتسمي وحبيني بتحنان
    وسيري سير حالمةٍ وقولي كان يهواني
    التراث : ما هكذا تورد يا سعد الإبل ....كيف تتمسّكون يا أنصار التراث بالقصيدة القنبازيّة من حيث لا سكون في هذا العالم ولا جمود ، وكلّ شيءٍ إلي تغيير وتبدل ، والثبات على حالٍ وعدم التجديد فيه يدعو إلى السأم ، فقد فطرت النفوس على حبّ التغيّر والتبدّل وارتفعت صيحاتٌ منذ عهد شوقي وحافظ تدعو للتحرر من إطار الجمود وكسر القيود هذا حافظ ابراهيم يقول :
    آن يا شعر أن نفكّ قيودا قيّدتنا بها دعاة المحال
    فارفعوا هذه الكمائم عنّا ودعونا نشم ريح الشمال
    وهذا ابن بسّامٍ الأندلسي في كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة يقول: (( كلّ مرددٍ ثقيل وكلّ متكرر مملول ، وقد مجّت الأسماع : يا دار ميّة بالعلياء فالسند ، وملّت الطباع لخولة أطلالٌ ببرقة ثهمد، ومحّت قفا نبك ) في يد المتعلّمين وليس الفضل على زمنٍ بمقصور ، وماذا نقول نحن أبناء العصر الحديث ونحن نحيا بعده بعدّة قرون .
    الحداثة : (2)وماذا تقولون يا أنصار الحداثة في الشاعر نزار قبّاني الذي رفع راية التجديد عالياً وغذّ اليه السير وحارب التقليد والجمود والانكماش فقال :
    يا عصور المعلّقات مللنا ومن الجسم قد يملّ الرداءُ
    المقامات لعبةٌ والحريريُّ حشيشٌ والغول والعنقاء
    نرفض الشعر كيمياءً وسحراً قتلتنا القصيدة الكيمياءُ
    ونزارٌ نفسه نبّه الشعراء النائمين داعياً إيّاهم إلى فتح العيون على العصر الحديث حتّى لا نلبس قشر الحضارة وتبقى روحنا جاهليّة
    أيرضى الشعر أن يبقى أسيراً
    تعذّبه محاصرة الخليل
    وأغلال الوليد أبي عبادة
    ويبقى كاهناً من عصر عاد
    أفيقوا أيّها الشعراء إنّا
    مللنا الشعر أغنيةً معادة
    مللنا الشعر كيراً للحدادة
    ويرّح نزار بأنّ البيت الشعريّ لم يعد قادراً على الاستمرار والحالة الراهنة للمعاصرة العربيّة يقول : (( لقد استمرّت القصيدة الموت متمددةً على حياتنا خمسة قرونٍ لا يجرؤ أحدٌ على دفنها ، وحين خرج الإنسان في مطلع العشرينات من غرفة التخدير وبدأ يستعيد وعيه ويستردّ تفكيره رأى أنّ وضعه الجديد يحتاج إلى كلامٍ جديدٍ وأنّ الخروج من عصر الانحطاط لا يكون إلاّ بالخروج من ثبات عصر الانحطاط وعقليّته ))

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    الحدثة والتراث

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 9:43 am

    القاضي: يقول الدكتور اليمني عبد العزيز المقالح (( إنّ الأصوات الشعريّة الجديدة هي الأصوات الجديرة لا لأنّها اختارت الاندماج بعالمٍ جديدٍ ثقافيّاً وإبداعيّاً وحسب وإنّما لأنّها قبلت بقانون التحدّي والاستجابة على مستوى الابداع الشعري إذ أنّه لا أحد في هذا العالم المتحرّك المفتوح يستطيع بعد كلّ ما حدث ويحدث أن يدير ظهره للتحديات الملتهبه أو أن يحدد مساؤاً ينعزل فيه ثقافيّاً وإبداعيّاً عن روح العصر ومستجدّاته التعبيريّة .
    فهل لديكم يا أنصار الحداثة يمثّل هذا الرأي ؟
    الحداثة : نعم حضرة القاضي .. ما رأيكم في نزار قبّاني أيضاً ... إنّ الشاعر نزاراً يثور على الأوزان والقوافي وقواعد اللغة والنحو والإملاء ، ويريد أن يحبّ ويعشق بعيداً عن الأنظمة والقوانين والقواعدوينشد البديل الجديد في مواجهة التقليديّ الجامد حيث يقول :
    ألا يمكنني أن أحبّك خارج المخطوطات العربيّة ؟
    وخارج الفرمانات العربيّة؟
    وخارج أنظمة المرور العربيّة ؟
    وخارج الأوزان العربيّة ؟
    فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن
    ألا يمكن أن أجلس معك في الكافتيريا ؟
    دون أن يجلس معنا امؤ القيس
    فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن
    ألا يمكنني أن أدعوك للرقص ؟
    دون أن يرقص معنا البحتري
    فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن
    ثمّ ألا يمكنني أن أوصلك إلى منزلك في آخر الليل
    إلاّ بحراسة رجل المخابرات عنترة العبسي ؟
    آه ....كم هو متعبٌ أن أتغزّل بعينيك ! وأنا تحت الحراسة
    وأتجوّل في ليل شعرك وأنا تحت الحراسة
    آه ....كم هو متعبٌ أن أحبّك بين فتحتين.... أو همزتين.... أو نقطتين
    فلماذا لا نرمي بأنفسنا من قطار اللغة ؟
    ونتكلّم لغة البحر...............
    التراث :من العجيب أنيّها السادة أن يشيد ممثل الحداثة بمواقف نزارٍ التجديديّة مغفلاً الإشارة إلى استلهاماته التراث الخالد معتزّاً به فهو مايزال يزاوج بين النمطين العمودي وشعر التفعيلة ، فهو لم يتحرر من ثوب الخليل كليّاً ويكفي أن إلى قصيدتين بلغ بهما القمّة شكلاً ومضموناً ، الأولى كتبها بعد نكية حزيران ويخاطب في مطلعها دمشق
    فرشت فوق ثراك الطاهر الهدبا فيا دمشق لماذا نبدأ العتبا
    حبيبتي أنت فاستلقي كأغنيةٍ على ذراعي ولا تستوضحي السببا
    يا شام أين هما عينا معاويةٍ وأين من زاحموا بالمنكب الشهبا
    فلا خيول بني حمدان راقصةً زهواً ولا المتنبي مالئاً حلبا
    الشعر ليس حماماتٍ نطيّرها نحو السماء ولا ناياً وريح صبا
    لكنّه غضبٌ طالت أظافره ما أجبن الشعر إن لم يركب الغضبا
    التراث 2: وقصيدة نزارٍ الثانية التي كتبها بعد حرب تشرين التحريريّة حين استعادت الأمّة العربيّة كرامتها ومحت عار هزيمة حزيران
    جاء تشرين يا حبيبة عمري أحسن الوقت للهوى تشرينُ
    ولنا موعدٌ على جبل الشيخ كم الثـــلج دافئٌ وحنـــــونُ
    مزّقي يا دمشق خارطة الذ لّ وقولي للدهر كن فيكون
    استردّت أيّامها بك بدرٌ واستعادت شبابها حطّين
    كتب الله أن تكوني دمشقاً بك يبدا وينتهي التكوين
    ألا يرى معي أنصار الحداثة هنا أنّ نزاراً يستوحي التراث الخالد معتزّاً به وبدمشق التي تصل الحاضر بالماضي وبشكلٍ عامٍ فهو يرضي التطوّر الفنّي دون أن يقطع صلته بتراثنا العربي
    ولكنّ المأخذ الذي سجّله الناقد مارون عبّود على نزار هو أنّه تحامل على نابغة العرب وعبقريّهم الخليل بن أحمد الفراهيدي حين سمّاه نزار النجّار الأكبر وسمّى بحوره أقفاصاً وقماقم ، ولاحظ الناقد مارون أنّ نزاراً يهمل الإيقاع الموسيقيّ في بعض أشعاره ، والإيقاع هو نسق من الأصوات المتكررة بطريقة أو طرائق معيّنةٍ فإذا أصغينا لشدو طائرٍ سمعناله إيقاعاً وإذا أصغينا لخرير جدولٍ سمعنا له إيقاعاً ، قال مارون عبّود مخاطباً الشاعر نزارا
    ((اسمع يا نزار : ليست بحور الخليل أقفاصاً وقماقم ولكنّها أنغام الجدود وألحانهم ، فوقّع دائماً إذا لم تزن لئلاّ تخرج من ملكوت الشعر)) وتابع مارون قائلاً : النثر مشيٌ والشعر رقص ، فارقص لنصفّق لك ))
    الحداثة : ولكن لماذا أنتم متمسّكون بأوزان الخليل التي أكل عليها الزمن وشرب ، وبعلم العروض الذي يقول فيه إمام العربيّة الكبير الجاحظ (( العروض علمٌ مولّد وأدبٌ مستبرد ومذهبٌ مرفوض وكلام مجهول يستكد العقول بمستفعلن ومفعول من غير فائدةٍ ولا محصول ))
    التراث : أراك يا ممثّل الحداثة كحاطب ليل وإنّ هذا الرفض من صاحب البيان والتبيين لعلم العروض لم يجعله أبداً يرفض المعايير التي يميّز فيها الشعر من النثر والشعر من النظم وما بين شعرٍ وشعر ، وبقي الشعر لديه ميزاناً ومعراضاً يعرف به الصحيح من السقيم والعليل من السليم على حدّ قول صاحب (زهر الآداب وثمر الألباب) أبي اسحق الحصيري القيرواني .
    لا شعر إذاً بلا موسيقى ، وإذا خلت القصيدة من النبض الموسيقي فهذا دليلٌ على انعدام الحياة فيها قال فوزي الرفاعي مؤكّداً هذه المقولة :
    البيان الفصيح شعرٌ مقفّى حين يروى تخاله القيثارا
    والبيان المليح شعرٌ له وزنٌ إذا صيغ هزّنا وأثارا
    تكره الأذن ضجّة الأدب الحـــــــــــــــــــــــرّ وشعراً مهلهلاً ثرثارا
    إنّ للوزن في المسامع موسيــــــــــــــــــــــقى تهزّ القلوب والأفكارا
    الحداثة : إنّ ما تتمسّك به يا نصير التراث كبرقٍ خلّبٍ ، ألم تقرأ بأنّ الشاعر العبّاسي أبا العتاهية قد استحدث وزناً جديداً لم يجر على أوزان الخليل وقد استنبطه عندما كان يجلس عند قصّار فسمع صوت المدقّ فحاكاه بهذا الوزن ، وعندما انتقد الشاعر لأنّ هذا اللون خارجٌ عن علم العروض قال أبو العتاهية : أنا أكبر من العروض ، ثمّ ما رأيك وما قولك بما طلع به علينا الشاعر الفلسطيني يوسف الخطيب باستنباطه البحر السابع عشر الذي سمّاه ((بحر الكرمل )) حبّاً ووفاءً منه لوطن الأحلام ، وهذا البحر المزيج من بحورٍ ثلاثةٍ هي الرجز والرمل والهزج فهو يجمع بين التفعيلات : مستفعلن وفاعلاتن ومفاعيلن ، حيث تصهر في عملٍ واحدٍ ومن أمثلة هذا الوزن ما ورد في ديوانه((واحة الجحيم)) من قصيدةٍ بعنوان ((العرس السماوي ))
    لن أشرب اليوم يا صحبي
    خذوا كأسي ....لجوفٍ يبّسته الريح
    ردّوني إلى نفسي
    خذوا دنّي ، اشربوا عنّي ، دعوا قلبي على الشاطئ
    فهل تعارض يا نصير التراث أن تمخر عباب هذا البحر المسمّى بالكرمل سفن الشعراء لأنّك معادٍ لكلّ ما هو جديدٌ رغم أنّ له صلةً بتراث السلف ؟

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    الحدثة والتراث

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 9:44 am

    القاضي:لقد ألفنا تراثنا العربي القديم على اختلاف قيمه ، وإنّ المقاييس التقليديّة التي استمرّت تؤثّر فينا مئات السنين أصبحت شبه قوانين إعلائيّةٍ ألفها الإنسان العربيّ وتكيّف ذوقه معها وصار يرى من خلالها كلّ جديد ويحكم بها عليه ، ومن أهمّ هذه المقاييس الطرب بالنسبة للأوزان والموسيقى .
    ويحضرني قولٌ للشاعر بدويّ الجبل حول هذه المسألة يقول فيه (( رأيي أنّ الأوزان تتسع لكلّ نزعات النفس البشريّة ، كما أنّها عذوبةٌ ونغمٌ وعطرٌ وجمال ، أجل إنّ الأوزان أساور وعقود لا سلاسل وقيود .... والذين وضعوها كانوا لا يجيدون فجاءت أوزانهم سجيّةً للذوق العربيّ ))
    الحداثة : حضرة القاضي ... إنني سأعرض على مسامعكم مقاطع من مسرحيّة سليمان العيسى الشعريّة ((ا لإزار الجريح )) وفيها تلوينٌ في الإيقاع العروضيّ القائم على التفعيلات المعهودة نفسها وهذا الشعر كما تراه نازك الملائكة وهي واحدةٌ من طليعة روّاده (( ليس خروجاً على قوانين الأذن العربيّة والعروض العربيّ . يقول الشاعر سليمان العيسى على لسان الأمير الغسّانيّ جبلة بن الأيهم مخاطباً الخليفة عمر :
    جبلة: كيف أرضى ؟ كيف أرضى ؟ أن يخرّ النجم أرضا
    كيف ذاك؟ هو سوقة .....وأنا عرشٌ وتاج
    عمر: نزوات الجاهليّة .......ورياح العنجهيّة
    دعك من هذا وجنّبني اللجاج .... والجهالة
    إنّتما ندّان في ظلّ الرسالة
    نفلٌ ما تدّعي محض نفل .......وضلالٌ وخطل
    أرضه أو تذهبا أنفٌ بأنفِ
    قبل أن آخذ هذا الحقّ لن يغمض طرفي
    حبلة: كان وهماً ما مشى في خلدي أنني عندك أقوى وأعزّ
    عمر: لا تمارِ ......عد إلى الحقّ وضيئاً كالنهار
    ما حملنا الدين زينة ولباساً في المدينة
    حيثما شئنا خلعنا ورجعنا يابن أيهم
    لا تداور....إنني أبرمت أمري
    ألا تسمعون أيّها السادة نغمة الجملة أو المقطع الكامل يقوم مقام البيت الواحد في الشكل والمضمون على السواء . وإنني أطالب المحكمة باستدعاء الشاعر المبدع سليمان العيسى وسماع أقواله حول الشعر الحديث
    القاضي: فليحضر الشاهد الشاعر سليمان العيسى 00(بعد حضوره وترحيب القاضي به يسأله ): ماذا تقول في شعر التفعيلة يا أبا غيلان وأنت أحد أعلامه ؟ وقد استمعنا منذ قليلٍ لمقطعٍ من مسرحيّتك الإزار الجريح التي صوّرت فيها موقف عمر بن الخطّاب المشهور من الأمير الغسّاني الذي هشّم أنف رجلٍ من فزارة وطئ له إزاره أثناء الطواف حول الكعبة المشرّفة ، وهل أنت مع التجديد في موسيقى الشعر ؟
    الشاهد سليمان : موسيقى الشعر شيءٌ مقدّس ، شيءٌ من صميم اللغة ، من صميم التراث ، ولكن أيظلّ شعرنا على عموده القديم ؟ أليس في موسيقانا ، وفي لغتنا متّسع لألوانٍ من النغم الجديدة ؟ واتخاذ التفعيلة أساساً لوزن الشعر ليس حرّيّة ولا انفلاتاً كما يتوهّم الكثيرون ، جرّب أن تعزف نغمةً على آلةٍ واحدةٍ كالعود مثلاً ثمّ جرّب أن تعزف النغمة ذاتها على خمس آلاتٍ أوعشر ، ما أشكّ أنّك ستلاقي من المشقّة أضعاف ما تلاقيه في الأولى
    القاضي: شكراً لك أيّها الشاعر الكبير... بإمكانك الانصراف
    الحداثة : سأسمعكم أيّها السادة مقطعاً من قصيدةٍ حديثةٍ للشاعر الدمشقيّ المجدد كمال فوزي الشرابي بعنوان (الكفّ والينبوع )
    كلّ يومٍ في حياتي تزهرين
    مثلما تزهر في داري ..........نجوم الياسمين
    كلّ يومٍ تحملين ............لي هدايا من هناءٍ
    وكنوزاً من حنين
    وأنا أمنح منها العاشقين
    كلّما أفرغت كفّي امتلأت
    منك بالضوء على مرّ السنين
    ألم يعتمد الشاعر على كمال الشرابي على التفعيلة اعتماداً أساسيّاً ، فتدفّق الإيقاع الموسيقيّ بسلاسةٍ وعذوبةٍ ونغمةٍ مطربةٍ آسرةٍ ، ولقد استشهدت بهذه القصيدة ليلمس أنصار التراث أنّ الشعر الحديث يضمّ نماذج محببةً ورائعةً وليس النماذج الرديئة التي يتصيّدها أنصار التراث تصيّداً ليشوّهوا صورة هذا الشعر مقدّمين مسوّداتٍ له دون الصورة الأصليّة
    التراث : حضرة القاضي ...ألا يمكن للشعراء أن يرسلوا أشرعتهم في البحور المجزوءة للتعبير عن موضوعاتٍ عصريّةٍ جديدة قد لا تستطيع بحورٌ كالطويل وغيره التعبيرعنها ، هاكم أيّها السادة نموذجاً من شعر الشاعر الحلبي عبد الله يوركي حلاّق صاحب مجلّة الضاد ولتلمسوا فيه السحر الحلال المجنّح ، ولا تنسوا أنّه وزن بأوزان الخليل وهي تهنئة للخطيبين معن ورندة
    عاش من سمّاك رنده إنّ كلّ الذوق عنده
    الخزامى سألتني أين أخت البدر رندة
    أصحيحٌ أنّ معناً بلغ اليوم أشّــــــــــده
    واصطفى رنده عروساً وأنال القلب قصده
    قد سمى الليل فناجى بدرنا الوضّاء ندّه
    من كمعنٍ إن تهادى هل تولّى الحسن وحده
    من سقاه الحبّ صرفاً ورعى باللطف ودّه
    ملء عينيه حبيباً هل يجنّي القلب وجده؟
    خبّريني يا فتاتي من إلى مغناك شدّه
    سحر عينيك سباه والهوى أنجز وعده
    لم يعد في الروض زهرٌ جاوز القطّاف حدّه
    يا فتاتي أيّ غصنٍ لينه منك استمدّه
    اسمك الحلو قصيدٌ لا يقال الشعر بعده
    خاتم الياقوت ألقى أم أرى برعم ورده
    طبع الفجر عليه قبلةً والنحل شهده
    هوذا يوم التهاني هنئوا معناً ورنده
    التراث : حضرة القاضي .... قبل قليلٍ ورد ذكر الشاعرة نازك الملائكة رائدة الشعر الحديث ، والذي سمعته أنّها ارتدّت عن هذا الشعر وتخلّت عنه بعد أن رأت هذا الهذيان والهراء مؤثرةً العودة إلى شعر الشطرين وإلى تراثها الأصيل . أفلا يعدّ هذا الارتداد دليلاً على إفلاس الشعر الجديد ؟
    الحداثة : إنّ من يسمع كلام نصير التراث يظنّ أنّ كلّ بيضاء شحمة وأنّ كلّ سوداء تمرة والواقع أنّه ليس كلّ ما يلمع ذهباً ، فالحقيقة أنّ الشاعرة مرّةً سئلت عن هذا الأمر في مجلّة الأسبوع العربي ومجلّة الزهور فكان جوابها : ((ارتدادي عن الشعر الحرّ زعمٌ لا أساس له ومجموعاتي الشعريّة المتواصلة تشهد بذلك كما أنني ألقيت تسع قصائد من الشعر الحر في ندوة اتحاد الأدباء بالقاهرة ))
    التراث : لا ترم يا نصير الحداثة سهماً يعسر عليك ردّه ، لماذا اكتفيت من حوار الشاعرة نازك بما يعزز موقفك ويطمس وجه الحقيقة الآخر ، فالشاعرة نازك تقول في نهاية حوارها إنني متمسّكةٌ بالشكلين معاً أسلوب الشطرين وأسلوب الشعر الحر ولن أتخلّى عن أيٍّ منهما لأنّهما كليهما ضروريّان للشاعر العربي
    القاضي: تجدر الإشارة إلى أنّ بعض النقاد ينكرون على نازك الملائكة دور الريادة زاعمين أنّ هناك من سبقها إلى ذلك ، ويستشهدون بمحاولات جبران خليل جبران وأحمد زكي أبو شادي ولويس عوض وعلي أحمد باكثير ومحمد فريد ابي جديد وفؤاد الخشن ومنها محاولة الزهّاوي 1905 في كتابه القصيدة ذات الشطرين الخالية من القافية . وللأمانة نقول : أنّ الشكل الجديد لدى نازك الملائكة قد سبقته إرهاصات لدى طائفةٍ من الشعراء المذكورين قبل قليلٍ وله جذور لديهم . ويقول الناقد اللبناني المعروف محمد دكروب ((وفي حين يتكاثر الآباء المزعومون لهذا الشعر الحديث صار هذا الشعر هرماً يتوكأ على عصاه والنقد ينتظر ذلك الأدب الجديد الذي يحبّ أن تنسب إليه ولادة حداثة ما بعد الحداثة ))وسؤالنا ما مدى تأثّر أصحاب الموجة الجديدة لشعرنا الحديث بالغرب ؟
    التراث : حضرة القاضي … إنّ شعراء الموجة الجديدة قد جعلوا إمامهم الشاعر الإنكلزيّ توماس إليوت فقد أعجبوا بقصيدته ( الأرض اليباب ) وما حوته من يأسٍ ومرارة ومن فضحٍ لطغيان المدينة وخداع الحضارة وإدانة المعطيات السائدة ثمّ أنّها اتّسمت بالرموز والغموض والضبابيّة والإيهام ولذلك سارع هؤلاء باحتذاء هذا النموذج المهم الغامض الذي يقطر اغتراباً وتمزّقاً

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    الحدثة والتراث

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 9:45 am

    الحداثة : لقد نفخت يا نصير التراث في غير ضرم عندما مضيت بعيداً في اتهام شعراء التفعيلة بأنّهم يمموا بوجوههم شطر أوربّا وتتلمذوا على يد إليوت مبتكر هذا النوع من الشعر ، ولماذا أغفلت بعض الحقائق من أنّ شعراء الحداثة جعلوا مثلهم الأعلى الكتاب المعجز بما فيه من موسيقى خالدة تهدر بألفِ لونٍ ولون ، اسمع قوله تعالى :00
    فإذا انشقّت السماء فكانت وردةً كالدهان
    فبأيّ آلاء ربّكما تكذّبان؟
    فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه أنسٌ ولا جان
    فبأيّ آلاء ربّكما تكذّبان
    يعرف المجرمون بسيماهم ، فيؤخذ بالنواصي والأقدام
    فبأي آلاء ربّكما تكذّبان
    ولمن خاف مقام ربّه جنّتان
    أليس في هذه الموسيقى الخالدة منهلٌ للشعر الجديد ، وجلّ كلام الله المعجز أن يكون شعراً ، فما أحرانا أن نتتلمذ على بيان السماء
    الحداثة : أليس بوسعنا القول بأنّ شعراء الموجة الجديدة قد تأثّروا بتجديد شعراء الأندلس حين قدّموا لنا الموشّحات التي تسيل رقّةً وعذوبةً ونغما، ولنصغِ معاً إلى هذا المشّح لابن زهرٍ الأشبيلي
    هل تستعاد أيّامنا بالخليج وليالينا
    أو يستفاد من النسيم الأريج مسك دارينا
    أو هل يكاد حسن المكان البهيج أن يحيينا
    روضٌ أظلّه دوحٌ عليه أنيق مورق الأفنان
    والماء يجري وعائمٌ وغريق من جنى الريحان
    التراث : على الرغم من أنّ الحطيئة يقول :
    الشعر صعبٌ وطويلٌ سلّمه
    إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
    زلّت به إلى الحضيض قدمه
    يريد أن يعربه .. .فيعجمه
    وعلىالرغم من وعورة الطريق والعقبات الجاثمة فيه ، فإنّ أجدادنا قد ساروا فيه ، وكان الشعر ينثال على ألسنة الكبار والصغار والنساء والجواري موزوناً أو ضرباً من ضروب الرجز وعليه مسحة الشعر ونكهته حتّى أنّ الشاعر أبا العتاهية صرّح مرّةً : ((لو شئت أن أجعل كلامي كلّه شعراً لفعلت )) وذكر مرّةً أنّه سمع رجلاً يقول لآخر عليه ثوب :
    ((يا صاحب المسح تبيع المسحا ))فقال أبو العتاهية : قد قال شعراً وهو لا يعلم
    ثمّ قال الرجل لصاحب الثوب : (( تعال إن كنت تريد الربحا )) فقال أبو العتاهية : قد أجاز المصراع بمصراعٍ آخر وهو لا يعلم
    التراث : نخلص إلى القول : أننا أمّةٌ شاعرة حتّى في رواياتنا ومسارحنا ، يقول الفيلسوف الألماني هيجل في كتابه علم الجمال : أمّا الشعراء الحقيقيّون من المهد إلى اللحد فهم العرب000
    ويذكر الدكتور عادل قره شيلي الذي يعمل أستاذاً في جامعة لايزبرغ بألمانيا وقد أقيمت له أمسيةٌ شعريّة هناك وخلال اللقاء الذي أعقبها على لسان معلّم ألماني شاب إنّه حين سمع بأنّ هذه الأمسيّة لشاعر عربيٍّ كان متردداً في حضورها ، ولكنّه يستغرب كيف يستطيع أجنبيّ أن يمتلك ناصية اللغة بهذا الشكل خاصّةً وأنّه عربي ، فأجابه الدكتور عادل : أشكر لك هذه الإهانة ، ويعلّق الدكتور عادل مضيفاً إنّ قول الألماني جملة ((وخاصّةً أنّه عربيّ)) تعني أنّه يفترض مسبقاً أنّ العربي غير قادرٍ ولعلّه لم يقصد هذا بالطبع لكن لا وعيه هو الذي قصد هذا
    القاضي: ما تودّ المحكمة طرحه الآن هو قضيّة شعراء ما بعد الحداثة وكيف يوغلون في الغموض إلى درجة الإبهام ، فإذا سئلوا لماذا أنتم غامضون أجابوا : إننا نكتب لأجيالٍ قادمة ونحن واثقون أنّهم سيفهموننا
    الحداثة : حضرة القاضي ... ألم تقرؤوا بأنّ الشاعر العربي السوري أدونيس علي أحمد سعيد وقد غدا شاعراً يشار له بالبنان ، وأصبح حضوره ملموساً ومعروفاً في الأوساط الأدبيّة في الشرق والغرب وما ذلك إلاّ لأنّه يعيش عصره المتطوّر متمثّلاً له مجارياً لكلّ جديدٍ ومديراً ظهره للقديم يزور الجامعات الأوربية والأمريكية يحاضر فيها ويلقي قصائده على الآلاف فارضاً وجوده الشعري والأدبي هنا وهناك وسأستشهد بقولٍ للمفكّر الفرنسي جاك بيرك عن أدونيس يقول : ((أنّه بركان وزلزلةٌ في الشعر كما يسمّيه الصوفيّة خرق العادة ولماذا تنزعجون من أدونيس أتريدون أن يبقى كتّابكم عاديّين ؟ هل تريدون حافظ إبراهيم وعلي محمود طه ، ؟ إنّ أدونيس شاعرٌ عربيٌ على المستوى العالمي
    التراث : حضرة القاضي ...ليس الخبر كالمعاينة، وإنّ ظاهرة الغموض والتعقيد في شعر أدونيس جعلته محتاجاً إلى منجّمين وسحرة لفكّ طلاسمه وحلّ رموزه ، ألم يطرح أدونيس على نفسه هذين السؤالين : لمن أكتب ؟ ولماذا أكتب ؟ وكيف سيتمّ التواصل بينه وبين الجماهير مادام مغرقاً في الرموز والغموض والإيهام ؟ وهل بوسع القرّاء أن يثقّفوا أنفسهم ليلجوا عالمه الغامض أفلا يكون من المستحسن أن يكون أدونيس واضحاً فيما يقول ليخاطب القاعدة العريضة من الشعب 0وإنني أستشهد بقول الناقد خالد محي الدين البرادعي : (( أقول لبعض الشعراء الذين يرتمون في أحضان الغموض والتعقيد وأنا الذي أمضيت خمسين سنةً في القراءة والكتابة وكنت مساهماً في القصيدة الحديثة أقول لهم بأنني لم أفهم شيئاً فيقال لي : إننا نكتب للمستقبل فإذا كان أهل هؤلاء وذووهم لا يفهمون لغتهم فكيف للذين يأتون بعدهم بعشرات الأعوام أن يفهموهم
    كما استطاع نزار قبّاني أيّها السادة أن يجعل من الشعر خبز الناس اليومي الذي لا بديل لهم عنه، فمبيعات كتبه ودواوينه ضربت رقماً قياسيّاً في معارض الكتب في العواصم العربيّة إنّ سيرورة شعر نزار لا تعود إلى ما في شعره من تحررٍ أو تهتّك أو إباحيّة وإن كان بعض شعره لا يخلو من هذه الصفات ـ ولكنّها تعود إلى كونه استطاع أن يتكلّم لغةً يفهمها الناس جميعاً ويتحدّث عن قضايا يعاصرها الناس جميعاً ولنعرض على مسامعكم نموذجاً من شعر ادونيس الذي يسمّيه الشعر المحلّق الرمزي لنرى ما يمكننا أن نستوعبه أو نفهمه منه بقول:
    أصيّر الرعد والمساء والشيء الحي
    وحين تفرغ المسافات ختّى الظلّ
    أملأها أشباحاً تخرج من الوجه والخاصرة
    وترشح بالحلم مذاكرة الشجر
    وحين لا تواتيك الدنيا
    ألهو بعيني ليزدوج فيها العالم
    ومن الطريف أيّها السادة أن يعلّق أحد الكتّاب على هذا المقطع قائلا فيه : (( إنّ تخبيصاً وتهويساً وطلاسم كهذي هي التي تهوي به قعر السخافة والمهانة مهما كان يظنّ بأنّها ترفعه ))
    القاضي: إنني أشاركك الرأي يا نصير التراث في أنّ ظاهرة الغموض والتعقيد إلى درجة الإبهام قد غدت سمةٌ بارزةٌ من سمات الشعر الحديث وليس في شعر أدونيس وحده ، والخروج على المألوف وإيجاد علاقات جديدة بين الألفاظ كقولهم (( جدّي لم يولد بعد ، ولادة من خاصرة الزمن ، امعاء القارب ، الثلج يشتعل ))وهذا ما دفع أحد الشعراء المهجريين إلى السخرية من هذا الشعر وغموضه وصعوبة فهمه وكثرة أخطائه يقول
    سمعت راويةً حسناء منشدةً شعراً غريباً به لحنٌ وتعقيد
    فقلت ماذا ؟ أجابت وهي هازئةٌ هذا الذي قد دعاه الهبل تجديد
    فما ردّكم يا أنصار الحداثة على هذا الطرح ؟
    الحداثة : إننا يا حضرة القاضي … وفي رحاب الشعر الحديث نعاني من مسألة التوصيل والمسألة ذات جانبين :
    1- ما نعانيه من أميّة _ليس بالنسبة للذين لايعرفون فكّ الحرف ـ وإنّما أميّة المتعلّمين والكثير من حملة الشهادات
    2- ما يقوم عليه الشعر الحديث من إبداعٍ ، وما يشحن به من رموز وما يرسم له من أبعادٍ مجنّحةٍ ، فكيف يكون الحلّ برأيكم يا أنصار التراث ؟ هل نعمد إلى مستوىً ضحلٍ في التلقين بحيث تكون أساليبنا مباشرةً وتقريريّة وسرديّة وسهلة لكي تفهم من قبل الجماهير
    ولعلّ الكثيرين من العامّة يحبّون الأزجال ويستوعبونها ، فهل نكتب بالعاميّة بدلاً من الفصحى لكي نفهمهم ؟
    التراث : حضرة القاضي … في حوارٍ مع أدونيس لمجلّة العربي عدد ت1 /1989/ نلحظ تراجعاً عنده واعترافاً بأهمّيّة التراث بالنسبة للشاعر حين يقول (( يجب أن يحيا الشاعر في قلب التراث ، متأثّراً باللغة وعبقريّتها لكي يقدر في الوقت نفسه أن يوجد من هذه العبقريّة عالماً لم يسبقه إليه شاعرٌ قبله ، وإنّه حين يكتب بلغةٍ شعريّة عربيّة مغايرة للغات الأخرى ويدرك سرّ هذه اللغة وعبقريّتها وخصوصيّتها ، فإنّه بحكم ذلك مرتبط جذريّا بالتراث العربي شاء أم أبى )) فهل سمع أنصار الحداثة ما قاله أدونيس ؟

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    الحدثة والتراث

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 9:48 am

    الحداثة : إنّ وراء الأكمة ما وراءها …إذا تركنا أدونيس … فلماذا أغفلتم يا أنصار التراث الإشارة إلى عمالقة شعر التفعيلة حيث وصل هؤلاء إلى قمّة التجديد ، وفرضوا وجودهم وتركوا بصماتهم على مسيرة التجديد الشعري كبدر شاكر السيّاب وصلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي وأمل دنقل وشعراء الأرض المحتلّة ، … وهل التعصّب للقديم يدفعكم إلى إغفال قصيدة رائعةٍ لبدر شاكر السيّاب وهي ((انشودة المطر ))التي ستظلّ ولزمنٍ طويلٍ متميّزةً في حركة الشعر الجديد وهذا ما جعلها تغمرالوطن العربي بضوئها الوهّاج ولا تبقى حبيسة موطنها العراق فيكتب لها الخلود الدائم حيث يقول السيّاب في مطلعها :
    عيناك غابتا نخيلٍ ساعة السحر
    أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
    عيناك حين تبسمان تورق الكروم
    وترقص الأضواء كالأقمار في نهر
    يرجّه المجداف وهناً ساعة السحر
    وينتقل السيّاب لتصوير واقع الكادحين المسحوقين في العراق وأنينهم وشكواهم من الظلم وترقّبهم إطلالة الفجر ، فجر الخلاص والتحرر من الظلم والاستعباد فيقول :
    مطر..مطر..مطر..
    وفي العراق جوع
    وينثر الغلال فيه موسم الحصاد
    لتشبع الغربان والجراد
    وتطحن الشوّان والحجر
    رحىً تدور في الحقول حولها بشر
    مطر مطر مطر
    ومنذ أن كنّا صغاراً كانت السماء
    تغيم في الشتاء …….ويهطل المطر
    وكلّ عامٍ حين يعشب الثرى نجوع
    ما مرّ عامٌ والعراق ليس فيه جوع
    مطر….مطر….مطر…
    التراث : وما الذي أعجبك بهذا المقطع من قصيدة السّاب ؟ ((عيناك غابتا نخيلٍ ساعة السحر ))إنني لا أرى فيهما سوى غابتا نخيلٍ بأعشابهما وأشواكهما وجذوعهما السمر الشاخصتين وشرفتين غاب عنهما الضوء فهما غائرتان يعبث فيهما الظلام
    الحداثة : معذرةً أيّها الزميل … فإنّ الأمر خلاف ما ذكرت ، إنّ غابتي نخيلٍ توحيان بالسموق والسواد وإذا أضاف الشاعر ساعة السحر أعطى المدلول الذي يريده للوحة التي يرسمها ، إنّه اللون الأبيض يحيط باللون الأسود ويدفعه ، ثمّ عاد لمعادلٍ موضوعيٍّ آخر شرفتان ليس فيهما بريق التطلّع والجرأة بقدر ما فيهما من ّذلك الشحوب والحزن الحائر ، ولعلّ في هذه المرّات المتلاحقة (عيناك غابتا نخيلٍ ، أو شرفتان ) طول الافتتان والتغنّي بالجمال وأثره في النفوس ، وليس هناك أشواكٌ ولا جذوعٌ ولا ظلام كما تصوّر يا نصير التراث
    لقد اختزن الشاعر المبدع هذه الصورة لغابتي النخيل حيث عاش بدرٌ طفولته في بيت جدّه في جيكور وكان باب البيت الطينيّ ينفتح على غابةٍ من بساتين النخيل ، ثمّ ما لبثت هذه الصورة أن عادت فانبثقت في أجمل قصائد الشاعر وأعذبها والتي بلغ فيها أوج الجمال الشعري … ولماذا انصبّ نقدك على مقدّمة القصيدة دون أن تقف عند الجانب الآخر منها حيث أبدع السيّاب وحلّق وأجاد في تصوير آلام المعذّبين لأنّه كان واحداً منهم ، فكثيراً ما بات جائعاً مع زوجه وأولاده يقول في قصيدةٍ عنوانها ((نسيمٌ من القبر)) وفيها يخاطب أمّه الميتة، والقصيدة قالها في أيّامه الأخيرة يقول :
    أما حملت إليك الريح عبر سكينة الليل
    بكاء حفيدتيك من الطوى وحفيدك الجوعان
    لقد جعنا وفي صمتٍ حملنا الجوع والحرمان
    ويهتك سرّنا الأطفال ينتحبون من ويلِ
    أفي الوطن الذي آواك جوعٌ ؟ أيّما أحزان
    تورق أعين الأموات
    ولهذا قيل أيّها السادة :
    الشعر تجربةٌ عمق اللهيب بها هيهات يبدعه إلاّ من احترقا
    القاضي: لقد زلزل السيّاب قناعات الكثيرين الذين كانوا لا يعترفون إلاّ بالقصيدة الخليليّة بوصفها شكلاً وحيداً للإبداع الشعري ، وإنني أذكر قولاً للكاتب علي كنعان يقول فيه : (( إنّ بدر شاكر السيّاب لم يمت منذ ربع قرن ، بل لم يمت أبداً ، لكنّه ما زال يعيش مع جيل أبنائنا بكلّ الألق الذي عاشه مع جيلنا ، ولئن أرغمه المرض على الصمت يوماً فما زالت أغانيه تترقرق على شفاه الآلاف من عشّاقه وتلاميذه المتجددين مع كلّ ميلاد ))
    الحداثة : حضرة القاضي … ما قول أنصار التراث في شعر الأرض المحتلّة الذي عزز مواقف الصمود والتشبّث بالأرض وتحدّى المعتدين فغدا شامخاً وقويّاً شموخ أبناء فلسطين
    فيه المضمون الثوري ، والإيقاع الصاخب كأشعار توفيق زيّاد وسالم جبران وسميح القاسم وفدوى طوقان ، ودونكم أيّها السادة مقطعاً من هذا الشعر الذي ضمّ المضمون الهادف وتحلّى بالشكل الممتع الآسر يقول محمود درويش من قصيدةٍ له :
    سجّل أنا عربي
    جذوري قبل ميلاد الزمان رست
    وقبل تفتّح الحقب
    وقبل السرو والزيتون … قبل ترعرع العشب
    أبي من أسرة المحراث ….لا من سادةٍ نجبِ
    وجدّي كان فلاّحاً……بلا حسبٍ ولا نسب
    وبيتي كوخ ناطورٍ….. من الأعواد والقصب
    فهل ترضيك منزلتي ؟ …
    إذاً سجّل برأس الصفحة الأولى
    أنا لا أكره الناس ……ولا أسطو على أحدِ
    ولكنّي إذا ما جعت آكل لحم مغتصبي
    حذار ..حذار من جوعي ومن غضبي ..
    هذا هو الشعر الزاخر بالعواطف المتأججة الذي تخفق له القلوب على الرغم من أنّه لم يوزن بميزان الخليل ، فليس كلّ ما يوزن بها يحرّك العواطف ويشدنا إليه والتقليد يسيء إلى أصالة العمل الثقافي والفني ، أفلا يحقّ لنا أن نقول مع الشاعر عبد الرزّاق اسماعيل في هذا الشعر وأشباهه
    لا بارك الله القريض إذا اكتفى بالرصف والتقطيع والأوزان
    الشعر يرسم للرصاصة دربها وتلوح فيه معالم البركان
    التراث : أودّ أن أشير إلى قضيّةٍ أخرى وهي أنّ أنصار الحداثة ينظرون إلى التراث على أنه تخلّفٌ ورجعيّة ، والتمسّك به أو إحياؤه مضيعةٌ للوقت ، ولذلك فقد انعكست هذه الآراء على مناهج التعليم فتعددت وتنوّعت مشاربه ، وتسرّبت إليه الأفكار المستوردة من الغرب ومن الشرق والتي ساهمت في قتل الروح العربيّة الإسلاميّة بصورة جعلت من أبنائنا صوراً ممسوخةً من ثقافةٍ مشوّهة هي فتات الثقافات الطارئة ، فهذا يتحزّب للثقافة الانجليزيّة لأنّه درس في بريطانيا وآخر للفرنسيّة لأنّه درس في فرنسا ، وثالثٌ للأمريكيّة .. فهل يليق بنا أن نستورد الفكر وطرائق التفكير مع الآلات والمعلّبات والسيّارات ؟
    الحداثة : هل يريد نصير التراث منّا الجمود عند الماضي الغابر منكمشين متقوقعين لا نفتح نوافذ وطننا على رياح الحضارات ولا نمدّ الجسور بيننا وبين الأمم الأخرى ، أليس من الأفضل لنا نقل التراث الإنساني الذي لا تخلو منه لغةٌ حيّةٌ وترجمة الكتب التي تتناول التيّارات العلميّة والفكريّة والفنّيّة والأدبيّة الجديدة ، ألم يقل أديب ألمانيا غوته (( إنني أشعر بلذّةٍ هائلةٍ عندما أتمتّع بثمار الأمم الأخرى ولهذا فإنني أنصح كلّ شخصٍ أن يحذو حذوي ، إنّ الأدب المحلّي لم يعد له معنى كبير ، لقد بدأ عصر الأدب العالمي غير المحدد ))

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    الحدثة والتراث

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 9:49 am

    التراث : لا يا حضرة القاضي … إننا لسنا ضدّ الاستفادة مما لدى الآخرين ، لكننا نرفض هذا الأخذ إذا كان على حساب أصالتنا ، نرفضه إذا قادنا إلى فقدان هويّتنا ، والتنكّر لحضارتنا ، ولعلّ واحداً من شعرائنا المعاصرين طالبنا بأن لا نقلّد غيرنا تقليداً أعمى ونبتعد عن الخضوع للغرب قال مخاطباً المرأة العربيّة:
    يا أخت خولة جددي أملا لنا ما كلّ شيءٍ في الحضارة ينفعُ
    القاضي : حبذا لو أوجزتهم لنا ياأنصار الحداثه أهم سمات الشعر الحديث عن شعراء الموجة الأولى والموجة الثانية ؟
    الحداثة : إن أهم سمات الشعر الحديث عن شعراء الموجة الأولى هي
    1- اقتراب اللغة الشعرية من لغة الواقع اقتراناً شديداً
    2- الإبتعاد عن الغنائية في في الشعر الكلاسيكي
    3- الإنحياز الى التكيف والتوتر
    4- استخدام الأقنعة والرموز
    5- توظيف الأسطورة في سياق البنية الفنية للقصيده
    6- الإبتعاد عن الصور التقليدية وايراد الصورالإيجابية
    التراث : وأما أهم سمات هذا الشعر عن شعراء الوجهة الثانية (مابعد الحداثه)
    1- البعد عن السهولة واليسر في تركيب القصيدة
    2- جَعْلُ القصيدة مركبة ومتشابكة حيث تتحوّل الى لغز لاتُفك رموزه بسهولة بل يستعصي على الفهم
    3- الدخول في عالم خاص يرتكز على الأحلام والأوهام والشطحات والخيال
    وتحرري ياأخت من أفكارهم فلأنت أقوى ياأخيه أشجع
    وسلي فتاة الغرب عن أحوالها فلسوف يأتيك الجواب المقنع
    بيعت كأرخص سلعةٍ أثمانها لم تغني من جوعٍ ولا هي تشبع
    تـأتي الرجولة أن نسير وراءهم أين المكارم والفضيلة أجمع
    كما ندد الشاعر المهجري ذكي قنصل بحضارة الغرب ومدينتهم القائمة على الإحتلال وارتكاب المذابح لإبادة الإنسان قال:
    الغرب باسم السلم ضحانا
    وبحجة التموين أفنانا
    فابصق له أسطورة السلم
    والعن حضارة عصره العلمي
    في لحمنا منه وفي العظم
    ناب يحزُ ومخلب يدمي
    حق الضعيف وعفة الشهم
    في شرعه ضرب من الوهم
    الحق للرشاش واللغْم
    التراث : إنني أذكر أنصار الحداثة بالقول المشهور الحكيم الهند طاغورالذي يعارض طمس المعالم والهوية الأصيلة يقول ((يسعدني أن أفتح نوافذ غرفتي الأربع للأنسام والرياح الإنسانية كافة لأطلع عليها وأتفاعل معها وأقبس منها كل ما من شأنه أن يغني تجربتي المحلية ولكنّي أنكر على واحده منها أن تقتلعني من الجذور أو أن تذهب بحالي وتطمس هويتي ))
    الحداثة: لقد عاد الكثيرون من شبابنا بعد أن مدّت جسورٌ بيننا وبين الغرب يحملون معهم المعرفة والثقافة والتحصيل العلمي ليضعوه بين يدي أبناء مجتمعهم العربي ولولا علوم الغرب الحديثة لما حصل تطور في بلادنا ولا كان لنا مجاراة الأمم الأخرى ولبقينا نراوح في أمكدتنا نراوح لانتقدّم خطوةً واحدة نحو الأمام
    التراث : بلغ السيل الربى ، ماهذا الذي تقول ؟ ألم يستفد الغربيون من جوهر حضارة أجدادنا العرب في بناء حضارتهم فاقتبسوا من أنوارها الساطعة ونقلوها مستفيدين منها وعملوا على رفدها وتطويرها والتقدّم بها واعترفوا للعرب بأنهم المؤسسون والسابقون والروّاد في هذه المجالات يقول الفيلسوف الإيطالي رايوند لوللي : ليس لدى اللاتين ما يستحق الذكر إلاّ ما أخذوه عن الشعوب الأخرى وخصوصاً عن المسلمين ويقول أحد المفكرين الغربيين : من الشرق يأتي النور رامزاً بالنور الى علوم العرب المسلمين ومعارفهم
    القاضي :إن الإنصاف يملي علينا التنويه لما قام به رفاعه الطهطاوي وما عبّرت عنه كتاباته من منهم مستنير للحضاره الغربية فهو لايسارع بلفظها ورفضها ولا بقبولها والإنصياع لمقولاتها صحيح أنه راح يفتح عيون المصريين على حضارة الغرب إثر إخفاق حملة نابليون العسكرية وسيطرة محمد علي وسحق المماليك إلاّ أنه قدّم نظره وطنية ترتكز الى التراث دون تعصُّب والأخذمن الخارج دون تبعية ووضع الأثاث لمنهج في العلاقة بين التراث والمعاصره يمكن أن نتمثّله ونطوره في وقتنا المعاصر وعلى الرغم من أنّه متبنّ لما رآه في باريس من تطور وحضاره فكتب كتاب ((تخليص الإبريز في تلخيص باريس ))ولكن هذا الإعجاب لم يثنه وطنه الغالي مصر فعاد الى حضنه وهو ينشد
    لئن طلّقت باريس ثلاثاً فما هذا لغير وصال مصر
    وماذا عن مسألة الإبداع والمبدعين وهل يكون وقفا على زمن معين وعلى أمة بعينها ؟
    التراث: حضرة القاضي – إنني سأبدأ حديثي عن المبدعين في تراثنا العربي بعبقرية فذّه ملأت الساحة الأدبية ليس في سورية فحسب دائماً في بلاد عديدة وليس لفتره زمنية محدوده وإنما لعقود كثيرة إنه الشاعر عمر أبو ريشه رحمه الله وهل هناك من يجهل هذا الاسم الكبير ؟ لقد أتقن عمر تسع لغاتٍ حيّه وألّف بسبعٍ منها ومنح سبع عشرة شهادة دكتوراه على إبداعاته تلك وكان متميّزاً بثقافته الغنية الواسعة المتعدده إننا نحسن ونحن في رحاب شعره أننا أمام مدرسه من الإبداع والتفرّد ؛ نشعر بأننا أمام عملاق شامخ يرود مجالات وآفاق ًلم يتح لغيره أن يصلها فهو السابق المجلي أبداً وهو الرائد والمتميز في ثقافته ومواهبه ولعمري إن أبياتاً قليلة من إحدى قصائده لتحتاج الى وقفة متأنية لما فيها من عمق وسعة 0في الوقت الذي نرى فيه شبابنا الذين درسوا في الغرب تراهم يزدرون لغتهم الفصيحة ويتشدقون بعدد من الكلمات الأجنبية.متناسين أن لغة المرء تاريخه وذاته والغض منها غضّ منه وما أروع الأبيات التي سخر فيها الشاعر فخري البارودي من مقلدي الإفرنج عندما قال:
    ومصيبة الأهلين فيمن سافروا للغرب للتحصيل (و الإحْصاء)
    يأتون لا يدري غير سفاسف وتحية الأقران بالإيماء
    بردون أخي، ميرسي، دخيلك كيس كُسي ، اورايت هلو واللفظ كالببغاء
    وإذا تنازل بعضهم لخطب بنا بلسانه فرطانه التأتاء
    ومحاسن الإفرنج لم يدروا بها وأتوا لنا بالسوأة الشنعاء
    تركوا اللباب وبالقشور تمسكوا حتى أساءوا سمعة النجباء
    ومشوا بنا شوطاً بعيداً إنما للخلف كانت خطوة النبلاء
    شبان هذا اليوم إنّا أمة كادت تموت لكثرة الأهواء
    وبلا جدال لا حياة لقومنا إلا بعلم البنت والأبناء
    ولما خبأه فيها من كنوز ففي رثاء الشهيد الدكتور عبد الرحمن الشهبندر أدهش السامعين بقصيدته ( بنت قاسيون ) لكن الذي لم يكن متوقعاً ولا مألوفاً في ذلك الموقف حينما أحس بالتجاوب العميق الذي أحدثته قصيدته في نفوس الحاضرين فقال:
    إيه عبد الرحمن ماج بي المنبر فأرفع يديك عن أوتاري
    وشبيه بهذا ما قاله لصديقه حلمي الأتاسي راثيا :
    نم على التراب ما مزراك شاف ما أعاني ولا خيالك ماح
    كيف آتيك بالنجوم وساداً والليالي مقصها في جناحي
    يقول الرئيس جواهر لال نهرو في وداع الشاعر عمر عندما أنهى عمله الديبلوماسي في الهند:
    "إننا اليوم لا نودع سفيراً ما ، كثيرون أولئك السفراء الذين يأتون ويذهبون إننا نودع في هذا الرجل القيم العظيمة للإنسان"

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    الحدثة والتراث

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 9:50 am

    الحداثة: حضرة القاضي :إن ما ابتدعته قرائح المجدين والمبدعين عندنا مفخرة لنا ومصدر اعتزاز وشموخ فقد أسمعوا أصواتهم للعالم كله وعرف الغرب والشرق مواقفهم وآراءهم وما نادوا به فكانوا مفكرين عالميين.. لعل المتمرد جبران خليل جبران يأتي في مقدمة هؤلاء وليت لنا ألوفا مثله فهو من أوهم الغربيين أننا لسنا رعاة إبلٍ وشاه كما تصورنا وسائل الإعلام الصهيونية والأمريكية المشوهة لصورتنا وكلنا نقدم للإنسانية الإبداع و لدينا المبدعون والمتفوقون والناجحون .
    لم يكن جبران أيها السادة ملكاً للعرب وحدهم فهذه مكتبة بوسطن ومجلس بلديتها في الولايات المتحدة يقيمان أسبوعاً من التكريم لجبران الشاعر والفيلسوف بعد أن أحست الأوساط الأدبية والفنية في هذه المدينة بما لجبران من تأثير وتقدير كبيرين لدى الناطقين باللغة الإنكليزية و العربية .
    يقول عنه ماريون بتريز : إن جبران يحظى لدى الطلاب الشباب الذين يتكلمون الإنجليزية بشعبية تفوق تلك التي يتمتع بها كبار الشعراء البريطانيين "أمثال شكسبير و توماس اليوت ".
    إذ كان جبران شعلة من ذكاء و تفوق في الآداب والتأمل والرسم وهو زعيم المدرسة الإبداعية و رئيس الرابطة القلمية لأدباء المهجر الشمالي .لنسمع طرفاً من تأملاته ورومانسيامه قال مخاطبً الأرض :
    " ما أكرمكِ أيتها الأرض ! نحن نكلم صدرك بالسيوف والرماح وأنت تغمرين كلومنا بالزيت والبلسم نحن نزرع واحتك بالعظام والجماجم وأنت تستنبتينها حوراً وصفصافاً نحن نستودعك الجيف وأنت تملئين بيادرنا بالأغمار ومعاصرنا بالعناقيد نحن نصبغ وجهك بالدم وأنت تغسلين وجوهنا بالكوثر .
    الحداثة:- إن أهمية جبران تكمن في التجديد بل في الثورة التي قام بها على المستوى الأدبي الصرف فقد ثار على التقاليد البالية ومنها تقاليد الشعر والسير فيه على أسلوب امرئ القيس والعباسيين وصرح بأن الشعر يجب أن يكون نابعاً من أعماق النفس فهو يقول :"ليكن لكم من قصائدكم الخصوصية مانع من اقتفاء أثر المتقدمين ،فخير لكم ولّلغة العربية أن تبنوا كوخاً حقيراً من ذاتكم الوضيعة من أن تقيموا صرحاً شاهقاً من ذات غيركم ، الشعر يا قوم روحٌ مقدسةٌ متجسدةٌ من ابتسامة تحيّ القلب أو تنهيدةٍ تسرق من العين مدامعها
    000وفي مقال لجبران عنوانه"لكم لغتكم ولي لغتي "يردّ فيه على كل من اتهمه بالتمرد على القدم والخروج على اللغة و ما ورثناه عن السلف يقول:" لكم لغتكم ولي لغتي "،لكم منها القواميس المطولات و لي منها ما غربلت الأذن وحفظته الذاكرة من كلامٍ مأنوس تتداوله ألسنة الناس في أفراحهم وأحزانهم . لكم من لغتكم البديع والبيان ولي من لغتي دمعةٌ من جفن المشتاق و ابتسامة على ثغر المؤمن ، إن النظم والنثر عاطفة وفكر وما زاد على ذلك فخيوط واهية وأسلاك متقطعة لكم لغتكم ولي لغتي ،لكم منها جثث محنطة باردة تحسبونها الكل بالكل ،لي متحف أجساد لا قيمة لها لذاتها بل كل قيمتها بالروح التي تحل فيها "
    سيبقى جبران أيها السادة في ذاكرة التاريخ ، وستبقى كلماته تراتيل خشوع فيه معاهد الفن والأدب .
    تراث :- لست أول من غرّه السراب فقد أسهبت يانصير الحداثة وأطنبت في الإشادة بجبران وبتأملاته وعددته فيلسوف الشعراء العرب دون أن تسمع رأي شعراء الجنوب في المهجر كإلياس فرحات في ما سطرته أقلام شعراء الرابطة القلمية وفي مقدمتهم جبران خليل جبران يقول الياس فرحات في رباعية له :
    إني لأعجب من آداب رابطة وقد أوجدت في نظام الشعر تشويشا
    شنت على الأدب الميمون غارتها فأمعنت فيه تشويه وتخــــــــديـــشا
    طارت فخلنا نسوراً فوقنا ارتفعت ثم استقرت فكانت كلها ريــــشـــــا
    أشعارهم علقم مع أعفا شربت من ماء صنينٍ والعاصي وقاديشــــــا
    ويقول في الرباعية الثانية مصرحاً بنقده لجبران وأسلوبه الغامض غير واضع
    أصحابنا المتمردون خيالهم تقضي قريـــــــش و تحيا حمير
    لغة مشوشـــة ومعنى حائر خلف الحجاز ومنطق متعثر
    وزعيمهم في زعمهم متفنن عجباً أكان الفن فيما يفخــــر
    لا الأرض تفهم ما يسطره لها ذاك الزعيم لا السماء تفسر
    وقد عرض ابن عم جبران على الشاعر الياس فرحات أن يشتري خمسمائة نسخة من ديوان فرحات إذا خلت من الرباعيتين الشعريتين السابقتين فرفض الياس العرض بإباء .
    القاضي- يبقى تراثنا العربي مقدساً محترماً مهيب الجانب فماذا عن المحاولات للتطاول على حماه والإساءة إليه وإلى مبدعينا الأفذاذ .
    تراث 2 :- إنما يخز في النفس ويؤلمها التهجم على تراث السلف و التشهير بأعلامهم ألم تسمعوا بالضجة المفتعلة والموقف المشين بالشاعر حامد حسن الذي وقفه من مفخرة العرب أبي الطيب المتنبي حيث لجأ إلى التشهير بعبقريته الفذة التي عز وجودها عند الأمم فكيف يصدر الشاعر حامد حكمه الجائر على عملاق الشعر العربي والذي لن ينجب أدب أمة مبدعاً في حجمه ووزنه خاصة إذا علمنا أن شعر الشاعر حامد يعد إمتداداً لمدرسة أبي الطيب المتنبي و يتلخص نقده للمتنبي في ثلاثة أمور :
    1- من ناحية الأخلاق و السلوك .
    2- من ناحية الألفاظ الحوشية والخطاء النحوية واللغوية .
    3- من ناحية أخذ معاني غيره وتضليل النقاد عن كشف هذا الأخذ .
    بماذا نفسر أيها السادة هذا الموقف ؟ وماذا نسميه من شاعر أصيل هو حامد حسن نحو شاعر كان قمة حسدتنا وتحسدنا الشعوب كلها عليه يقول الروائي السوداني الطيب الصالح : لو كان المتنبي في أوربة لزرعوا تماثيله في كل مكان ، ولكتبوا عنه ما يملأ استوديوهات التلفزيون ويفيض عنها 0000وسئل مرة الصحفي والسياسي المعرف محمد حسين هيكل : كيف تقضي استراحتك الأسبوعية ؟ أجاب إنني أصطحب زوجتي وأولادي وديوان المتنبي .
    ولقد تصدت أيها السادة كثير من الأقلام المنصفة المخلصة لتراثنا العظيم و من هؤلاء الكاتب الصحفي محمد مصطفى درويش الذي قال في صحيفة الثورة ( ربما لو كان الحديث عن غير المتنبي فلن أكلف نفسي عناء الرد لاسيما عن شاعر مثل حامد حسن نحترمه جميعا ونحترم شعره أما المتنبي فلا وألف لا لأنه الفضاء الذي نسبح فيه ، المتنبي خبزنا وهواؤنا وشمسنا وكلمة السر في وجودنا الإبداعي .
    التراث- واستكمالاً لحديث زميلي أقول إن لزكي مبارك رأياً صائباً في النقاد العرب فقد كتب فصلاً حزيناً يتحدث فيه عن شاعر مصري شاب انتحر وهو في أوج شبابه وهو أحمد العاصي يذكر الدكتور زكي كيف التقى به أول مرة وحينما قدم الشاعر الشاب نفسه قائلاً : إنه أحد طلبة كلية الآداب في الجامعة المصرية هجر كلية الطب لأنه أضعف من أن يرى مناظر التشريح وانتسب لكلية الآداب راجياً أن يكون في الأدب والفلسفة جو أهدأ وأدعى لراحة الأعصاب فماذا أجابه الدكتور زكي مصوراً الأدب والأدباء والنقد والناقدين :
    لشد ما خدعت نفسك بهذا التغيير ، والانتقال من قيد إلى قيد لأننا في كلية الآداب نعالج الطريقة نفسها التي يعالجه الأساتذة في كلية الطب ، وهم يسمون عملهم التشريح ونحن نسميه التحليل والفرق بيننا وبينهم أنهم يشرحون الأجسام ،ونحن نشرح الأعراض ، وهم يشرحون أجساماً فانية و نحن نشرحّ أعراضاً غالية كان ينبغي لها الصون التام في ظلال الخلود وليس شقّ الجسم الميت الذي يحوله مشفى القصر العيني إلى مشرحة كلية الطب بأقسى و أفظع من اهتمام أساتذة كلية الآداب بإثبات أن أبا نواس كان سيئ الأخلاق ، وأن البحتري كان قذر الثياب وأن المعري كان ملحداً وأن المتنبي كان صعلوكاً يتصيد المال وهو يدّعي سمو الملوك إلى أخر ما توجبه الدراسات الأدبية من هذا الهذر الممقوت "
    الحداثة:1- يا حضرة القاضي إننا إذ ندعو إلى التجديد في الشعر والخروج من الأقفاص التي صنعها الخليل فهذا لا يعني أننا نغض من شأن شعرائنا القدامى الذين بلغوا مرتبة في عصرهم لا يسمو إليها آمل وارتقوا بالشعر إلى درجة لا ينكرها إلا جاحد ، بل كانوا في عصرهم يمثلون قمة التجديد والابتكار .
    لكن الحياة قد تبدلت وتجددت رياح التغيير هبت قوية عاتية فتحت لها أبواب القصور كما اهتزت لها أعمدة الخيام فحري بنا أن ننظر بعيوننا ونسمع بآذاننا كلما يجري حولنا ونستجيب لدواعي التغيير بعقول نيرة وقلوبٍ متفتحة لا أن ننام في كهفنا ثم نخرج إلى الناس برأي قديم وعملة منسية .
    هذا ما قصده الشاعر نزار قباني في قوله مخاطباً أبا تما م الذي كان صاحب مذهب جديد في الشعر
    أبا تمام . . . دار الشعر دورته
    وثار اللفظ ولقاموس ثار البدو والحضر
    وملّ البحر زرقته
    وملّ جذوعه الشجر
    ونحن هنا
    كأهل الكهف لا علم ولا خبر
    فلانوا أنا ثاروا ولا شعراؤنا شعروا
    أما بالنسبة لقضية الشاعر حامد حسن وهجومه على المتنبي قضيةٌ تخصه وحده ومعركةٌ لم يخضها انتصاراً للجديد و آراؤه لا يمكن أن تحسب على أنصار التجديد وإن كان لنا أن نقول شيئاً حول هذه القضية فإننا نقول إن المتنبي كان سلطاناً للشعر في يوم من الأيام بسط نفوذه على أهل زمانه ولكننا لسنا ملزمين بالشكل الذي ارتضاه ولا بالأساليب التعبيرية والقوالب اللفظية التي اختارها ……

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    الحدثة والتراث

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 9:52 am

    القاضي في الواقع أن موضوع التقليد والتجديد موضوع شائك يصعب فيه الوصول إلى حكم نهائي ولكن لابد من نهاية نقوم فيها بثمرة هذا اللقاء وهذا ما سنحاول فعله في صيغة حكمنا النهائي
    ترفع الجلسة………
    الحكم
    قبل قليل توقفت رحى الصراع الدائرة بين الفريقين المتصارعين حيث حمي الوطيس واحتدم اللقاء ما بين كر وفر فكبت خيول ونبت سيوف وهاهي النفوس تهدأ وتسكن بعد ثورة وهياج وبإمكاننا الآن أن نصل إلى إصدار أحكمانا مقومين ومثمنين نتائج المعركة التي دارت بين أنصار التراث والحداثة
    1- إن هجرات المكانة السامية وقداسته ومحبته التي تغمر القلوب فللشعوب حنين قوي موروث إلى ماضيها وهذا الحنين مضخم عند العرب وبخاصة عندما ينظرون إلى واقع مؤلم يعيشونه ويتذكرون ماضياً قوياً عظيماً ويقوي هذا الحنين إلى الماضي في الشعر إن شعر العرب عاش أكثر من ستة عشر قرناً وبلغة كانت ولم تزل حية وقد تكاتفت عوامل تاريخية لحرب العرب الشعوبية في أول عصور التجديد في شعرهم مما جعلت التعلق بالشعر الجاهلي بالذات تعلقاً لا حدود له وجاء عامل الدين واستعمال الشعر الجاهلي وحده وسيلة لفهم القرآن الكريم ثم تقديس اللغة ومعجزة القرآن البيانية فكان من كل هذا أن قوي التعلق بالقديم وبناء على ما تقدم حري بنا أن نصون هذا التراث العظيم حفاظنا على القيم التي يمثلها .
    2- أن الحداثة والشعر الحديث واقعة لا حاجة للمكابرة في هذا المجال فقد فرض الشعر الجديد نفسه استجابةً لمقتضيات الزمن والتطور وفق قوانين الموضوعية الحتمية ورسخ هذا الشعر قدمه في ساحة الأدب استجابةً لرياح التغيير التي هبت على العالم العربي و لما جاء نسابه العصر الحديث من تحديات ضخمة فلا سكون في هذا الكون ولا ثبوت في هذا العالم . وعلى الجميع أن يدركوا أن التجديد حتمي لا مفر منه .
    3- إن المحكمة ليست ضد الشعر الحديث مطلقاً ، وإنما هي ضد اللا شعر سواء أكان شعراً حراً أو عمودياً والمحكمة لن تقف موقفاً متعصباً من الشعر الحديث كما فعل العقاد الذي لا يرى في شعر التفعيلة شعراً على الإطلاق حيث يقول : إن هناك قواعد لكل شيء وكل إنسان حر فيما يقول ولكن ليس إلى الحد الذي يتجاهل فيه قواعد الشعر ثم يسمي ما يقوله شعراً وأنا مع التجديد في الموضوعات ولكن ليس في الاستسهال والضعف وهدم القواعد الشعرية .
    4- ليس صحيحاً ما يزعمه أصحاب المدرسة الجديدة بأن الشعر العمودي يحول دون أن يوصل الشاعر إلى رؤيته المعاصرة لأزمة عصره بتعقيداتها وهذا الزعم لا ينطلق من موقع الحقيقة ولكنه وجهة نظر مغالطة ومتعسفة فالشاعر يمكن أن يصور أزمة الأمة العربية باستعمال شعر الشطرين والأوزان الخليلية لا تضيق مطلقاً عن تصوير الحرقة الروحية وأزمات النفس الإنسانية ولعلنا نعتقد أن الشكل الخليلي الدارج والشعر الحر مطلوب بالنسبة لموضوعات معينة كما تقتضي الأمانة الموضوعية أن نقول لها أن هناك مواقف يكون فيها الشعر الخليلي أفضل لها من الشكل الحر الحديث .
    5- تدين المحكمة شعراء التجديد الغامضين ، وتقف ضد الشعر الذي يمعن في الغموض والرمزية إلى درجة الانغلاق وتندد بأولئك الذين حولوا شعرهم إلى ألغاز وطلاسم ومبهمات فمن المبالغة والإفراط أن نظن أنه لا إبداع إلا من حيث يكون الكلام غامضاً معتماً وأن من الممكن أن يتعانق الإبداع مع شيء من الغموض وليس من شروط الشعر العظيم أن يبقى مغلقاً على الفهم كما لو أن صاحبه أراد أن لا يفهمه أحد غيره.
    6- تدين المحكمة النماذج التي تتحرر تماماً من التفعيلة تنفلت من النغمة بحيث تغدوا بعيدة عن الشعر لأن الغنائية مغروسة في الإنسان العربي من خلال لغته وأمثاله وتراثه ولأننا نحن إلى موسيقانا في الشعر ولا نرى لها مثيلاً ولا نري عنها بديلا ولكننا يمكن أن نحتفظ كما هي وللشعراء المجدين الحق في تطويرها وتجديد نغماتها شريطة على أن يحافظوا على جوهرها…… لذلك لا يمكن للمحكمة أن تقبل ما يسمونه قصيدة النثر لأنها لا تمت بصله ولو واهية بالشعر .
    7- ليس مهماً أو ضرورياً أن يكون الشعر حراً طلق اليدين أو عمودياً يتقيد بالقيود الشعرية التقليدية ذلك أن المهم أولاً وأخيراً هو الطاقة المبدعة ، ف‘فإن وجدت فكل كلامها شعر أو قريب منه وإن فقدت لم يبق لا شعر ولا نثر بل الهذر وحده والزمن كفيل بأن يكشف الأصيل من المزيف والسمين من الغث يقول يدر شاكر السياب ": أنا لا أفرق بين الشعر القديم و الشعر الحديث بل بين الشعر و اللا شعر ، بين ما هو شعر وبين ما هو ليس شعراً .
    8- ترى المحكمة أن القصيدة العمودية الخليلية قد انطوت على عيوب لا تقل عما انطوت عليه قصيدة التفعيلة فالتقسيم الصارم يضفي على أشطرها عنصر الرتابة المهيمن ، يضاف إلى ذلك وطأة القافية الواحدة الملزمة في نهاية كل بيت والتي تكاد تكون قيداً للشاعر على الرغم من أنها قلما تعيق الشعراء المتمكنين من حيث اقتدارهم اللغوي وملكتهم التعبيرية .
    9- إن التعامل مع التراث لا يعني الخضوع له والاستسلام لنماذجه ذلك أن الاستسلام عقم ولكن التفاعل مع التراث والحوار مع نماذجه انفتاح يؤدي إلى الإبداع الذي هو غاية الفن .
    10- تدين المحكمة محاولات التطاول على تراثنا و مبدعينا للنيل منه وهل صحيح أننا أمة ترجم مبدعيها جاحدة عطاءاتهم الخلاقة المضيئة ؟ ومن قال إن الموت نهاية للمبدعين ، إن علينا أن نجعله البداية الحقيقية لهم .
    11- إن هذه الأحكام التي توصلت إليها المحكمة ليست نهائية أو مطلقة وإنما هي محاولة لإبداء الرأي في عالم يضج بالصراعات والآراء ويبقى الباب مفتوحا أمام النقاد والدارسين لإضافة ما يحبون إضافته وإثراء ما توصلت إليه محكمتنا النقدية .
    قراراً وجاهياً قابلاً للطعن بطريق النقد 0000 صدر وأفهم علناً
    (( لا اخضرار بلا جذور))

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء يوليو 23, 2014 10:00 pm