مجموعة لااخضرار بلا جذور

    المتنبي

    شاطر

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    المتنبي

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 11:54 am

    لا اخضرار بلا جذور
    =================
    مجموعة من مدرسي اللغة العربية في ثانويات معرتمصرين – محافظة ادلب أطلقت على نفسها ( مجموعة لا اخضرار بلا جذور ) الأدبية .
    عشقت الأدب وعملت على خدمة لغتنا العربية الجميلة بالكشف عن كنوز أدبها الدفينة والمتجددة وربط الماضي بالحاضر والمستقبل ونبش التراث الأدبي القيم المنقوع في بطون الكتب وعلى رفوف المكتبات ونفض البلى والغبار عنه وتقديمه للناس بأسلوب ممتع شيق يبعد الملل ويقدم المتعة والفائدة بحوار أدبي يعتمد الرأي والرأي الآخر ويخرج عن أسلوب المحاضرة الإلقائي ولا يصل إلى العمل المسرحي بل حوار مفتوح يترجم فيه المتحاورون الموضوع الذي يتناولونه ( شاعر , أديب , قضية أدبية , مناسبة قومية ) ويستعرضون ما له وما عليه وما قاله لنقاد والعارفون فيه سلباً أو إيجاباً ويوردون الكثير من الشواهد الشعرية والنصوص الأدبية في جلسة محكمة نقد أدبية فيها قاض ومحام للدفاع وممثل للاتهام ويستدعى إليها الشاعر المتهم ( موضوع الجلسة ) بزي زمانه ويفضل أن يكون من الشخصيات الاشكالية وتلقى عليه التهم على لسان ممثل الاتهام وهي كل ما أثير حول المتهم من سلبيات تمس شخصه ونتاجه بأدلة من أقوال النقاد وبراهين من نتاجه , ويتولى محامي الدفاع الدفاع عنه بدفوع فيها الكثير مما له من إيجابيات ومواقف ذكرها النقاد والدارسون مؤيدة بالأجود من نتاجه ومعززة بلسان المتهم في دفاعه عن نفسه شعراً أو نثراً وقد يحتاج الأمر إلى شهود يدلون بشهاداتهم مع المتهم أو ضده أما رأي المجموعة النقدي فهو ما جاء على لسان القاضي وما نطق به قرار المحكمة , وهو عبارة عن خلاصة هذا الجدال الممتع بلغة فصيحة سليمة ولفظ دقيق معبر يشد السامعين إليه ويعرفهم بموضوع الجلسة ويغنيهم عن الرجوع إلى مئات الصفحات , في زمن كسدت فيه الثقافة وقلت القراءة والقراء , وزمن لا يقل عن ساعة ولا يزيد عن ساعتين .
    أسس هذه المجموعة
    الجيل الأول من الزملاء : مصطفى الحلبي , رائد السيد أسعد , عبد الغني عون , محمد واكد رزوق , وشاركهم في تقديم بعض الأعمال عدد من الزملاء مثل : زكريا اصطيف , معن اسماعيل , عبد الرحمن جبان , محمد خالد الخالدي .
    وهي مستمرة
    بجيل ثان من الزملاء : محمد واكد رزوق , أسامة يازجي , مازن عون , فائز عبدان .
    تناول الجيل الأول بالدراسة والتقديم كلاً من : أبي نواس , المتنبي ، المعري , التقليد والتجيد , شعراء النقائض , أحمد شوقي , ابن زيدون , المعتمد بن عباد , نزار قباني , وغيرهم , إضافة إلى أعمال أدبية قومية ووطنية مثل : لقاء السيوف , أغنيات للوطن , غضبة الأقصى , قالت العرب , الميلاد الذهبي . عرس الشهادة
    وتناول الجيل الثاني بالدراسة والتقديم كلاً من : أبي فراس الحمداني , جبران خليل جبران , عمر بن أبي ربيعة – بدر شاكر السياب .
    وقد قدمت هذه المجموعة أعمالها في المراكز الثقافية في القطر العربي السوري ولقيت مزيداً من الاهتمام والحضور والتشجيع من القيادات السياسية والادارية ووسائل الاعلام في القطر ونأمل مزيداً من الرعاية . والله ولي التوفيق .

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    المتنبي

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 9:56 am

    لم يكن المتنبّي مجرّد شاعر عشق الحرف فغمس ريشته في مداد قلبه ، وعزف ألحانه على أوتار فؤاد مضنى 0
    بل لقد كان المتنبّي شاعراً في طموح ملك ، ومنشداً في تطلّع قائد ، وأديباً يستمدُّ قوّته من الكلمة الآسرة والفكرة الساحرة ، تقوده نفسٌ جبّارةٌ ، وهمّةٌ تتقاصر عن غاياتها أعناق الرجال *
    إنّ نفساً بهذه الصفات لجديرةٌ بأن تخلق من حولها الأعداء والحسّاد خلقاً ، وتواجه في سبيل غاياتها الصعاب المنيعة ، وهكذا كانت حياة المتنبّي ، وكان الشاعر من خلالها
    ( مالىء الدنيا وشاغل الناس)0
    يدخل الشاعر إلى قاعة المحكمة وهو ينشد:
    مفرشي صهوة الحصان ولكــ ن قميصي مسرودة من حديــــدِ
    أين فضلي إذا قنعت من الدهــ ر بعيشٍ معجّل التنكـــــــــــيد
    ضاق صدري وطال في طلب الرز ق قيامي وقلّ عنــه قعـــــودي
    أبداً أقطع البلاد ونجــــمي في نحوسٍ …وهمتي في سعــود
    عش عزيزاً أومت وأنت كريم بين طعن القنــا وخفق البنــود
    لا كما قد حييت غير حمــيـدٍ وإذا متّ متُّ غـــير فقيــــــد
    فاطلب العزّ في لظى ودع الذ لّ ، ولو كان في جنان الخلود
    لابقومي شرفت بل شرفوا بي وبنفسي فخرّت لا بجدودي
    وبهم فخر كلّ من نطق الضــا د وعوذ الجاني وغوث الطريد
    إن أكن معجباً فعجب عجيبٍ لم يجـــد فوق نفسه من مزيد
    أنا ترب الندى وربّ القـوافي وسمام العــدا وغيظ الحسود
    أنا في أمّةٍ تداركها اللــــــــ ـه غريبُ كصالحٍ في ثمـــود
    محامي الدفاع :
    تعال يا أبا الطيّب واجلس في قفص الاتهام ، فأنت مدعوُّ إلى محكمةٍ أدبيّةٍ للنظر في الشبهات التي ثارت حولك وحول شعرك وما زالت مثاراً للخلاف حتّى الآن.وقد انتدبتني المحكمة للدفاع عنك حرصاً منها على الحقّ والعدل والإنصاف.
    الشاعر:
    ألهذا الأمر دعيت؟ والله لو كنت أعلم أنّ الأمر كذلك لما حضرت ، فلقد لقيت من إجحاف النقّاد والحاقدين ما يكفي ،ولست مستعدّاً لتلقّي المزيد من الطعن والتجريح.
    القاضي:
    يا أبا الطيّب : إنّ هذه المحكمة أثبتت وجودها من خلال نزاهتها وبحثها عن الحقيقة وتفاني أعضائها في جمع المعلومات والاعتماد على الأدلّة والبراهين وأقوال الشهود للوصول إلى أحكامٍ صحيحةٍ لا يسع المنصفون إلا قبولها .
    الشاعر:
    افعلوا ما يحلو لكم ، وإن كنت أعتقد أنّ مدحكم لن يرفعني وأنّ ذمّكم لن يخفضني فأنا وضعت نفسي بين النجوم ولن يستطيع أحدٌ أن يغضّ من شأني أو يحطّ من منزلتي ..لقد تعاونت عليّ الأيام الغادرة والحظوظ العاثرة فلم تفتّ من عضدي ولم تفلّ من عزيمتي
    يحــــــاذرني حتفي كأنيَ حتــفه وتنكزني الأفعى فيقتلها سمّي
    طوال الردينيّات يقصــــفها دمــــي وبيض السريجيّات يقطعها لحمي
    كأني دحوت الأرض من خبرتي بها كأنّي بنى الإسكندر السدّ من عزمي
    القاضي:
    عليك بالوقوف عندما تريد الكلام يا أبا الطيّب فأنت تدّعي الفطنة والذكاء ومن المفروض أن تتصرّف بحصافةٍ ولباقة .
    الشاعر:ما اعتدت يوماً أن تملى عليّ الشروط ،بل اعتدت أن أملي الشروط على غيري حتّى لوكانوا قادةً أو أمراء ، لقد اشترطت على سيف الدولة أن لا أقبّل الأرض بين يديه وأن لا أنشده الشعر إلا وأنا جالس .أفتراكم جئتم بي إلى هذه القاعة لإذلالي والنيل منّي ؟ خاب والله فألكم فدون ذلك خرط القتاد
    ممثل الإتّهام:
    حضرة القاضي:إنّ عنجهيّة هذا الرجل تأبى إلا أن تظهر منذ اللحظات الأولى ،وإنّ مثل هذا الدعيّ المتعجرف لا تنفع معه الرحمة أو الشفقة ،فأرجو من محكمتكم الموقّرة أن لا تتهاون معه أبداً وأن تصدر بحقّه أحكاماً رادعةً لتضع حدّاً له ولأمثاله.
    محامي الدفاع :
    إنني أحتجّ على التجريح الذي يوجّهه ممثل الاتهام إلى موكلي كما أشجب محاولاته استجرار المحكمة لاتخاذ موقفٍ معادٍ له قبل المضيّ قدماً في حيثيّات الدعوى ،امّا عن مسألة رفضه الوقوف أثناء الكلام فأعتقد أنّه سيعدل عنه عندما يعلم أنّ ذلك من التقاليد العصريّة المتّبعة وليس فيه ذلُ أو إهانة،والدليل على ذلك أنّ كلّ واحد منّا عندما يريد الكلام ينتصب واقفاً ، أليس كذلك يا أبا الطيّب؟
    الشاعر:
    إن كان الأمر كذلك فلا مانع عندي من الوقوف
    القاضي((للمحامي))
    كن مطمئناً أيها المحامي واعلم أننا لن نتأثر بقول هذا أوذاك ولن يستطيع أحدٌ أن يستجرّنا إلى موقفٍ متعصّبٍ بعيدٍ عن العدل والإنصاف ولن نقيم وزناً لأيّ كلامٍ ما لم يكن مستنداً إلى حقائق ملموسة ………….((إلى ممثل الإتهام))
    وأنت يا ممثل الإتهام بإمكانك أن توجّه اتّهاماتك إلى الشاعر بدون تحفّظ ولكن ليس قبل أن نقوم باستجواب الشاعر وتدوين بعض المعلومات عنه ………((إلى الشاعر))
    يا أبا الطيّب ..هناك بعض الزوايا المظلمة في سيرة حياتك وهناك بعض التهم وجّهت إليك بعضها يتعلّق بحياتك وشخصك وبعضها يتعلق بفنّك وشعرك وستعرف كلّ شيءٍ في حينه ولكن نريد منك الآن إن تعرّفنا على نفسك وتعطينا لمحةً عن حياتك.

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    المتنبي

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 9:58 am

    الشاعر:
    انا أحمد بن الحسين الكندي ,ولدت عام ثلاثمئة وثلاثة للهجرة في بيت من بيوت الكوفة وما كدت أفتح عينيّ للنور حتّى أدخلني أبي إحدى مدارس الشيعة فتعلّمت فيها العلوم الأوليّة من قراءة وكتابة وحساب وبعض المبادئ في الفقه واللغة والأدب ثمّ انكببت على الكتب أقرؤها وعلى العلماء أجالسهم وأنهل منهم العلم والمعرفة وكانت الكوفة آنذاك تذخر بالكتاتيب وحلقات العلماء ودكاكين الورّاقين فما قرأت كتاباً إلا حفظته ولا حضرّت درساً إلا استقرّ في ذاكرتي . ولمّا صلب عودي ونضجت موهبتي الشعريّة وجدت أنّ الكوفة لا تتسع لطموحاتي فاتخذت من الأرض مسرحاً لأسفاري واتخذت من النجوم محطاً لآمالي فكانت حياتي سلسلةً من الأسفار وصلت فيها دلج الليل بخبب النهار وقطعت البراري والقفار وتعرّضت للمصائب والأخطار
    أواناً في بيوت البدو رحلي وآ ونـةً على قتد البعــيرِ
    أعرّض للرماح الصمِّ نحري وأنصب حرّ وجهي للهجير
    وأسري في ظلام الليل وحدي كأني منه في قمرٍ منـــــير
    ونفسٍ لا تجيب إلى خسيسٍ وعينٍ لا تدار على نظـــير
    وقلّة ناصرٍ جوزيت عنــــــه بشرٍ منك يا شرّ الدهور
    عدوّي كلّ شيءٍ فيك حـــتّى لخلت الأكم موغرةَ الصدور
    فلو أنّي حسدت على نفيــسٍ لجدت به لذي الجدّ العثور
    ولكنّي حســدت على حياتي وما خير الحياة بلا سرور ؟
    ممثل الإتّهام:
    حضرة القاضي ..اسمح لي أن أبدي بعض الملاحظات على كلام المتّهم
    القاضي:…….((تفضّل ))
    ممثل الإتّهام:
    قال المتّهم في معرض التعريف بنفسه أنا أحمد بن الحسين الكندي فأوهمنا أنّه من قبيلة كندة اليمنيّة المشهورة مع أنّه ليس من هذه القبيلة وهو مغمور النسب ، فأبوه كان يعمل سقّاءً في الكوفة وجدّه مجهولٌ وأمّه لم يرد لها ذكرٌ في الكتب فهوليس مغمورَ النسب فحسب وإنما هو وضيع النسب وهذه الوضاعة جعلته يقول
    لا بقومي شرفت بل شرفوا بي وبنفسي فخرت لا بجدود
    فهل من تفسير لذلك إلا ضعة النسب وحقارة المحتد ؟.
    محامي الدفاع :
    لا يا حضرة القاضي ..إنّ في هذا الكلام تجنّياً واضحاً على موكلي وعلى الحقيقة التي نسعى جميعاً لبلوغها .فموكلي لم يدّعِ أنّه من قبيلة كندة وإنّما قدّم اسمه لمعالي المحكمة كما تعارف عليه الناس في عصره.وأنا لا أنحو هذا المنحى في الدفاع تهرّباً من إثبات عراقة أصل موكّلي فهو موصول النسب من طرف أبيه بقبيلة ((جعفى)) ومن طرف أمّه بقبيلة ((همذان))وكلتاهما قبيلتان معروفتان ضالعتان في الأصالة والعراقة.


    القاضي:
    ليس من الأهميّة بمكان إضاعة الوقت في مثل هذه الأمور ،وعلينا أن نعترف أنّ التفاخر بالأجداد والتباهي بالماضي العريق داءٌ ورثناه عن عرب الجاهليّة وخليقٌ بنا أن نفتش عن دواءٍ يشفينا منه ………….ما الملاحظة الأخرى يا ممثل الإتهام ؟
    ممثل الإتّهام:
    حضرة القاضي …….لقد أغفل الشاعر لقبه وهو المتنبي مع أنّ كثيراً من الناس لايعرفونه إلا بلقبه هذا ،وكأنّه بذلك يعترف ضمنيّاً بهذا الخطأ الجسيم الذي ارتكبه في شبابه وإنّي لأستغرب كيف يقدم رجلٌ يدّعي الحكمة والذكاء على مثل هذا العمل فهو إمّا يستخفّ بعقول الناس وإمّا يعبّر عن خفّة عقله ،وكيف طاوعته نفسه على ادعاء النبوّة وهو يروي حديث النبي (ص): لانبيّ بعدي..
    ويقرأ قول الله تعالى L(ما كان محمّد أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكلّ شيءٍ عليما …))

    محامي الدفاع :
    لا يا حضرة القاضي ..إنّها تهمةٌ باطلة،وكذبة قديمة لم تتردد إلا على ألسنة أعداء موكّلي وخصومه الذين أرادوا من ورائها تشويه سمعة أبي الطيّب وتنفير الناس منه وقد ردد كلامهم بعض المعاصرين دون الاعتماد على شاهد أو دليل …إنها مجرّد افتراءات لا أصل لها ولا فصل .
    ممثل الإتّهام:
    كلاّ……إنها ليست افتراءاتٍ وإنّما هي حقائق شهد بها معاصروه ، وهاكم إفادة الشاهد أبي عبد الله معاذ بن إسماعيل كتبها بخط يده …..(يخرج ورقةً ويضعها أمام القاضي )
    القاضي:…..((يقرأ القاضي ما كتب في الورقة ))
    يقول أبو عبد الله :…….((لقد تعرّفت على المتنبّي عندما كان في اللاذقيّةفي أواخر عام ثلاثمئة وواحد وعشرين للهجرة ولم يكن قد بلغ العشرين من عمره فأعجبت بذكائه الوقّاد وموهبته الفذّة ولكنّي لمست في شعره الكثير من التمرّد والتحدّي والتعرّض للسلطان فأوصيته باليقظة والحذر إشفاقاً عليه فأجابني بهذه الأبيات :
    أبا عبد الإله معــــاذ إنّي خفيٌّ عنك في الهيجا مقامي
    أمثلي تأخذ النكبات منه ويجزع من ملاقاة الحمام
    ولو برز الزمان إليّ شخصاً لخضّب شعر مفرقه حسامي
    وما بلغت مشيئتها الليالي ولا سارت وفي يدها زمامي
    فقلت :والله إنك لشابٌّ خطير تصلح لمنادمة ملكٍ كبير فقال:..ويحك !..أنا نبيٌّ مرسلٌ فظننت أنه يهزل ثمّ تذكّرت أني لم أسمع منه كلمة هزلٍ قط مذ عرفته فقلت له: إلى من أنت مرسل ؟فقال: إلى هذه الأمّة الضالة المضلّة لأملأ الدنيا عدلاً بعدما ملئت جوراًفقلت له: وهل يوحى إليك ؟فقال :نعم وقرأ عليّ سورةً مازلت أذكر مطلعها ((والنجم السيّار ،والفلك الدوّار، والليل والنهار ، إنّ الكفّار لفي أخطار ، امضِ على سننك ،واقفِ أثر من قبلك من المرسلين فإنّ الله قامع بك زيغ من ألحد في دينه وضلّ عن سبيله ))
    فقلت له :ولكن الرسول محمّد يقول :لا نبيّ بعدي فأجابني : أنا في السماء اسمي ((لا))والحديث يجب أن يقرأ على الشكل التالي L(لا.نبيٌّ بعدي))فقلت له:وما معجزتك؟ فقال: أنا أمنع المطر عن أيّة بقعةٍ شئت .ومرّت أيّام ثمّ هطل المطر وإذا بغلامه يأتيني ويقول لي :إنّ سيدي ينتظرك على ربوة في مكان كذا فذهبت إليه ولمّا وصلت لم أر أيّ اثرٍ للمطر في تلك الربوة فتعجّبت من ذلك وقلت له : هات يدك لأبايعك فأنا أول من يؤمن بك 0
    محامي الدفاع :
    أعوذ بالله من قول الزور ثمّ أعوذ بالله من قول الزور ..حضرة القاضي ..إنني أطعن بهذه الشهادة وأرجو عدم الأخذ بها وإسقاطها من ملفّ الدعوى.

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    المتنبي

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 9:59 am

    ممثل الإتّهام:
    حضرة القاضي ..يقول المثل الشعبي L(لا دخان بلا نار))وإذا افترضنا جدلاً أنّ الشاعر لم يدّع النبوّة فمن أين جاء اسم المتنبي ؟ولم اختير دون غيره ليطلق عليه هذا الاسم ،بل لماذا ألقى والي حمص القبض عليه وأودعه السجن ولم يخرج منه إلا بعد أن أعلن توبته وبعد أن كتب أكثر من قصيدةٍ يستعطف فيها والي حمص ليطلق سراحه وإليكم بعض ما كتب :
    أمالك رقّي ومن شــأنه هبات اللجين وعتق العبيد
    دعوتك عند انقطاع الرجـــــــــاء والموت منّي كحبل الوريد
    فما لك تقبل زور الكلام وقدر الشهادة قدر الشهود
    فكن فارقاً بين دعوى أردت ودعوى فعلت بشأوٍ بعيد
    فهل من المعقول أن يزج شابٌ لم يبلغ العشرين من عمره في السجن لمدة سنتين من أجل شبهةٍ عارضةٍ أو إشاعةٍ كاذبة؟..
    محامي الدفاع :
    يبدو أنّ ممثل الاتهام نسي العبارة التي تتردد على ألسنة الناس في كلّ زمان ومكان ((ياما في الحبس مظلّمين))ولو كان سجن إنسان دليلاً على ثبوت التهمة عليه لثبتت التهمة على سيّدنا يوسف الصدّيق وهو النبي المرسل والعفيف الطاهر
    إن موكلي أيها السادة بريء من هذه التهمة ولكنّه بحكم شهرته وتفوّقه على أقرانه كان كثير الأعداء وليس بعيداً أن يكون أعداؤه قد لفّقوا له هذه التهمة وألحقوا به هذه الوصمة وقد لقي كلامهم أذناً صاغيةً عند والي حمص الذي كان يتوجس خيفةً من طموحات أبي الطيّب وأشعاره التي تدعو إلى الثورة والتمرّد فانتهزها فرصةً سانحةً وألقى القبض على الشاعر وأودعه السجن .والأشعار التي تضطرم فيها نيران الثورة والتحدّي كثيرة في ديوان موكلي وخاصّةًفي هذا الطور من حياته وإليكم هذه الأبيات أفكّر في معاقرة المنــــايا وقود الخيل مشرفة الهوادي
    زعيمٌ للقنا الخطّي عزمي بسفك دم الحواضر والبوادي
    القاضي:صدق من قال L(لا دخان بلا نار ))وأنا وإن كنت أستبعد أن يكون الشاعر قد ادّعى النبوّة ولكنني لا استطيع أن أتجاهل القرائن التي تشير إلى أنّه كان يحيط نفسه بهالةٍ من العظمة تقترب من القداسة ويربأ بنفسه عن الإنغماس في الملذّات والشهوات التي لا يكاد يبرأ منها فتيان في مثل سنه ويبتعد عن صغائر الأمور ويتعلّق بالآمال الكبيرة
    وتصرّفاته هذه تذكّرنا بتصرّفات دعاة بعض الملل والنحل التي كثرت في تلك الأيام أضف إلى ذلك تشبيهه نفسه ببعض الأنبياء في شعره كما في قوله :
    ما مقامي بأرض نخلة إلاّ كمقام المسيح بين اليهود
    أنا في أمّةٍ تداركها اللــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه غريبٌ كصالح في ثمـــود
    كلّ هذا أدى إلى خلق جوٍ ملائمٍ وأرضٍ صالحة لرواج تلك الأقاويل التي قيلت عنه في تلك الفترة من حياته والتي ساعد الخيال الشعبي فيما بعد على بلورتها وإعطائها الصورة النهائيّةأليس كذلك يا أبا الطيّب
    الشاعر:إنّ أعدائي هم الذين لفقوا لي هذه التهمة ،وهم الذين أطلقوا علي اسم المتنبي وأنا لهذا الاسم كاره ولكنني لا أستطيع منع الناس من استعماله وبدلاً من أن يحاسب المفترون حوسب المفترى عليه ومع أنّ العقوبة تمحو الذنب فقد عوقبت على ذنبٍ لم أرتكبه ولم يمح ذنبي وما زال الناس ينهشون لحمي حتى اليوم على كلّ حال ((تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عمّا كانوا يعملون .)
    القاضي:صدقت يا أبا الطيّب فالله وحده عليم بذات الصدور وهو الذي يحكم بين العباد فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء فلنترك هذه المسألة ولنبحث في مسألةٍ أخرى……….((إلى محامي الدفاع))
    لقد أشرت في مرافعتك يا محامي الدفاع إلى أنّ دخول الشاعر إلى السجن كان بسبب تمرّده ودعوته إلى الثورة فماذا تقصد بذلك؟.
    محامي الدفاع :
    حضرة القاضي …لم يكد موكلي يشبّ عن الطوق حتّى وجد وطناً مجزّءاً وأمّة عربيّة ممزّقة يتحّم فيها الأجانب ويسوس أحرارها العبيد فعزّ عليه ذلك وحزّ في نفسه أن يرى مجد العرب يتصدّع وشمسهم تغيب وهو العربيّ الغيور على أمّته المعتزّ بعروبته فدقّ ناقوس الخطر ليوقظ النائمين وأطلق الصيحة تلو الصيحة لينبّه الغافلين وينقذ ما يمكن إنقاذه من مجد العرب وكرامتهم .يقول معبّراً عن استيائه من تحكّم الأعاجم في رقاب العرب :
    وإنّما الناس بالملــــوك ومــا تصلح عربٌ ملــــوكها عجمُ
    لاأدب عندهم ولا حســــبٌ ولا عهودٌ لهم ولا ذمــــــــمُ
    بكلّ ارض وطئتـــــها أمــمٌ تُرعى بعبدٍ كأنـــها غنــــم
    يستخشن الخزّ حين يلبسه وكان يبرى بظفره القلـــــم
    ولم يكتف أبو الطيّب بوضع إصبعه على موضع الألم بل سعى جاهداً لإيجاد الدواء الشافي فأخذ يطوف في البلدان مندداً بالحكام الفاسدين داعياً إلى الثورة عليهم بل مهدداً متوعداًحيث يقول :
    لأتــركنّ وجــوه الخيل ساهـــمةً والحرب أقوم من ساقٍ على قدمِ
    ردي حياض الردى يا نفس واتّركي حياض خوف الردى للشاء والنعم
    إن لم أذرك على الأرمــاح سـائلــةً فلا دعيت ابن أمّ الجود والكرم

    ممثل الإتّهام:
    حضرة القاضي ..إنني لا أرى في هذه الأبيات أيّ أثرٍ للنزعة القوميّة التي يحاول محامي الدفاع إثباتها للشاعر ،وهذا المتّهم الماثل أمامكم والذي يريد محامي الدفاع أن يجعل منه بطلاً قوميّاً ليس أكثر من إنسانٍ مصابٍ بجنون العظمةسعى لتحقيق هدفٍ شخصيٍّ والوصول إلى منصبٍ بأيّ ثمن ولمّا لم تنجح مساعيه في اللاذقيّة ذهب إلى البادية وخالط الأعراب واستطاع أن يؤثر فيهم بعذوبة لسانه وسحر بيانه ولمّا رأى الدعوة القرمطيّة منتشرةً بين أعراب البادية سارع إلى الانضمام إليها بل صار من دعاتها والمبشّرين بمبادئها واشترك معها في عمليّات السلب والنهب وقاد عدّة غزواتٍ على قرى حمص وضواحيها …..والقصيدة التي ساقها محامي الدفاع ما هي إلا صدىً للأفكار القرمطيّة التي استقرّت في فؤاده وعششت في رأسه ،وهاكم بعض الأبيات التي تجاوز ها المحامي إمعاناً منه في إخفاء الحقيقة وتزييف الوقائع يقول:
    لأتركنّ وجوه الخــــــيل ساهمةً والحرب أقوم من ساقٍ على قــــدم
    بكلّ منصـــلتٍ ما زال منتــظري حتّى أدلت له من دولــــــــــة الخــدم
    شيخٍ يرى الصلوات الخمس نافلةً ويستــــحلّ دم الحجاج في الحـرم
    فمن هؤلاء الذين يستهينون بالصلوات الخمس ؟‍‍‍ ‍‍ومن هؤلاء الذين استباحوا دم الحجاج في مكة أليسوا القرامطة ؟فهل هناك دليلٌ أقوى من هذا الدليل ؟وهل هنالك صراحة أوضح من هذه الصراحة ؟
    والأنكى من هذا أنّ الشاعر في قصيدته هذه لايهددملوك العجم فحسب بل يهدد ملوك العرب والعجم في قوله :
    ميعاد كلّ رقيق الشفرتين غداً ومن عصى من ملوك العرب والعجم

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    المتنبي

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 10:00 am

    محامي الدفاع :
    حضرة القاضي ..إنّ ممثل الإتهام بكلامه هذا كمن يحاول حجب نور الشمس بغربال ، فالنزعة القوميّة عند موكلي لا ينكرها إلا جاحد ولا يطعن فيها إلا مكابر وما هذا الحبّ الكبير الذي كان يكنّه موكلي لسيف الدولة الحمداني إلا لأنّه وجد فيه المثال الذي يتطلّع إليه والقائد العربي الشجاع الذي تجمّعت فيه كلّ الخصال العربيّة النبيلة التي كان موكلي يجلّها ويحترمها ،اسمعوا هذه الأبيات على سبيل المثال لا الحصر
    إذا الدولة استكفت به في ملمّــــةٍ كفاها فكان السيف والكفّ والقلبا
    تهاب سيوف الهنــد وهي حدائدٌ فكيف إذا كانت نزاريّةً عـــربا
    ويرهب ناب الليث والليث وحده فكيف إذا كان الليوث له صحــبا
    وحبّ موكلي للعرب والعروبة جعله يحبّ كلّ ما يمتّ إليهم بصلة فهو يعبّر عن إعجابه بالفتيات العربيّات الخلّص بنات الصحراء ويفضّلهنّ على بنات الحضر اللواتي اختلطن بالأعاجم فسرت العجمة في ألسنتهنّ وظهرت في لباسهنّ وزيّهن يقول:
    ما أوجه الحضر المستحسنات به كأوجه البدويّات الرعـــابيب
    حسن الحضارة مجلوب بتطـريةٍ وفي البداوة حسنٌ غير مجلوب
    أفدي ظباء فلاةٍ ما عرفــن بهــا مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
    ومن هوى كلّ من ليست مموّهةً تركت لون مشيبي غير مخضوب
    أزورهم وسواد الليل يشـــفع لـي وأنثني وبياض الصبح يغري بي
    وأمّا ادعاء ممثل الإتهام أن موكلي قد اعتنق مبدأ القرامطة فتهمة باطلة يجب أن يتحمّل مسؤوليّتها ويحاسب عليها لأن من جملة الأسباب التي دفعت الشاعر إلى ترك الكوفة الغارات المتكررة التي كان القرامطة يشنّونها على تلك المدينة ويعيثون فيها فساداً وكيف يقنع عاقل أنّ موكلي كان قرمطيّاً والتاريخ يخبرنا بكلّ صراحةٍ أنّه اشترك في صدّ بعض غارات القرامطة عن المدينة قبل وفاته وقد هجا ضبّة وهو أحد الرجال البارزين في تلك الحركة بقصيدة لاذعةٍ كانت سبباً في هلاك أبي الطيّب فيما بعد
    فهل تطلب المحكمة أدلّةً أخرى أقوى من هذه الأدلة ..وصدق موكلي حين قال :
    وليس يصحّ في الأفهام شيءٌ إذا احتاج النهار إلى دليلِ
    القاضي:
    إنّ التوفيق بين هذه المواقف المتناقضة والأشعار المتعارضة قد يبدو صعباً لأول وهلةٍ ، ولكننا إذا استطعنا أن نربط بين هذه المواقف والأشعار وبين الفترة التي حدثت فيها لسهل علينا الأمر ، وقد أحسن الشاعر صنعاً عندما رتّب ديوانه ترتيباً زمنيّاً يساعد الدارسين على متابعة أفكاره وأشعاره وتطورها من فترةٍ لأخرى فالشاعر في مرحلة الشباب كان ثائراً متمرّداً ناقماً على الحكام طامحاً لبلوغ المناصب ساعياً لتحقيق أهدافه بحدّ السيف وقد وجد نفسه يلتقي مع القرامطة في الثورة على الحكّام فلم يمانع من التعاون معهم بل وجد ذلك ضروريّاً لبلوغ أهدافه وتحقيق أمانيه .لكن هذه الأهداف لا تتطابق دائماً مع أهداف القرامطة ومبادئهم ولذلك عندما أخفق المتنبي في بلوغ غاياته عن طريق العنف وسلك طريق الشعر سرعان ما فضّ الشركة بينه وبين القرامطة بل تحوّل الأتفاق إلى اختلاف وخاصّةً بعد أن صار المتنبي من أصحاب الثروة وأمسى مستهدفاً من القرامطة أصدقاء الأمس ورفاق الدرب في الماضي ..
    ممثل الإتّهام:
    هل نفهم من كلامك يا سيادة القاضي أن المتنبي كان انتهازيّاً ؟ حاول أن يستغلّ ثورة القرامطة لتحقيق مطامع شخصيّة .
    محامي الدفاع :
    إنّ كلام القاضي واضح كضوء الشمس ولا يحتاج لتفسير ٍ أو تأويل وهو يرى أنّ ظروفاً محددةً وأسباباً بعينها جعلته يلتقي مع القرامطة ولمّا تغيرت الظروف وزالت الأسباب مضى كلٌّ في سبيله .
    القاضي:
    في الواقع إنّ البت في مثل هذه الأمور ليس سهلاً ويبقى الباب مفتوحاً لاحتمالاتٍ عديدة ولكنّ انتماء الشاعر للأمة العربيّة وفخره بهذه الانتماء ليس احتمالاً وإنما هو حقيقة واقعة لا يرقى إليها الشكّ ،ولا نريد هنا أن ندخل في متاهات الفصل بين الأهداف الشخصيّة والتطلعات القوميّة نظراً لصعوبة ذلك …..أم لك رأيٌ آخر يا أبا الطيّب.
    الشاعر:
    جزاك الله عنّي كلّ خير يا حضرة القاضي فوالله لكأنّك تقرأ أفكاري وتطّلع على ما في قلبي وتنطق بلساني ..
    القاضي:
    ولكن يا أبا الطيّب ….إنّ المتتبع لأخبارك والمطّلع على أشعارك يلاحظ أنّك بعد خروجك من السجن سرعان ما تخلّيت عن أفكارك وتركت الأهداف التي كنت تسعى لتحقيقها وأخذت تطرق أبواب الملوك تسبغ عليهم من مدائحك المنمقة وتنال أموالاً وهدايا فهل بعت أهدافك وقبضت الثمن ؟
    الشاعر:
    كثيرون هم الذين يتوهّمون أنني تخلّيت عن أهدافي وبعت مبادئي بعد خروجي من السجن ولكنّ الحقيقة غير ذلك فأهدافي لم تتغيّر ولم تتبدّل ولكن الأسلوب الذي اتبعته للوصول إلى تلك الأهداف هو الذي تغيّر فبعد أن كنت أسعى للوصول إلى مآربي بحدّ السيف وجدت صعوبةً في ذلك فأخمدت السيف وامتشقت الشعر وحاولت به التقرّب من بعض الأمراء لعلّي أحصل على ولايةٍ أو منصب مرموق أستطيع من خلاله تكوين نواة دولة طالما حلمت بها

    ممثل الإتّهام:
    كفاك ضلالاً وتضليلاً يا هذا ،ومتى كان الحكام يمنحون الشعراء المناصب والولايات ،ومتى كان الشاعر يحلم بأكثر من حصان يركبه أو برد يلبسه أومالٍ ينفقه على نفسه وعلى عياله، لقد قضيت عمرك كلّه تلهث وراء متاع زائل رخيص ،وأكلت لقمتك مغمّسةً بالذل والهوان وهل هناك أسوأ من هذا الموقف الذي وضعت نفسك فيه فوقفت أمام كافورٍ تستجديه وتستعطفه وتريق ماء وجهك على عتبة بابه والله إنّ المتسوّلين الذين يطوفون على البيوت يسألون الناس إلحافاً لا يرضون لأنفسهم ما رضيته لنفسك ،وكيف يتحرّك لسانك بمثل هذه الأبيات التي تخاطب بها كافوراً:
    أبا المسك أرجو منك نصراً على العدا وآمل عزّاً يخضب البيض بالدّمِ
    فلو لم تكن في مصر ما سرت نحوها بقلب المشوق المستهام المتــيم
    ولا نبـحت خيـلي كلاب قبـــائــلٍ كأنّ بها في الليل حملات ديلم
    فأحسن وجه في الورى وجه محسنٍ وأيمن كفٍّ فيهمُ كفّ منـــعم
    ولو كنت أدري كم حياتي قســمتها وصيّرت ثلثيها انتظارك فاعلم
    رضيت بما ترضى به لي محبّــةً وقدت إليك النفس قود المسلّم
    ومثلك من كان الوسيط فـــؤاده فكلّمته عنّي ولم أتـــــكلّـــــــــــم
    فأين عزّة نفسك التي طالما تبجحت بها ؟.وأين إباؤك وأنت تناجي كافوراً بهذا الكلام المليء بالخنوع والاستهزاء
    محامي الدفاع :
    رويداً يا ممثل الإتهام ….وإن كنت تظنّ أن بإمكانك خداع الناس وتضليل العدالة فقد نبا سيفك وطاش سهمك فكلّ الناس يعرفون أنّ موكلي لم يكن محباً لكافور في يومٍ من الأيام ولكن الظروف قادته إلى مصر وهيّأت له أسباب الرحيل من حلب فوجد نفسه مضطرّاً….
    القاضي: ((مقاطعاً))
    مهلاً يا محامي الدفاع …هل لك أن تعرّف المحكمة على الظروف التي عاشها المتنبي في حلب وعن الأسباب التي دفعته للرحيل ؟

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    المتنبي

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 10:03 am

    محامي الدفاع :
    حضرة القاضي ..كان موكلي كما تعرفون قد ألقى عصا الترحال في حلب ووجد في سيف الدولة المثل الأعلى الذي يبحث عنه والقائد الذي يستحقّ المدح والثناء ،فأخلص له الودّ وخلّد ذكره بأحلى القصائد وبقي طيلة تسع سنواتٍ يتغنّى بأمجاده ويشيد بشمائله وانتصاراته ويصوغ له من عصارة فكره وقلبه أشعارأ قلّما تجود بها قرائح الشعراء ، إنّها كالدرر البديعة والجواهر الثمينة يحار المرء في اختيار الأجمل والأروع منها:
    لكلّ امرئٍ من دهـره ما تعـوّدا وعادات سيف الدولة الطـعن في العدا
    هو البحر غص فيه إذا كان ساكناً على الدرّ .واحذره إذا كان مـــزبــدا
    تظلّ ملـــوك الأرض خاشـــعةً له تفارقه هلكى ..وتلقاه ســـــــجّدا
    وتحيي له المالَ الصــوارم والقــنا ويقتل ما تحيي التبسّم والجــــــــــــــدا
    وصولٌ إلى المستصعبات بخـــــيله فلو كان قرن الشمس ماءً ..لأوردا
    تركت السرى خلفي لمن قل ماله وأنعلت أفراسي بنعماك عســجدا
    وقيّدت نفسي في ذراك محـــبّةً ومن وجد الإحسان قيداً ..تقيّدا
    القاضي:
    حقاً إنّها جميلة ٌ..ولكنني أذكر لك قصيدة رائعة نظمتها في سيف الدولة بعد انتصاره على الروم في معركة الحدث وهي تعدّ بحق ملكة القصائد فهي ملحمةٌ حقيقيّة من ملاحم البطولة التي يتحدّث عنها تاريخ الأدب بكلّ إجلال فهل تذكر لنا بعضاً من أبياتها
    الشاعر:
    سأحاول إلقاء بعض أبياتها وأرجو أن لا تخونني الذاكرة …..
    على قدر أهل العزم تأتي العزائـــمُ وتأتي على قدر الكرام المكارم
    وتعظم في عين الصغــــير صغارهــا وتصغر في عين العظيم العظائم
    أتوك يجرّون الحديــــد كأنّهـــــم سروا بجيادٍ مـــــــــــــا لهنّ قــوائم
    خميس بشرق الأرض والغرب زحفه وفي أذن الجوزاء منـــــــــه زمــازم
    فلله وقــت ذوّب الغـــــشَّ نـــاره فلم يبق إلا صــــــــــارمٌ أوضبارم
    تقطّع ما لا يقطــع الدرع والقــــنا وفرّ من الأبطــــــــــــــال من لا يصادم
    وقفت وما في المــــوت شكٌّ لواقفٍ كأنّك في جفن الردى وهو نائـــــــــــم
    تمرّ بك الأبطال كلــــــمى هزيمةً ووجهك وضّــــــــــــاحٌ وثغرك باســـم
    القاضي:
    أحسنت يا أبا الطيب …((إلى محامي الدفاع)) ولكن كنّا قد طلبنا منك يا محامي الدفاع أن تذكر لنا الأسباب التي دفعت بالمتنبي للرحيل عن حلب فهل نسيت
    محامي الدفاع :
    لا يا حضرة القاضي إنني لم أنس ذلك ، ولكنني آثرت أن أسمع أعضاء المحكمة بعضاً من أشعار موكلي في سيف الدولة لتكونوا على ثقةٍ من أنّ موكلي كان صادقاً في حبّه لسيف الدولة وقد قدّم له أفضل ما يمكن أن يقدّمه شاعر لممدوح وتخلّى في سبيل سيف الدولة عن أهدافه التي طالما حلم بها وقنع بثلاثة آلاف دينار يأخذها في السنة مع بعض الهدايا ،وكان يمكن لحياة الشاعر أن تستقرّ على هذه الحال لولا حسد الحسّاد وكيد الكائدين الذين اوغروا صدر سيف الدولة عليه وكم عبّر عن حبّه الشديد لسيف الدولة راجياً منه أن يفرّق بين من يحبّه ومن يدعي حبّه وان لا يغترّ بالمظاهر وأن يكون ذا بصيرةٍ نافذةٍ تتعدّى القشور إلى الجوهر وتكشف المزيفين حيث يقول
    واحرّ قلـباه ممن قلبــه شبــمُ ومن بجسمي وحالي عنده ســقـمُ
    ماليّ أكتم حبّاً قد برى جسدي وتدّعي حبّ سيف الدولة الأمــم
    يا أعدل الناس إلاّ في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
    أعيذها نظراتٍ منك صاد قـةً أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
    وما انتفاع أخي الدنيا بناظره إذا استوت عنده الأنوار والظـــلم
    لكنّ هذه الصيحات لم تلق أذناً صاغيةً عند الأمير و هذه الرقىلم تنجح في إخراج ما ألقاه السحرة الأشرار في نفس الأمير من نقمة على الشاعر ،وبلغ السيل الزبى عندما جرت مشّادةٌ كلاميّة بين الشاعر وابن خالويه فضرب ابن خالويه رأس المتنبي بمفتاح فشجّه وكان سيف الدولة حاضراً يسمع ويرى فلم يحرّك ساكناً ولم يتلفظ بكلمةٍ واحدة يجبر بها خاطر الشاعر ، فماذا ينتظر الشاعر أكثر من ذلك ، وهل ينتظر أن يطرد من البلاط صراحةً، إذن لم يكن أمامه إلا الرحيل وقد رحل.
    ممثل الإتّهام:
    الحسّاد …الحسّاد ..لا نكاد نقرأ قصيدةً للمتنبي لا يتحدّث فيها عن الحسّاد ولا يستقرّ في مكان إلا ويبرز له فيه حسّاد ..فعلام تحسد يا هذا ؟..وليس عندك من الصفات ما تحسد عليه ألا ترون معي أيها السادة أنّ هذا الرجل ما وجد في مكان إلا خلق المشكلات وأثار العداوات وعكّر صفو الناس ، فهلاّ طرح على نفسه هذا السؤال :لماذا يكرهني الناس ؟..ثم يبحث عن عيوبه لعلّه يكتشفها فيطهّر نفسه منها ،ولكن أنّى له ذلك وقد أعماه الغرور فلم يعد يرى في نفسه إلا المحاسن ولم يعد يرى في الناس إلا العيوب ،ألم تسمعوه منذ قليل ينشد بلسانه هذه الأبيات :
    إن أكن معجباً فعجب عجيب لم يجد فوق نفسه من مزيدِ
    أنا ترب الندى.. وربّ القوافي وسمام العدا ..وغيظ الحسود
    أنا في أمّةٍ تداركـــــــــــــــــــها الله غريبٌ ..كصــــــــــالحٍ في ثمـــــود
    ولعلّكم تذكرون أبياتاً أخرى تجاوز فيها المتنبي كلّ حدٍّ وأتعب كلّ من يحاول الدفاع عنه اسمعوه يقول:
    أيّ محلٍّ أرتقي أيّ عظيمٍ أتّقي
    وكلُّ ما قد خلق اللـــــــــــــــــــــــــــــــه وما لم يخلــقِ
    محتقرٌ في همّتي كشعرةٍ في مفرقي
    القاضي:
    ويحك ياهذا …ومن أنت حتّى تقول هذا الكلام …هل خلقك الله من طينةٍ أخرى غير طينة البشر…. وكلّ ما قد خلق الله وما لم يخلق
    محتقرٌ في ناظري كشعرةٍ في مفرقي
    ألا تخجل من نفسك ومن ربّك يا رجل؟.


    محامي الدفاع :
    على رسلك يا حضرة القاضي …إنّ هذه الأبيات قالها الشاعر في طور الحداثة ،ولم يعد معنيّاً بمضمونها وإن بقيت في ديوانه.
    ممثل الإتّهام:
    لا أيها السادة…غير صحيح ما يقوله محامي الدفاع فمن شبّ على شيءٍ شاب عليه ،وهذاالمثل ينطبق على المتنبي تماماً فقد قضى حياته مغروراً متعجرفاً بعيداً عن اللباقة والكياسة وكثيراً ما كان ينشد سيف الدولة بعض قصائده فيمدح الأمير ببضعة أبيات ثم ينتقل للحديث عن نفسه فيتباهى ويتفاخر مسبباً للأمير كثيراً من الإحراج أمام الحاضرين وقد كان يوماً ينشد إحدى قصائده فيقول سيعلم الجمع ممن ضمّ مجلسنا بأنني خير من تسعى به قــدم
    أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم
    أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جرّاها ويختصم
    الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم
    ولمّا وصل إلى هذا البيت قال له أحد الحاضرين :وماذا تركت للأمير ؟ وهنا نفد صبر الأمير وحمل دواةً كانت أمامه فضرب بها المتنبي معبّراً بذلك عن استيائه وشدّة غضبه وضيقه لهذه العظمة الفارغة

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    المتنبي

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 10:04 am

    محامي الدفاع :
    نعم أيها السادة لقد قال موكلي هذه الأبيات وكان جديراً به أن يقولها لأن هذه القصيدة كانت عتاباً لسيف الدولة قبل أن تكون مديحاً له نظمها الشاعر بعد أن وصلت العلاقة بينهما إلى نقطة اللاعودة ،فقد اتسعت شقّة الخلاف واتسع الخرق على الراتق كما يقولون وبات الرحيل وشيكاً ،فَلِمَ لا ينفض الشاعر جرابه ولم لا يرمي كلّ ما في جعبته من سهام وكيف يستطيع البقاء في حلب وقد أمست حياته في خطر حتّى أنه تعرّض لمحاولة اغتيال من قبل غلمان أبي العشائر الحمداني ، فهل يعدّ الشاعر مذنباً بعد كلّ هذا ، وهل يستطيع أحدٌ أن يلومه على الرحيل


    ممثل الإتّهام:
    قد لا يستطيع أحد أن يلومه على الرحيل فمن حقّه أن يرحل متى شاء ولكن لماذا اختار مصر بالذات ألأنّ فيها كافوراً عدوّ سيف الدولة ؟ فهو يريد إذن أن يغيظ سيف الدولة بمدحه لكافور :
    أبا المسك ذا الوجه الذي كنت تائقاً إليه وذا اليوم الذي كنت راجيا
    أبا كلّ طيبٍ لا أبا المسك وحده وكلّ سحابٍ لا أخصّ الغـــواديا يدلّ بمعنى واحـــد كلّ فاخــــــرٍ وقد جمع الرحمن فيك المعانيـــــا
    وما كنتَ ممن أدرك الملك بالمـــنى ولكن بأيــــــامٍ أشبن النــواصــيا
    أهكذا وبين عشيّةٍ وضحاها تنقلب من صديقٍ حميمٍ إلى عدوٍ لدود؟ أهكذا بين يومٍ وليلةٍ تنسى الخبز والملح وتتناسى كلّ النعم التي أسبغها عليك ؟ وكلّ الهدايا التي أزجاها لك .أهكذا وبكلّ بساطة تتنكّر لأصدقائك القدامى وتفتح قلبك لساكّنٍ جديد؟.

    محامي الدفاع:
    ومن قال لك أن موكلي قد تنكر لسيف الدولة وأدار له ظهر المجن ؟ لقد بفي أبو الطيب وفياً لسيف الدولة محباً له حتى القصائد التي مدح بها كافور لا تخلو من زفرات كان يطلقها من أعماق قلبه تعبر عن حبه لسيف الدولة وحزنه على فراقه ، وإن كنا نلمس فيها بعض اللوم فإنما هو لوم الحبيب وعتب الصديق ، استمعوا لهذه الأبيات التي هي مطلع قصيدة يمدح فيها كافوراً:\
    كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
    حببتُكَ قلبي قبل حبّك من نأى وقد كان غدّاراً فكن أنت وافيا
    وأعلم أن البين يشكيك بعده فلست فؤادي إن رأيتك شاكيا
    فإن دموع العين غدرٌ بربها إذا كنّ إثر الغادرين جواريا
    أقلّ اشتياقاً أيّها القلب ربّما رأيتك تصفي الود من ليس صافيا
    خلقت ألوفاً لو رجعت إلى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
    وهاهو يعترف أيضاً بأن حبّه لسيف الدولة قد حطّم كل أسلحته وجعله عاجزاً عن مواجهته والرد على الإساءة بمثلها حيث يقول في مطلع قصيدة يمدح فيها كافوراً:
    فلو كان ما بي من حبيب مقنّع عذرت ولكن من حبيب معمّم













    رمى واتقى رميي ومن دون ما اتقى هوىً كاسر كفّي وقوسي وأسهمي أمّا لماذا اختار مصر بالذات فلأنّ كافوراً قد أغراه بذلك فلقد استغلّ موقف موكلي الحرج بعد تركه حلب وأرسل له كتاباً يدعوه فيه إلى مصر وأوهمه بأنّه سيلبي له رغباته فذهب إلىمصر يحدوه الأمل بأنّه سينال هناك ما يغيظ حسّاده وشانئيه ، فدوافع مدح موكلي لكافور معروفة فهو يطمح أن يعيّنه والياً على إحدى الولايات أو قائداً على فرقة من فرق جيشه ، وقد لمّح لكافورٍ بذلك في أكثر من قصيدة :
    إذا كسب الناس المعــالي بالنــدى فإنك تعطي في نداك المعاليـا
    وغير كثـــــيرٍ أن يـزورك راجــلٌ فيرجع ملــــــكاً للعراقين واليـــــــــــــــا
    فقد تهب الجيش الذي جاء غازيأ لسائلك الفرد الذي جاء عافيا
    ولكنّ كافوراً أصمّ أذنيه ولم يلبِ له هذه الرغبة وظلّ يداوره ويماطله ويجعله معلّقاً بين اليأس والرجاء ،ولمّا أيقن أبو الطيّب أنّ كافوراً يخادعه ويخاتله ويريد أن يأكله لحماً ويرميه عظماً قرر الرحيل لكنّ كافوراً لم يسمح له بالرحيل خوفاً من هجائه المرّ فاغتنم موكلي فرصة انشغال الناس بعيد الأضحى وهرب مع بعض غلمانه وترك لكافور قصيدة في الهجاء أخزته إلى الأبد
    القاضي:
    أسمعنا بعض أبياتها يا أبا الطيّب .
    الشاعر:
    الله يعلم أنني لا أحبّ الهجاء وقد استُغضبت كثيراً في حياتي وكنت غالباًما أكظم غيظي وأؤثر الصمت وقليلاً ما كنت أثور وأرد على النار بالمثل وقد حاول كثير من الشعراء استجراري الىمعارك في الهجاء فلم يفلحوا لكنّ هذا الكافور خيّب آمالي وأحرق مهجتي فقد كان ماكراً كالثعلب استطاع أن يأخذ منّي ما يريد ثم رماني رمي النواة ،لقد ملأ قلبي قيحاً وشحن صدري غيظاً ولو لم أخرج هذه الحمم من صدري لقتلتني ..وهاكم بعض ما قلت فبه:
    عـــيد بأيّة حالٍ عـدت يا عيدُ بما مضى أم لأمر فيك تجديد ُ
    أمّا الأحبّة فالبيـــــداء دونهم فليت دونك بيداً دونــها بيــدُ
    يا ساقييّ أخمــرٌ في كؤوســكما أم في كؤوسكما هــمٌّ وتســهيد
    أصخرةٌ أنا مالــي لا تحـــرّكني هذي المدام ولا هذي الأغاريد
    إني نزلت بكـــــذّابين ضيـفهمُ عن القرى وعن الترحال محدود
    جود الرجال من الأيدي وجودهمُ من اللسان فلا كانوا ولا الجود
    من علّم الأسود المخصــيّ مكرمةً أقومه البيض أم آباؤه الســود
    أم أذنه في يد النخاس دامـــيـةً أم قدره وهو بالفلسين مردود
    لا تشتر العبد إلا والعـــصا معه إنّ العبيد لأنجاسٌ مناكيد
    القاضي:
    لله درّك يا أبا الطيّب ما أسلط لسانك وما أمرّ هجاءك !
    ممثل الإتّهام:
    حضرة القاضي ..إنني لا أريد أن أدافع عن كافور ،ولكنّها كلمةٌ للحقّ تقال ، لقد أعطى هذا الرجل المتنبي كلّ مايطمح إليه شاعرٌ من أمير لكنّ المتنبي رفض أن يعترف بحقيقةٍ لا سبيل إلى إنكارها وهي أنّه شاعرٌ مدّاح لا أكثر وهو لم يعطِ كافوراً أكثر مما أعطاه لغيره فلمَ يمنُّ على كافورٍ بمدحه وقد مدح ما هبّ ودبّ ممن يستحقّون المدح وممن لا يستحقّون فها هو يمدح عضد الدولة فيجعله فريد عصره وسلطان زمانه ويدّعي أن حبّه قد ملأ قلبه حتّى لم يعد فيه مكانٌ لأحدٍ سواه …
    مسكينٌ قلب هذا المتنبي كم يضيق وكم يتّسع :
    فدىً لك من يقصّر عن مداكا فلا ملكٌ إذن إلا فداكا
    أروح وقد ختمت على فؤادي بحبّك أن يحلّ به سواكا
    وقد حمّلـــــتني شكراً طويلاً ثقيلاً لا أطيق به حراكا
    فلو أنّي استطعت خفضت طرفي فلم أبصر به حتّى أراكا
    وكيف الصبر عنك وقد كفاني نداك المستفيض وما كفاكا
    أيكفيكم هذا المثال ؟ أم أسوق لكم أمثلةً أخرى فديوان الشاعر يعجّ بقصائد المديح وهو يريد أن يفهمنا أنّه يترفّع عن مدح من لا يستحقّون المدح ،بربّكم ماذا ترك هذا الشاعر العظيم لأهل زمانه وللأجيال المتعاقبة غير هذا الكلام الفارغ والمدح الزائف ..ثمّ أريد أن أسأل محامي الدفاع : أين كانت نخوة المتنبي العربيّة وعزّته القوميّة عندما كان يمرّغ خدّه على عتبات هؤلاء الأعاجم أمثال ابن العميد وعضدالدولة وغيرهم وغيرهم؟…!
    محامي الدفاع :
    وماذا تريد من شاعر كان يعيش في القرن الرابع الهجري ؟!.أتريد منه أن يتحدّث لك عن القوميّة العربيّة ومقوّماتها ؟أم تريد منه أن يندد بالأستعمار وأذناب الأستعمار ؟!إن دواوين الشعراء القدامى مليئةٌ بقصائد المديح فلمَ يلام موكلي دون سواه ؟!ألايكفيه ما تحمّله في حياته من عناء وما تعرّض له من محنٍ وعلى الرغم من صلابة نفسه وقوّة احتماله فقد أبت نفثات الألم إلاّ أن تظهر كما في قوله :
    رماني الدهر بالأرزاء حتّى فؤادي في غشاءٍ من نبالِ
    فصرّت إذا أصابتني سهامٌ تكسّرت النصال على النصال
    أوفي قوله :
    لحى الله ذي الدنيا مناخاً لراكبٍ فكلّ بعيد الهمّ فيها معذّبُ
    ألا ليت شعري هل أقول قصيدةً فلا أشتكي منها ولا أتعتب
    لقد دفع الرجل حياته ثمناً لمبادئه وكلماته ،وقتله فاتك الأسدي ومعه مجموعة من المرتزقة وقطّاع الطرق وترك جثّته وجثة ابنه وما تناثر من اشعاره في العراء في دير العاقول قرب بغداد ولم يتحرّك أحدٌ للاقتصاص من القتلة فذهب دمه هدراً

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    المتنبي

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 10:06 am

    القاضي:
    وهل عندك من يشهد على هذه الوقائع ؟
    محامي الدفاع :
    أجل عندي شاهد يشهد بذلك هو أبو نصرٍ محمّد الجُبُلّي.وفد أعدّ شهادته موثّقةً فتفَضل وأقرأها ياحضرة القاضي واجعلها من وثائق الدعوى
    القاضي:
    يقول أبو نصر : مرّ بي فاتك الأسدي ومعه جماعة من رفاقه وأقاربه وكانوا من شرار الناس وقطّاع الطرق وكان يتتبع أخبار المتنبي ويقول والله لإن اكتحلت عيناي برؤيته لأسفكن دمه ، فحاولت نهيه عن ذلك فلم ينته ،وبعد أيّامٌ مرّ بي أبو الطيّب ومعه ابنه وبعض غلمانه فحذّرته من فاتك ونصحته باصطحاب بعض الرجال لحمايته فرفض ذلك وقال :أنا لا أسير إلا في خفارة سيفي ثم قال: أمن عبيد العصا تخاف علي والله لو أنّ مخصرتي هذه ملقاة على شاطئ الفرات وبنو أسد معطّشون لخمس ما جسر لهم خف ولا ظلف أن يرده ، معاذ الله أن أشغل فكري بهم طرفة عين فقلت له : قل إن شاء الله فقال : هي كلمة مقولة لا تدفع مقضيّا ولا تستجلب آتيا ،ثمّ ركب فكان آخر العهد به …ولمّا بلغني نبأ مقتله أرسلت من دفنه ودفن ابنه وغلامه
    محامي الدفاع :
    هكذا وبكلّ استخفافٍ بالقيم واستهانةٍ بالأرواح يقتل إنسان شاعر بريء ويسرح القتلة ويمرحون دون أن تطالهم يد العدالة ومع كلّ ذلك لم ينج من لوم اللوام وعتب العاتبين.
    القاضي:
    لا أريد أن تتحكّم فينا عواطفنا وتتغلّب علينا مشاعرنا فنتخلّى عن العقل والمنطق وننحرف عن المنهج العلمي السليم ،أريد أن أعقّب على هجوم ممثل الاتهام العنيف على الشاعر بسبب كثرة قصائد المديح في ديوانه ،فأنا لا ألوم الشاعر على المدح لأنّ المدح قدر شعرائنا في الماضي وليس التخلّي عنه سهلاً كما قد نتصوّر ،وهنا تكمن مأساة شاعرنا العربيّ بل مأساة كلّ أديبٍ أكل من خبز السلطان وتفيّأ بظلّ الحكّام،لكنّ ما يحيّرني ويثير انتباهي كثرة الشكوى في شعر المتنبي وذمّ الدنيا وإساءة الظنّ بالناس فما الداعي إلى ذلك يا أبا الطيّب ؟.
    الشاعر:
    كيف الرجاء من الخطوب تخلّصــاً من بعد ما أنشبن فيّ مخالــبــــــــا
    ونصبنني غـــرض الرماة تصـيبني محنٌ أحدّ من السيوف مضاربا
    أظمتنيَ الدنيا فلمّا جئتهــــــــــــــــا مستسقياً ..مطرت عليَّ مصائبا
    حضرة القاضي …
    لقد دخلت معترك الحياة يافعاً وضربت في البلدان شرقاً ومغرباً فلم أجنِ من الدنيا إلا المصائب ولم أذق بكأسها إلا الصاب والحنظل وتعرّفت على الناس أبيضهم وأسودهم فلم تزدني هذه المعرفة إلا بعداً ورأيت خلف الشفاه الباسمة أنياباً جارحةً ووراء الألسنة العذبة قلوباً حاقدةً فمن كان له ظفرٌ خمش ومن كان له نابٌ نهش
    والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفّةٍ فلعلّةٍ لا يظلمِ
    ممثل الإتّهام:
    حضرة القاضي ..إنها لعقليّة غريبة وفلسفة عجيبة ، رجل لا يحبّ إلا نفسه يقبل على الدنيا بكلّ نهمٍ ويجري في حلباتها المختلفة حتّى إذا أدركه التعب وأخفق في تحقيق مآربه منها بدأ يذمّ الناس ويلعن الزمان
    أذمّ إلى أهل الزمان أهيله فأعلمهم فدمٌ وأحزمهم وغدُ
    وأكرمهم كلبٌ وأبصرهم عمٍ وأسهدهم فهدٌ وأشجعهم قرد
    ويقول في موضع آخر
    ومن عرف الأيام معرفتي بها وبالناس روّى رمحه غير راحم
    فليس بمرحومٍ إذا ظــفروا به ولا في الردى الجاري عليهم بآثم
    تذمّ الناس وأنت أولى بالذمّ ،وتشكو الزمان ولو كان للزمان لسان لاستجارمنك
    محامي الدفاع :
    حضرة القاضي ..إنّ ممثل الاتهام يخرج عن أصول المحاكمات ويستمرّ في توجيه العبارات اللاذعة لموكلي مع أنّ موكلي لم يفعل ما يلام عليه فالشكوى من الزمان والشعور بالغربة ظاهرة يكاد يشترك فيها المفكّرون الكبار وأصحاب العقول الراجحة لأنّ خبرتهم في الحياة وتعرّفهم على طبائع الناس تجعلهم مبتعدين عنهم ،وموكلي كان يعيش في زمانٍ فسدت فيه طبائع البشر وانحطّت أخلاقهم ،فهو يصوّر لنا بأشعاره ما آل إليه حال المجتمع في عصره أكثر مما يصوّر وجهة نظرٍ فرديّةٍ صادرةٍ عن تجربةٍ شخصيّة يقول:
    ولمّا صار ودّ الناس خـــبّاً جزيت على ابتسامٍ بابتسامِ
    وصرت أشكّ فيمن أصطفيه لعلمي أنــه بعض الأنـا م
    يحبّ العاقلون على التصافي وحبّ الجاهلين على الوسام
    وآنف من أخي لأبي وأمّي إذا ما لم أجــده من الكـرام
    ففي هذه الأبيات وأمثالها ذمّ للطبائع التي فسدت ودعوة للخلق الرفيع والخصال الكريمة.

    ممثل الاتّهام:
    تقول فسدت الطبائع ..وطبيعة موكلك ظلّت سليمةً معافاة أليس كذلك ؟
    رحم الله من قال L(رمتني بدائها وانسلّت ))…طالما أنّ موكلك منزّه عن الصغائر متمسّك بكلّ معاني النبل والعفّة فكيف تعلل جشعه العجيب وبخله الشديد الذي جعله أضحوكة أهل زمانه ؟وصدق من قال:
    وإنّ أحقّ الناس باللوم شاعرٌ يلوم على البخل الرجال ويبخل
    القاضي:
    أصحيح ما يقوله ممثل الأتهام يا أبا الطيّب ؟وكيف ذاك وأنت القائل :
    ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافة فقرٍ فالذي فعل الفقر

    الشاعر:
    حضرة القاضي ..لا يحتاج عاقل إلى قدر كبير من الذكاء ليثبت قيمة المال في الحياة ،واحترام الناس للغني وازدراؤهم للفقير حقيقة واقعة مهما حاولنا التخفبف من وطأتها وأنا أرى المجد والمال توأمين … فلا مجد في الدنيا لمن قلّ مالهُ ولا مال في الدنيا لمن قلّ مجدهُ
    ممثل الإتّهام:
    وهل يبيح لك حبّك للمال أن تقتل عبداً من عبيدك من أجل سيفٍ أو حصان؟ وأيّ دينٍ وأيّ قانونٍ أباح لك أن تسفك دم إنسان بريْ وبأيّ وجه تقابل ربّك يوم القيامة ؟ ولكن يبدو أنّك لم تقم للآخرة وزناً ولم تحسب ليوم القيامة حسابا وأغلب الظنّ أنّ إيمانك بذلك اليوم كان ضعيفاً فكرّست كلّ طاقاتك لجمع المال وجعلّت الدنيا أكبر همّك ومبلغ علمك .


    الشاعر:
    لا….لقد طفح الكيل وأمسى السكوت على هذه الإهانات ضرباً من الجبن والخوف وإن لم تتدخّل المحكمة لوضع حدٍّ لافتراءات هذا الرجل فسيكون لي معه شأنٌ آخر
    القاضي:
    لا تغضب يا أبا الطيّب ..وليكن صدرك رحيباً لتقبّل الحلوة والمرّة ،فليس من عادة محكمتنا أن تشيد بالمحاسن وتغضّ الطرف عن العيوب وللحق نقول :إننا لم نجد في أشعارك صدىً لعقيدتك الإسلاميّة ولكننا لانستطيع أن ندينك لأنّ الإدانة في هذه الأمور من اختصاص محكمةٍ أخرى حاكمها ربّ العالمين لأنه وحده العليم ببواطن الأمور وما تخفي الصدور .
    والآن دعونا من الآخرة لئلا نصبح كلّنا متّهمين ولنرجع إلى الدنيا التي وهبها الشاعر كلّ طاقاته ومنحها كلّ امكاناته وأضاع في دروبها سنين حياته ثم اعترف في النهاية بأنه لم يجن من تعبه شيئاًوكان كمن يجري وراء سراب .فكأنّ الشاعر يعترف بأنّ الأسلوب الآخر الذي اتبعه لتحقيق أهدافه قد فشل أيضاً وللمحكمة هنا أن تسأل الشاعر : إلامَ يعزو ذلك الفشل ؟.
    الشاعر:
    أعزو ذلك إلى قلّة حظي وسوء طالعي وتعاون الأيام والأعداء عليّ

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    المتنبي

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 10:08 am

    محامي الدفاع :
    حضرة القاضي …إنّ موكلي لم يخفق وإنما نجح كلّ النجاح ، فهو إن لم يتربّع على عرش مقاطعةٍ أو ولاية فقد تربّع على عرش الأدب بدون منازع فقد يمتطي صهوة الحكم صلحاء ووضعاء ،أحرار وعبيد ،أمّا صهوة الفكر والأدب فلا يمتطيها إلا العباقرة الأفذاذ وموكلي منهم فقد استطاع أن يختصر الحياة في ديوانٍ نجد فيه الحكمة البليغة والمثل السائر والرأي السديد ، لقد عاش موكلي الحياة بكلّ صنوفها وشرب من كؤوسها الحلوة والمرّة ولبس ثيابها الخشنة والناعمة وخالط الناس أشكالاً وألواناً وصاغ لنا من تجاربه حكماً بليغةً معقودةً في أجمل الألفاظ وأرشق العبارات فلا يخطر ببالنا معنىً أو تمرّ بخاطرنا فكرة إلا وجدناها عند المتنبي وقد ألبسها أبهى الحلل واختار لها أعذب الألفاظ .اسمعوا هذه الحكم واختاروا بأنفسكم :
    إذا رأيت نيوب الليث بارزةً فلا تظنن أنّ الليث يبتسم
    ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه
    تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
    إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت الكريم تمرّدا
    وإذا أتتك مذمتي من ناقـــصٍ فهي الشهادة لي بأني كاملُ
    عش عزيزاً أو مت وأنت كريمٌ بين طعن القنا وخفق البنود
    إذا كنت ذا رأيٍ فكن ذا عزيمةٍ فإنّ فساد الرأي أن تترددا
    ذو العقل يشقى في النعيم بعقله واخو الجهالة في الشقاوة ينعم



    ممثل الإتّهام:
    وهل تستحقّ هذه الأبيات كلّ هذا المدح والثناء ، إنّ كثيراً من هذه الحكم مأخوذٌ من حكماء اليونان وخاصّة أرسطو فإذا قال أرسطو ((موت النفس حياتها وعدمها وجودها )) قال المتنبي
    كأنك بالفقر تبغي الغنى وبالموت في الحرب تبغي الخلودا
    وإذا قال أرسطو L(النفس الذليلة لا تجد ألم الهوان ))قال المتنبي:
    من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرحٍ بميّت إيلام
    وما تبقّى من حكمه مجرّد وجهات نظر قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة ،وقد نوافقه على بعضها وقد لا نوافقه ، بل لا يعدو بعضها أن يكون مقدّمات غريبةً أدّت إلى نتائج عجيبةٍ ومفاهيم معكوسةٍ ولا يمكننا أن نفهم من هذا البيت :
    ذو العقل يشقى في النعيم بعقله واخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ
    سوى أنّ العقل سببٌ لشقاء الإنسان والجهل سببٌ في سعادته فمرحباً بالشقاء إذا كان مصدره العقل ومبارك عليكم سعادتكم إن كان مصدرها الجهل .
    محامي الدفاع :
    وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً وعلته من الفهم السقيمُ
    ولكن تأخذ الآذان منــه على قدر القرائح والعلوم
    رحمك الله يا أبا الطيّب فكأنّك كنت تعلم أنّه سيأتي في آخر الزمان رجل كممثل الاتهام هذا يعيب كلامك فهيأت له الجواب ……إنني أيها السادة أخجل أن أبين لكم ما يقصده موكلي في هذا البيت لأنّ في ذلك أستهانة بعقولكم وأعتقد أنّ ممثل الاتهام يعرف ماذا يعني موكلي ،ولكنّه يكابر ويعاند
    أمّا عن تأثره بفلاسفة اليونان فقد ذكر موكلي منذ البداية أنّه اطّلع على ثقافات عصره كلّها وظهر في شعره صدى لتلك الثقافات جميعها وليست الثقافة اليونانيّة وحدها والفكرة النيّرة يجب أن تنتشر وتتردد على الألسنة أيّاً كان مصدرها وأفضل وسيلةٍ لتخليد الأفكار صياغتها في أبيات شعريّةٍ بليغة تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل ولو تعمّد موكلي أن يفعل ذلك لما عدّ مخطئاً فما بالك أنّه لم يتعمّد ذلك وكلّ ما وقع في شعره من ذلك لا يعدو أن يكون تطابقاً في وجهات النظر أو توارد خواطر لا أكثر
    أيّها السادة :إنّ هذه الأفكار التي توصّل إليها موكلي كانت خلاصة تجاربه وثمرة أفكاره ونواة فلسفةٍ عمليّةٍ وضع أسسها وأركانها
    ممثل الإتّهام:
    لا تلفظ كلمة فلسفه مطلقاً فالفلسفة ليست مجموعة من الأفكار تتلوّن حسب الظروف وتتبدّل من بيئة لأخرى .إنّ الفلسفة منهج في التفكير يهدف الى فهم الحياة وتفسير ظواهرها المختلفة وسبر أغوارها والبحث عن سرّ الوجود ومعنى الخلود والمتنبي بعيد عن كلّ ذلك .
    محامي الدفاع :
    إن الفلسفة ليست حكراً على أحد فكلّ إنسان أوتي عقلاً راجحاً وبصيرة نافذة ً نستطيع أن نعّده فيلسوفاً بشكلٍ أو بآخر وفلسفة المتنبي تدعو الى القوّة والنزوع إلى الكمال ,وتؤمن بقدرة الإنسان علىبلوغ الغايات وتحقيق الأهداف إذا امتلك الإرادة الصلبة والعزيمة القويّة يقول:
    إذا غامرت في شرفٍ مرومٍ فلا تقنع بما دون النجوم
    فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ كطعم الموت في أمرٍ عظيم
    ويقول متعجّباً من أولئك المتقاعسين المتخاذلين الذين هيأت لهم الحياة كلّ أسباب النجاح فقعدوا عن المضيّ قدماً إلى الأمام
    عجبت لمن له حــدٌّ وقـــدٌّ وينبو نبوة القضب الكهام
    ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام
    ممثل الإتّهام:
    حضرة القاضي …وهل يمكننا أن نسمّي هذه الآراء المتفرّقة والعبارات المقتضبة فلسفةً ؟.إنني أرى الفلسفة أكبر من ذلك بل أعتقد أننا نظلم الفلسفة إذا عددنا ما سمعناه فلسفةً وعددنا صاحبه فيلسوفاً
    القاضي:
    أجل نستطيع أن نسمّيها فلسفةً من باب التوسّع ، وإذا كان للسياسة فلسفة وللأقتصاد فلسفة ففلسفة المتنبي هي فلسفة القوّة،لقد نظر أبو الطيّب إلى الحياة فرآها ميدان كفاحٍ والغلبة فيها للأقوى وعلى الإنسان أن يكون الأسد الفاتك وليس الحمل الوديع ،لكنّ عقيدة المتنبي هذه تعرّضت لامتحاناتٍ صعبةً وواجهت تحدياتٍ صلبةً فتعرّض للفشل تلو الفشل فاصطبغت فلسفته بالتشاؤم وغلّفت بالسواد ،ولذلك بقيت آراؤه مسندةً إليه ولم تشكّل مذهباً فلسفيّاله صداه في عالم الفكر قديماً وحديثاً .
    محامي الدفاع :
    حضرة القاضي ..
    القاضي:
    دعونا من هذا الجدل العقيم والحوار الذي لا يفضي إلى نتيجة ،ولنختر حديثاً آخر تطرب له الأذن ويرتاح له الفؤاد فافتحوا لنا باب الغزل ،فهل لك يا أبا الطيّب أن تحدّثنا عن غراميّاتك فللحب عند الشعراء طعمٌ آخر..
    الشاعر:
    لقد شغلّت عن النساء بطلب المعالي وانصرفت عن ارتشاف كؤؤس الخمرة وملاعبة الحسان إلى ارتشاف كؤوس المجد وملاعبة الأسنّة والرماح
    وإنّي لنجمٌ تهتدي صحبتي به إذا حال من دون النجوم سحابُ
    وللسرّ مــنّي موضع لا ينــــاله نديمٌ ولا يفضي إليه شراب
    وللخود منّي ساعة ثم بينــــنا فلاةٌ إلى غير اللقاء تجاب
    وغير فؤادي للغـــواني رمـــيّةٌ وغير بناني للزجاج ركاب
    وما العشــــق إلا غــرّةٌ وطماعةٌ يعرّض قلبٌ نفسه فيصاب
    تركنا لأطراف القنا كلّ شهوةٍ فليس لنا إلاّ بهنّ لعاب
    أعزّ مكانٍ في الدنى سرج سابحٍ وخير جليسٍ في الأنام كتاب ُ

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    المتنبي

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 10:10 am

    ممثل الإتّهام:
    حضرة القاضي .. وهل يستطيع هذا الرجل المتعجرف أن يكتب الغزل الرقيق ،إنّ الغزل أيها السادة تعبير عن رقّة القلب وشفافيّة الروح وسماحة الخلق ، وأين المتنبي من هذا كلّه ؟ إنّه قاسي القلب خشن الطباع ثقيل الظلّ سليط اللسان ، ومن يبحث في شعره عن الغزل الرقيق كمن يبحث في النار الملتهبة عن الماء العذب استمعوا إلى هذه الأبيات التي افتتح بها إحدى قصائده ثمّ احكموا بأنفسكم:
    أوهِ بديلٌ من قولتي واها لمن نأت والبديل ذكراها
    أوهِ لمن لا أرى محاسنها وأصل واهاً وأوهِ مرآها
    شآميّةٌ طالما خلوت بهـا تبصر في ناظري محيّاها
    فقبّلت ناظري تغالطني وإنما قبّـــلت به فـــــــاها
    فليتها لا تزال آويــــةً وليتـــه لا يزال مــــــأواها
    تبلّ خدّي كلّما ابتسمت من مطرٍ برقهُ ثنـــاياها
    هل يستطيع أحدٌ غير المتنبي أن يأتي بمثل هذا الغزل البارد المتكلّف ؟.ثمّ ماذا يقصد في البيت الأخير : تبلّ خدّي كلّما ابتسمت من مطرٍ برقهُ ثناياها
    أنا لا أفهم من هذا البيت سوى أنّها عندما تتكلّم يتطاير الرذاذ من فمها فيبلّ وجهه فقبّحه الله وقبّح حبيبته تلك
    محامي الدفاع :
    لا يا حضرة القاضي …إنني أحتجّ على هذه الإهانات التي يوجهها ممثل الاتهام إلى موكلي ، فما يقوله طعنٌ وتجريح ،وليعلم الجميع أنّ رفع الصوت بالسبّ والشتيمة هو سلاح الضعفاء وقد ذكر موكلي منذ البداية أنّه ليس من طلاّب النساء و إنما هو من طلاّب المعالي وكان لا يخفي تبرّمه بعادة الوقوف على الأطلال وافتتاح القصائد بالغزل حيث يقول :
    إذا قيل مدح فالنسيب مقدّم أكلّ لبيبٍ قال شعراً متيّمُ
    وحريٌ بنا أن نربّي أبناءنا على المثل التي حملها أبو الطيّب ونجعلهم يتسلّحون بالعزيمة التي تسلّح بها ويؤمنون بالمبادئ التي آمن بها بدلاً من الجري وراء الشهوات واللذات وإضاعة الوقت بالكلام الفارغ .فهل نربّي أبناءنا على شعر الغزل واللهو والمجون ونباعد بينهم وبين أشعارأبي الطيّب التي تشعّ من منذ أكثر من ألف عام :
    أطاعن خيلاً من فوارسها الدهـــرُوحيداً وما قولي كذا ومعي الصبرُ
    وأشجع منّي كلّ يــومٍ سلامـــتي وما ثبتت إلاّ وفي نفسها أمر
    تمرّست بالآفات حتّى تركتــــها تقول أمات الموت أم ذعر الذعر
    ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها فمفترقٌ جاران دارهما العمر
    ولا تحسبنّ المجـــد زقًّا وقــينةً فما المجد إلا السيف والفتكة البكر
    وتضريب أعناق الملوك وأن ترى لك الهبوات السود والعسكر المجر
    وتركك في الدنيا دويّـــاً كأــنما تداول سمع المرء أنمله العشر
    فهل هذا الكلام أفضل لنا ولشبابنا أم ما يقوله مجانين بني عامر إن أرضنا محتلّة وحرماتنا منتهكة وأعداؤنا يعبثون بمقدّساتنا ويعملون على إذلالنا وإركاعنا ونحن في أمسّ الحاجة اليوم إلى الهمم العالية والعزائم القويّة والزنود المفتولة ،إننا اليوم بحاجةٍ إلى شبّان أشدّاء وفتيان أقوياء ولسنا بحاجةٍ إلى شبابٍ إذا أحبّوا جنّوا وإذا عشقوا ماتوا……..وأنا لا أقول هذا الكلام لأسوّغ عدم اهتمام موكلي بشعر الغزل فلموكلي غزليّاتٌ تتقاصر أمامها أعناق الشعراء الغزليين.
    لعينــيك ما يلقى الفـــؤاد وما لــقي وللحبّ ما لم يبق منّي وما بقي
    وما كنت ممن يدخل العشــق قلــبه ولكنّ من يبصر جفونك يعشقِ
    وبين الرضى والسخط والقرب والنوى مجالٌ لدمع المــقـــلة المترقرق
    أمّا البيت الذي وقف عنده ممثل الاتهام
    تبلّ خدّي كلما ابتسمت من مطرٍ برقه ثناياها
    فالشاعر يقصد أنّها عندما تبتسم تنهمر دموعه فتبلّ خدّيه ، ولم يقصد ذلك المعنى الذي توهّمه ممثل الاتهام ، فما ذنب موكلي إذا لم يفهم ممثل الاتهام كلامه وصدق أبو الطيّب حين قال :
    ومن البليّة عذل من لا يرعوي عن غيّه ، وخطاب من لا يفهم
    القاضي:
    في الواقع إنّ النفس لتوّاقةٌ لسماع شعر الغزل ،وقد خلّف لنا الشعراء الغزلون قصائد رائعةً تدغدغ المشاعر وتعبث بالقلوب وتفتح كوّةً علىحياتنا المظلمة فتملؤها بالضياء ولكننا لا نلوم شاعراً إذا قلل من شعر الغزل طالما أنّه أبدع في الفنون الأخرى وأكثر ، فلكلّ شاعر ميدانه ولكنني أريد من الشاعر أن يطلعني على حقيقة العلاقة التي كانت تربطه بخولة أخت سيف الدولة والتي جعلته ينظم في رثائها قصيدة رائعةً تفوح روائح الحبّ من أردانها وتبوح بأسرارٍ حرص الشاعر طويلاً على كتمانها
    الشاعر:
    ليس بيننا سوى الإعجاب المتبادل ، ولا أنكر أنني حزنت عندما بلغني نبأ وفاتها كثيراً لكنّ هذا لا يعني أنّ هناك قصّة حبٍّ بيننا كما يحلو لبعض الرواة أن يزعموا .
    القاضي:
    وهل تسمعنا أبياتاً من تلك القصيدة ؟,.
    الشاعر:
    بكلّ سرورٍ L(ينشد))
    طوى الجزيرة حتّى جاءني خبرٌ فزعت فيــه بآمــالي إلى الكــــذب
    حتّى إذا لم يدع لي صدقه أمــلاً شرقت بالدمع حتّى كاد يشرق بي
    أرى العراق طويل الليل مذ نعيت فكيف ليل فتى الفتيان في حلـــب
    يظنّ أنّ فؤادي غيــر ملتــــــهب وأنّ دمع جفوني غيـــــر منســكب
    بلى وحرمة من كــانت مراعــيةً لحرمة المجــــد والقصّاد والأدب فما ذكرت جميلاً من صنائعهــا إلا بكيــــت ، ولا ودٌّ بلا ســبب
    فليت طالعة الشـمســين غــائبة وليت غائبة الشـمسـين لم تغـــب
    قد كان كلّ حجابٍ دون رؤيتها فما قنعت لها يا أرض بالحجب

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    المتنبي

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 10:13 am

    القاضي:
    وما ذكرت جميلاً من صنائعها إلاّ بكيت ولا ودٌّ بلا سبب
    حقاً إنها لأبياتٌ جميلة ، وأعتقد أنّ وراء الأكمة ما وراءها ،ولكنني لا أريد أن ألحّ على الشاعر
    ((إلى ممثل الاتهام ))……….هل بقي في جعبتك شيءٌ يا ممثل الاتهام؟.
    ممثل الإتّهام:
    أجل يا حضرة القاضي فما زال في جعبتي الكثير فالمواجهة الحقيقيّة لم تبدأ بعد ،ولن أوقف هجومي على هذا المتنبي حتّى يعترف بكلّ الأخطاء التي ارتكبها في ميدان اللغة والأدب ويعتذر عن كلّ العيوب التي ظهرت في شعره
    .محامي الدفاع :
    أيّة أخطاءٍ وأيّة عيوب ، وكيف يمكن أن يتسرّب اللحن إلى لسان موكلي وهو الذي رحل إلى البادية في صباه ونهل من ينابيعها الصافية وتلقى علومها على يد أساتذةٍ أجلاّء من علماء الكوفة التي كانت تموج بالثقافات وتزخر بالمعارف والعلوم.
    لقد كان موكلي ينشد الشعر في بلاط سيف الدولة وكان ذلك البلاط يعجّ بالنحويين واللغويين والفلاسفة والشعراء وكان الجميع يحدّون النظر ويرهفون السمع وينتظرون منه هفوة قلم أو زلّة لسان لينشبوا فيه مخالبهم وكان أبو الطيّب يرى ذلك منهم فيوجّه لهم الطعنة تلو الطعنة بلسانه لابسنانه ،ولن أجيب ممثل الانهام ومن هم وراءه إلاّ بما كان موكلي يجيب به خصومه من الحاسدين والحاقدين
    كم تطلبون لنــا عيباً فيعــجزكــم ويكــره الله ما تأتــون والكرم
    ما أبعد العيب والنقصان من شرفي أنا الثريّا وذان الشيب والهرم
    القاضي:
    إنّ الخوض في أخطاء المتنبي ليس بالأمر السهل وفيه الكثير من القيل والقال ،وهذه القضيّة تحتاج إلى جلسة خاصّة مطوّلة ،فلنتجاوزها إلى موضوعاتٍ أخرى ….هل من قضيّة غيرها يا ممثل الاتهام :
    ممثل الإتّهام:
    أجل يا حضرة القاضي …أيها السادة الأكارم ، لقد سمعتم نماذج كثيرةً من أشعار المتنبي فهل رأيتم ما رأيت ولمستم ما لمست ألم تلاحظوا معي أنّه في كلّ أشعاره يميل إلى الغلوّ والمبالغة فيجعل من الحبّة قبّة ، يفخّم الأحداث وينفخ في المعاني فإذا وصف الجيش قال :
    خميس بشرق الأرض والغرب زحفـــه وفي أذن الجوزاء منه زمازم
    وإذا وصف الأسد قال:
    ورد إذا ورد البحيرة شارباً ورد الفرات زئيره والنيلا
    وإذا افتخر قال:
    أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم
    وهكذا نراه دائماً يدوي كالطبل الأجوف
    محامي الدفاع :
    ومن يك ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ يجد مرّاً به الماء الزلالا
    إذا لم تستطع هذه الأبيات الجميلة أن تنال إعجابك ياصاحبي فإيّ كلامٍ سيعجبك ؟.وهل تريد من الشاعر أن ينقل لك الحقيقة باردةً ويسرد لك الأخبار سرداً دقيقاً كما يفعل المؤرّخون ؟وأين الجمال في عبارة كهذه((لقد كان جيش الروم كبيراً ))بل أين البلاغة لوقال L(لقد كان صوت الأسد قويّا))إنّ الصدق الفني غير الصدق الأخلاقي ، وعندما قال القدماء L(إنّ أعذب الشعر أكذبه ))لم يقصدوا الكذب الذي حرّمته الأديان وإنما قصدوا التحرر من الحقيقة الواقعيّة والتعبيرعن الحقيقة الشعريّة ، والحقيقة الشعريّة تتطلّب النزوع نحو الأكمل والأمثل .فإذا أراد الشاعر أن يمدح أو يهجوأو يصف أو يفخر فعليه أن يبحث عن أقوى الصفات وأعلاها ليكون لها صدىً في نفوس السامعين . وكان أكثر نقّادنا القدامى وعلى رأسهم قدامة بن جعفر والجرجاني يميلون إلى مذهب المبالغة لأنّه يعمّق المعاني ويكسبها قوّةً ويجعلها اشدّ تأثيرا.
    ممثل الإتّهام:
    وهل إكساب المعاني قوّةً في نظرك أن يغلو الشاعر كلّ هذا الغلوّ ويتجاوز كلّ حدٍّ ويأتي بأشياء لا يقرّها عقل ولا يتصوّرها خيال ؟.يقول في قصيدةٍ له يصف جنود الروم الهاربين من سيف الدولة :
    وضاقت الأرض حتّى كاد هاربهم إذا رأى غير شيءٍ ظنّه رجلا
    ويقول في موضع آخر :
    كفى بجسمي نحولاً أنني رجلٌ لولا مخاطبتي إيّاك لم ترني
    ويتجاوز المتنبي كلّ حدٍّ عندما يمدح فنراه يجعل من ممدوحيه أنصاف آلهةٍ ويحيطهم بجوٍ من القداسة وينسب إليهم أعمالاً فوق طاقة البشر ،يقول مادحاً محمّد بن زريق الطرسوسي :
    لو كان ذو القرنـــين أعمل رأيه لمّا أتى الظلمات صرن شموســا
    أو كان صادف رأس عاذر سيفه في يوم معركةٍ لأعيى عيـــسى
    أوكان لجّ البحــــر مثل يمينه ما انشق حتّى جاز فيه موســى
    أوكان للنيران ضــوء جبــيـنه عبدت …فكان العالمون مجوسا
    فما الداعي لكلّ هذا الإفراط والغلوّ ؟….اللهمّ إلاّ ستر العجز والإفلاس العاطفي
    محامي الدفاع :
    حضرة القاضي ….ألا يقرّ الطب النفسي أنّ الانسان إذا استبدّ به الخوف فربما يتخيّل وجود أشباحٍ لا وجود لهم فلم تنكرون على موكلي قوله :
    وضاقت الأرض حتّى كاد هاربهم إذا رأى غير شيءٍ ظنّه رجلا
    هل يختلف هذا التعبير عن الحقيقة التي توصّل إليها علماء النفس بعد دراسةٍ وتحليل؟.
    القاضي:
    دعنا من ذلك يا محامي الدفاع ، ولا بدّ من الاعتراف بأنّ لموكلك شطحاتٌ ليس من السهل تسويغها وفي شعره خروق يصعب ترقيعها ، ولكن علينا أن نعطي كلّ شيءٍ حجمه فلا نسقط القصيدة من أجل بيت ثمّ نسقط الديوان من اجل قصيدة …وأنا لا أحمّل هذا الأمر فوق ما يحتمل لأنني شخصيّا معجبٌ بكثيرٍ من قصائد أبي الطيّب وخاصّةً الحكم والمراثي التي استطاع الشاعرأن يوائم فيها بين التأمل العقلي والجيشان العاطفي وحبّذا لو أسمعنا الشاعر القصيدة التي رثى بها والدة سيف الدولة.
    الشاعر:………((حبّاً وكرامة))
    نعدّ المشرفيّــــة والعـــوالي وتقتلنا المنون بلا قتــال
    يدفّن بعضنا بعضاَ ويمشي أواخرنا على هام الأوالِ
    ومن لم يعشق الدنيا قديماً ولكن لا سبيل إلى الوصال
    صلاة الله خالقنــا حنـوطٌ على الوجه المكفّن بالجلال
    يمرّ بقبرك العافي فيبكـــي ويشغله البكاء عن السؤال
    ولو كان النساء كمن فقدنا لفضّلت النساء على الرجال
    وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ ولا التذكير فخرٌ للهلال
    ممثل الإتّهام:
    حضرة القاضي …إنّ الرثاء لا يكون مؤثراً إلا إذا كان نابعاً من مشاعر صادقةٍ ومعبّرأً عن أحزانٍ عميقةٍ ،وهذا الذي الرجل ما اعتاد أن يحبّ إلا نفسه لا يمكن أن يحزن على موت أحد ولكنه وجد نفسه في موقفٍ يتطلّب منه الرثاء فنظم هذه القصيدة وحاول أن يخفي فتور عاطفته بالإكثار من الحكم وضرب الأمثال كعادته .

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    المتنبي

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 10:15 am

    محامي الدفاع :إنّه لممضٌ حقّاً أن يسخر إنسان ٌمن عواطف الآخرين ،وكلمة الموت وحدها كفيلةٌ أن تثير الحزن والأسى في نفس أيّ إنسان فكيف إذا كان شاعراً وكان الفقيد صديقاً أو قريباً ،وهذا المتّهم الماثل أمامكم قلّبته الأيام على فراشٌ من قتاد ولوعته الليالي بمصائب تنوء بحملها الجبال وابتلى بفقد الأصحاب والخلان وامتلأ شعره بالشكوى والأنين ،ثمّ يأتي رجلٌ كممثل الاتهام فيتّهمه بالجفاء والغلظة والتنكر للأصحاب ، أسمعوا ما يقوله في رثاء صديقه أبي شجاع ،…وأبو شجاعٌ هذا لم يكن ملكاً ولا وزيراً ولم يكن أبو الطيّب مضطراً لرثائه لولا الوفاء له والحزن عليه :
    الحزن يقلق ..والتجمّل يردع والدمع بينهما عصــيٌّ طيـــّع
    إنّي لأجبن عن فراق أحبتي وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع ‎‎
    تصفو الحياة لجاهلٌ أو غافلٌ عمّا مضى فيها وما يتــو قّع
    يامن يبدّل كلّ يــومٌ حلـّـةً أنّى رضيت بحلّةٍ لا تنــــزع
    ما زلت تخلعها على من شاءها حتّى لبست اليوم ما لا يخلع
    قبحاً لوجهك يا زمان فإنّــــــه وجّه له من كلّ قــبحٍ برقــع
    فهل من يقول هذا الكلام جافي الطباع قليل الوداد ؟.

    ممثل الإتّهام:
    وهل سمعت أيها المحامي القدير شاعراً يمزج الرثاء بالفخر وبينهما ما بينهما من التفاوت العاطفي ، توفيت جدّته رحمها الله فحزن عليها ومن حقّه أن يحزن ورثاها وجدير به أن يرثيها وكان رثاؤه مؤثّراً ، ولكنّه لم يكد يرثيها ببضعة أبياتٍ حتّى ترك الرثاء وأخذ يتبجّح بالفخر كعادته :
    لكِ الله من مفجوعةٍ بحبيبها قتيلة شوقٍ غير ملحقها وصمــا
    أحنّ إلى الكأس التي شربت بهـا وأهوى لمثواها التراب وما ضمّــــــا
    وما انسدّت الدنيا عليّ لضيقهــا ولكنّ طرفاً لا أراك به ..أعمــى
    هبيني أخذت الثأر فيك من العدا فكيف بأخذ الثأر فيك من الحمّى
    ثمّ يقول بعد ذلك :
    ولو لم تكوني بنت أكرم والــدٍ لكان أبوك الضخـم كونك لي أمّا
    تغرّب لا مستعظماً غير نفســه ولا قابلاً إلاّ لخالقه حكـــــــــــمـا
    ولا سالكاً إلاّ فؤاد عجــاجــةٍ ولا واجداً إلاّ لمكـرمـةٍ طعـــما
    وإني لمن قومٍ كأنّ نفوسهـــــم بها أنفٌ أن تسكن اللحم والعظما
    كذا أنا يا دنيا إذا شئت فاذهبي ويا نفس زيدي من كرائهها قدما
    فلا عبرت بي ساعة لا تعزّنـــي ولا صحبتني مهجةٌ تقبـل الظلما
    أين حالك وأين بالك يا رجل ..! وما الداعي لكلّ هذه الخيلاء ؟.
    القاضي:
    لا يا ممثل الاتهام ..أنا لست معك في هذا الرأي فالشاعر عندما أحسّ بفداحة المصيبة وشعر بهول الكارثة كاد ينهار ويتحطّم ثمّ تذكّر حسّاده الذين يسرّهم سقوطه وانهياره فاندفع إلى الفخر ليثبت لهم أنّ المصائب لا تفل حدّه ولا تلين قناته وكلّنا نذكر قول أبي ذؤيبٌ الهذلي عندما مات أولاده الخمسه :
    وتجلّدي للشامتين أريهم أنّي لريب الدهر لا أتضعضع
    الشاعر:
    حيّاك الله وبيّاك يا حضرة القاضي النزيه والله إنّك لتتحرّى الصدق وتنشد الحقّ وتحكم بالعدل ولو كان كلّ القضاة مثلك لما بقي على وجه الأرض مظلوم .
    محامي الدفاع :
    حضرة القاضي …إنّ شهرة موكلي قد طبقت الآفاق وصدى صوته مازال يرنّ في أذن الزمان فيملأ الدنيا ويشغل الناس ، لقد غمر شعره الأرض من مشارقها إلى مغاربها وردده سكّان القصور وسكّان الخيام
    فشرّق حتّىليس للشرق مشرقٌ وعرّب حتّى ليس للغرب مغرب
    إذا قلته لم يمتنع من وصـوله جدارٌ معلّى أو خبـــاء مطــــنّب
    وقد أوتي من سيرورة الشعر ما أثار عجب معاصريه وأذكى نار البغض في قلوب حاسديه ….ويروى أن رجلاً من بغداد كان يكره أبا الطيّب فآلى على نفسه ألاّ يسكن مدينةً يذكر فيها المتنبي أو ينشد شعره فهاجر من بغداد ، وكان كلّما وصل بلداً وسمع له ذكرٌ فيها رحل عنها حتّى وصل إلى أقصى بلاد الترك فسأل أهلها عن أبي الطيّب فلم يعرفوه فاستوطن بها فلمّا كان يوم الجمعة ذهب الى الجامع فسمع الخطيب ينشد بعد ذكر أسماء الله الحسنى قول المتنبي :
    أسامياً لم تزده معرفةً وإنّما لــذّة ذكرناها
    فعاد الرجل إلى بغداد خائباً
    ولم يكن أبو الطيّب مغالياً عندما قال:
    أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم
    أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جرّاها .ويختصم
    أجل لقد نام موكلي ملء جفونه وظلّ الناس يتدارسون أشعاره منذ أكثر من ألف سنةٍ وألّفت حوله مئات الكتب قديماً وحديثاً وترجم ديوانه إلى أكثر اللغات الحيّة وما زال الشعراء منذ أيّامه حتى أيّامنا يغيرون على ديوانه كلّما استعصت عليهم المعاني وتمرّدت عليهم القوافي فبقتنصون ما يحلو لهم من معانيه الرفيعة وتراكيبه البديعة ،وقد صدق كلّ الصدق عندما خاطب سيف الدولة بهذه الأبيات :
    وما الدهر إلاّ من رواة قصائدي إذا قلت شعراً اصبح الدهر منشدا
    فسار به من لا يسير مشـــمراً وغــنّى بــه من لا يغـنّي مغــرّدا
    أجزني إذا أنشدت شعراً فإنمّا بشعري أتاك المادحـــون مــرددا
    ودع كلّ صوتٍ غير صوتي فإنني أنا الطائر المحكيّ والآخر الصدى
    أما آن للمثل الاتهام بعد كلّ هذا أن يعترف بشهرة أبي الطيّب وفضله على الأدب وعلى اللغة العربيّة ؟.أم أنّ في النفس بقيّة ؟.
    ممثل الإتّهام:
    ليعلم الجميع أنني لا أكره هذا الرجل ولا أحمل في صدري ذرّةً من الحقد عليه ، ولكنني أريد أن توضع الأمور في نصابها خدمةً للحقيقة والحقيقة وحدها …إنّ الكمال لله وحده .ولا يتنزّه عن النقد إلا من اصطفاهم الله واختارهم لحمل رسالته وعصمهم من الزلل .وإنّي أوجّه شكري وامتناني لهيئة المحكمة التي أتاحت لي فرصة التعبير عن آرائي بكلّ حريّة وكم أتمنى أن يسود هذا الحوار البنّاء والنقد الهادف لأنّه يعطي من الثمار أضعاف ما يعطيه الإطراء الكاذب والمجاملة الزائفة.
    القاضي:
    إنّ من أهداف محكمتنا الوصول إلى الحقيقة عن طريق الحوار ونشر الأفكار والمبادئ بالحجّة والإقناع لابالضغط والإكراه ……….((إلىمحامي الدفاع ))
    هل عندك ما تضيفه يا محامي الدفاع ؟.
    محامي الدفاع :
    إنني أشاطر السيّد ممثل الاتهام الرأي وأقول له ما يجب أن يقوله كلّ إنسانٍ لإنسان :قد أختلف معك في الرأي ولكنني مستعدٌّ أن أضحّي بحياتي في سبيل أن أجعلك تدلي برأيك ، ورحم الله الإمام الشافعي الذي يقول L(ما ناقشت أحداً ألاّ أحببت أن يظهر الحقُّ على يديه ))
    فبالعدل والإنصاف والاحترام المتبادل ترتقي أمتنا وتزدهر وتتبوأ الدرجات العالية
    الشاعر:
    يعجبني هذا الاتفاق على الاختلاف ويعزز لدي الفكرة التي تقول إن احترام الرأي الآخرعمل حضاري وإنّي بعد أن سمعت ما سمعت مستعدٌّ لتقبّل أيّ حكمٍ تصدره محكمتكم الموقرة ،لأنني واثق من نزاهتها وعدالة أحكامها وغيرتها على الأدب .

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    المتنبي

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 10:19 am

    القاضي:
    ترفع الجلسة للمداولة والنطق بالحكم .
    الجلسة الآن للنطق بالحكم …………………..هدوء …..هدوء من فضلكم
    باسم الأدب ولأدبـــــــاء ……………....وتحت شعار لا اخضرار بلا جذور ..تقرر المحكة ما يلي :
    إنّ أبا الطيّب المتنبي علمٌ بارز من أعلام أدبنا العربيّ وفارس من فرسان الوغى والبلاغة والبيان ومنهلٌ ثرٌّ يجد فيه من يرده كلّ ما يبتغيه من أفكارٍ عميقةٍ وحملٍ رشيقةٍ ومعانٍ فريدةٍ وألفاظٍ شريدةٍ وحكمٍ نادرةٍ وأمثالٍ سائرة ، لكنّ شعره لا يخلو من بعض ما يثير الجدل والمناقشة من عيوبٍ ارتكبها عامداً متعمّداً إرضاءً لصلفه وغروره تتلخّص في ميله إلى الغموض والتعقيد وجنوحه إلى الغلوّ و المبالغة وحرصه على استعمال الألفاظ الصعبة والمهجورة ،كان في حياته مثالاً للإنسان الطموح فقد انصرف عن اللذات والشهوات وسلك طريق العظماء وسعى لتحقيق أهدافه بالإرادة الصلبة والعزيمة القويّة لكنّه كان كثير الاعتداد بنفسه مفرطاً في تفضيلها على الآخرين .كما كان قوي الشعور بانتمائه للأمّة العربيّة وقد مدح المدافعين عن مجدها ، وقد اختلطت عنده المطامح الشخصيّة بالتطلّعات القوميّة ،أمّ القرمطيّة فكانت حدثاً عابراً في مطلع حياته .منعته الظروف من تحقيق مطامحه وتطلّعاته فحمّل الناس والحظوظ التعيسة مسؤوليّة إخفاقه فكثر في شعره الأنين والشكوى وذمّ الناس والزمان ظلّ حتّى وفاته رقيق العقيدة مسلماً بالوراثة وكأنّ الدين على هامش حياته
    واعتماداً على ما تقدّم نخلص إلى الحـــــــــــكم التالي :
    ((إدانة المتنبي بتهمة الغرور والتعالي على الآخرين وذمّ الناس وتعمّد الإكثار من الألفاظ المهجورة والصيغ الشاذة
    إدانة التكسّب بالشعر بشكل عامّ ، فالشعر رسالة ويجب أن يسعى لتحقيق أهدافٍ نبيلةٍ وغاياتٍ حميدةٍ ولا يجوز أن يكون سلعةً تباع وتشترى
    تبرئة المتنبي من تهمة البخل والتنكر للأصحاب وقلّة الوفاء وادعاء النبوّة ، أمّا رقة دينه وتهاونه بالفرائض الدينيّة فهذه الأمور من اختصاص محكمة أخرى
    ونظراً للظروف المتميّزة التي عاشها المتنبي والتي تركت آثارها الواضحة في شخصيّته وشعره
    ونظراً للشهرة التي حظي بها قديماً وحديثاً، وللتراث الشعري الخالد الذي خلفه للأجيال ،
    وإيماناً من المحكمة بأنّ عيوب شعره قليلةٌ بينما محاسن شعره كثيرةٌ ، ولهذه الأسباب المخففة كلّها قررت المحكة تسجيل اسم المتنبي في سجل العظماء والخالدين واعتباره سيّد الشعراء ))

    .قراراً وجاهيّا قابلا للطعن عن طريق النقد والمناقشه
    صدر وأفهم علناً
    ترفع الجلسة لااخضرار بلا جذور

    محمد واكد رزوق
    Admin

    عدد المساهمات: 77
    تاريخ التسجيل: 19/05/2009
    العمر: 58

    رد: المتنبي

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأربعاء أغسطس 26, 2009 9:06 pm

    لمشاهدة فيديو الأمسية الشعرية المتعلقة بالشاعر المتنبي يرجى الضغط على الروابط التالية :






    4shared.com4shared.com/file/126555938/67bf889b/__1.html

    4shared.com4shared.com/file/123725261/c2917927/__2.html

    4shared.com4shared.com/file/126358784/a3500bb1/__3.html

    4shared.com4shared.com/file/126555931/1e63303f/__4.html

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء سبتمبر 23, 2014 12:20 pm