مجموعة لااخضرار بلا جذور


    السياب

    شاطر
    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    السياب

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 12:31 pm

    لا اخضرار بلا جذور
    =================
    مجموعة من مدرسي اللغة العربية في ثانويات معرتمصرين – محافظة ادلب أطلقت على نفسها ( مجموعة لا اخضرار بلا جذور ) الأدبية .
    عشقت الأدب وعملت على خدمة لغتنا العربية الجميلة بالكشف عن كنوز أدبها الدفينة والمتجددة وربط الماضي بالحاضر والمستقبل ونبش التراث الأدبي القيم المنقوع في بطون الكتب وعلى رفوف المكتبات ونفض البلى والغبار عنه وتقديمه للناس بأسلوب ممتع شيق يبعد الملل ويقدم المتعة والفائدة بحوار أدبي يعتمد الرأي والرأي الآخر ويخرج عن أسلوب المحاضرة الإلقائي ولا يصل إلى العمل المسرحي بل حوار مفتوح يترجم فيه المتحاورون الموضوع الذي يتناولونه ( شاعر , أديب , قضية أدبية , مناسبة قومية ) ويستعرضون ما له وما عليه وما قاله لنقاد والعارفون فيه سلباً أو إيجاباً ويوردون الكثير من الشواهد الشعرية والنصوص الأدبية في جلسة محكمة نقد أدبية فيها قاض ومحام للدفاع وممثل للاتهام ويستدعى إليها الشاعر المتهم ( موضوع الجلسة ) بزي زمانه ويفضل أن يكون من الشخصيات الاشكالية وتلقى عليه التهم على لسان ممثل الاتهام وهي كل ما أثير حول المتهم من سلبيات تمس شخصه ونتاجه بأدلة من أقوال النقاد وبراهين من نتاجه , ويتولى محامي الدفاع الدفاع عنه بدفوع فيها الكثير مما له من إيجابيات ومواقف ذكرها النقاد والدارسون مؤيدة بالأجود من نتاجه ومعززة بلسان المتهم في دفاعه عن نفسه شعراً أو نثراً وقد يحتاج الأمر إلى شهود يدلون بشهاداتهم مع المتهم أو ضده أما رأي المجموعة النقدي فهو ما جاء على لسان القاضي وما نطق به قرار المحكمة , وهو عبارة عن خلاصة هذا الجدال الممتع بلغة فصيحة سليمة ولفظ دقيق معبر يشد السامعين إليه ويعرفهم بموضوع الجلسة ويغنيهم عن الرجوع إلى مئات الصفحات , في زمن كسدت فيه الثقافة وقلت القراءة والقراء , وزمن لا يقل عن ساعة ولا يزيد عن ساعتين .
    أسس هذه المجموعة
    الجيل الأول من الزملاء : مصطفى الحلبي , رائد السيد أسعد , عبد الغني عون , محمد واكد رزوق , وشاركهم في تقديم بعض الأعمال عدد من الزملاء مثل : زكريا اصطيف , معن اسماعيل , عبد الرحمن جبان , محمد خالد الخالدي .
    وهي مستمرة
    بجيل ثان من الزملاء : محمد واكد رزوق , أسامة يازجي , مازن عون , فائز عبدان .
    تناول الجيل الأول بالدراسة والتقديم كلاً من : أبي نواس , المتنبي ، المعري , التقليد والتجيد , شعراء النقائض , أحمد شوقي , ابن زيدون , المعتمد بن عباد , نزار قباني , وغيرهم , إضافة إلى أعمال أدبية قومية ووطنية مثل : لقاء السيوف , أغنيات للوطن , غضبة الأقصى , قالت العرب , الميلاد الذهبي . عرس الشهادة
    وتناول الجيل الثاني بالدراسة والتقديم كلاً من : أبي فراس الحمداني , جبران خليل جبران , عمر بن أبي ربيعة – بدر شاكر السياب .
    وقد قدمت هذه المجموعة أعمالها في المراكز الثقافية في القطر العربي السوري ولقيت مزيداً من الاهتمام والحضور والتشجيع من القيادات السياسية والادارية ووسائل الاعلام في القطر ونأمل مزيداً من الرعاية . والله ولي التوفيق .
    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    السياب

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 12:32 pm

    السَـــيّاب
    عصافير أم صبية تمرح 00
    أم الماء من صخرة ينضح 000
    فيخضلّ عشب و تندى زهور
    حديد لمن كل هذا الحديد ،
    لقيد سيلوى على معصم ،
    و نصل على حلمة أو وريد و ناعورة لاغتراف الدم
    عصافير أم صبية تمرح
    علينا لها أنها الباقية
    و أن الدواليب في كل عيد
    سترقى بها الريح جذلى تدور
    و نرقى بها من ظلام العصور
    إلى عالم كلُّ ما فيه نور

    (( إننا نعيش في عالم قاتم كأنه الكابوس المرعب ولطالما كان الشعر انعكاسا للحياة فلا بد ّ أن يكون قاتما مرعبا لأنه يكشف للروح أذرع الأخطبوط الهائل من الخطايا السبع الذي يطبق عليها و يوشك أن يخنقها ، و لكن ما دامت الحياة مستمرة فإن الأمل في الخلاص باق مع الحياة 0 إنه الأمل في أن تستيقظ الروح 000 ))
    هذا بعض ما قاله رجل أحب الحب فأحب الحياة و مات و في نفسه حسرة من كليهما 0
    كانت الحياة و كيف يواجهها و الحب و كيف يكون من نصيبه و الموت و كيف ينجو منه موضوع حياته و شعره 0
    فقر في ذات اليد 0 و افتقار إلى الحسن في مجتمع يحتقر الفقير و يؤخذ بظاهر الجسد0 و معاناة أشد تجارب القلق و تقرير المصير 0 أراد أن يعوّض عن ذلك بصقل شاعريته و شهرها في سبيل الحب والحنان 0 فلم تسعفه الحظوظ 0 فما كادت شاعريته تترعرع حتى ركبه الداء و انتعلته الهموم و أرغمته على التمرّغ على الأعتاب و هدر ماء الوجه على الأبواب طلبا لثمن الدواء و تشبثا بالحياة التي لم ترأف به و لا بأخوته في الوطن العربي الممزق بين إيديولوجيات متصارعة و ذرائع متناقضة رفض السياب أن يكون فيها على الهامش من الأمور 0 آثر المرأة 00 و عبّر عن جوع جسده إليها 0 و وضع جانبا كل الاعتبارات الخلقية و الخلقية 0 لكن ضميره في النهاية استيقظ لجمال الطهر و العفة 0 و قد يكون لوطأة الفشل و الخيبة أبلغ الأثر في حياته وشعره 0
    سعى إلى الصداقة المتسامية عن الزمان و المكان 0 و ترفع عن الصغائر و الغرور ، و طرب للمديح دون تكسب ، و توخّى الشهرة دون افتعال ، و نأى عن الغيرة و الحسد و المساومة و المتاجرة و ذرّ الألفاظ في الآذان ، و لم يأنف من التتلمذ و لم يصم الأذن عن الاستماع و تقبل النقد و مناقشة الصغير أو الكبير في براءة و سذاجة و ذكاء طبع و خفة ظل و حلاوة معاشرة و ميل إلى الدعابة و حب للمجالس و نظافة في اليد و اللسان 0 غزلت عيناه السحر و فجّرت صخابة المرح 0 و أبى أن يخاصم إلا الدهر و هو يعلم أنه لا يقهر فداعبه حينا و عاتبه أحيانا و غالبه بسلاحه الأوحد و هو الشعر 0 فكان مأساة قلما عرفها الشعر ، و غريزة صافية حببت إليه المطالعة و الترجمة و التعليق كما حببت إليه البقاء و شدت عزيمته في مصارعة الموت الذي جاءه بطيئا ظالما رهيبا في وقت معا 0 كلما أمعن في الصمود أمعن الموت في الحقد و التشفي فما سقط القلم من يده حتى أسقط الموت كل شيء ما عدا الروح فكانت حياته مماتا و مماته حياة 0
    عاش بالشعر و اتحد به كما اتحد بتراثه و قومه و بذاته و واقعه و وقف أعزل أمام الحياة و الموت ليقول :
    لأكتب قبل موتي أو جنوني أو ضمورَ يدي من الإعياء
    خوالج كل نفسي 00 ذكرياتي 00 كل أحلامي 00 و أوهامي
    و أسفح نفسي الثكلى على الورق
    ليقرأها شقي بعد أعوام و أعوام
    ليعلم أن أشقى منه عاش بهذه الدنيا
    و آلى رغم وحش الداء و الآلام و الأرق
    و رغم الفقر 0000 أن يحيا
    هذه هو بدر شاكر السياب فأهلا و مرحبا بكم و به ضيفا متهما في جلستنا هذه




    يدخل الشاعر منشدا :
    عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
    أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
    عيناك حين تبسمان تورق الكروم
    وترقص الأضواء...كالأقمار في نهَر
    يرجّه المجداف وهناً ساعة السحر
    كأنما تنبض في غوريهما النجوم
    وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيف
    كالبحر سرَّح اليدين فوقه المساء
    دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف
    والموت ,والميلاد,والظلام ,والضياء
    فتستفيق ملء روحي ,رعشة البكاء
    ونشوة ٌ وحشية ٌ تعانق السماء
    كنشوة الطفل إذا خاف من القمر
    القاضي : أهلا بك في محكمتنا يا أبا غِـيلان
    الشاعر : محكمة 00 مرة أخرى محكمة و تريدون محاكمتي بعد خمسين عاما من وفاتي ، أما شبعت مني المحاكم في حياتي فأنا لم تنصفني محكمة في الدنيا ، فهل سأجد الإنصاف لديكم ؟ أنا الآن رهين محكمة السماء العادلة 0
    القاضي : كن واثقا أنك ستجد كل خير في هذه المحكمة ، فنحن محكمة نقد أدبية لا علاقة لها بالسياسة 0
    الدفاع : لا تقلق يا أبا غيلان و اهدأ و ستجدني إلى جانبك إن شاء الله
    الشاعر : شكرا لك و لكن لم يسبق لي أن تعرفت بك
    الدفاع : أنا فائز عبدان محامي الدفاع الذي انتدبتني المحكمة لأدافع عنك و أدحضَ افتراءات ممثل الاتهام الأستاذ أسامة يازجي و ستصدر المحكمة قرارها بلسان قاضينا الأستاذ محمد واكد رزوق فطب نفسا و تعال إلى جانبي و دعني أعرف الحضور الكريم بك لا كما ورد في بطاقتك الشخصية الأستاذ مازن عون بل بهويتك الأدبية الشاعر المتهم بدر شاكر السياب0
    القاضي : حسناً تفضل عرفنا بالشاعر يا محامي الدفاع 0
    الدفاع : حضرة القاضي أيها الحضور الكريم في عام ستة و عشرين و تسعمئة و ألف و في قرية صغيرة تنام على ضفة نهربويب تسمى جيكور جنوب العراق ولد بدر شاكر السياب و قضى طفولته يلعب على ضفاف هذا النهر و في السادسة من عمره فقد أمه و في مدرسة أبي الخصيب الابتدائية بدأ ينظم الشعر و بعد حصوله على الثانوية التحق بدار المعلمين العليا في بغداد و هو ابنُ سبعة عشرَ عاما و درس اللغة الإنكليزية و في هذه الفترة زاد نتاجه الشعري و انتشر بين زملائه و كانت ملامحه الشخصية قد توضّحت فقد كان ضعيف البنية لم يلق من الحسن نصيبا و هذا ما عانى منه طوال حياته 0 و بعد انتهاء دراسته عمل في التعليم لفترة وجيزة ثم فُصل منه و لوحق من قبل السلطات و قضى حياته ينتقل من عمل لآخر و يشكو الفقر و العوز ، و قد كان أحد بل أهم رواد شعر التفعيلة 0 نشر خلال حياته مجموعات شعرية هي :أزهار ذابلة – أساطير – المومس العمياء– الأسلحة و الأطفال – أنشودة المطر-المعبد الغريق- منزل الأقنان– شناشيل ابنة الجلبي 0وجـُمعت بعد وفاته مجموعة بعنوان ( إقبال )
    الاتهام عفوا حضرة القاضي : إن الزميل محامي الدفاع جعل من المتهم رائدا فعن أية ريادة يتحدث ؟ فما هو إلا رائد في الإساءة فقط ، فحين يسيء شخص إلى آخر تقوم الدنيا و لا تقعد ، أما حين تكون الإساءة موجهة إلى أمة بكاملها فيُصفـّق لها و لصاحبها ، فهل تريدنا أن نصفق لموكلك السياب اليوم ؟ لا لن يكون لك ذلك 0
    أيها السادة لقد أساء السياب إلى الأمة العربية كلها فهو مِن أول مَن بدأ هذه الفتنة المسماة بالشعر الحر و الذي لا يحمل من الشعر إلا اسمه و الذي يهدف في النهاية إلى تشويه الشعر العربي الذي يعتبر مخزون هذه الأمة بما يحوي بين قصائده من إرث فكري و ثقافي و اجتماعي منذ العصر الجاهلي و حتى يومنا هذا 0فبربكم ماذا يحمل كلام هذا المتشاعر في داخله ؟ بل ماذا يمكنكم أن تفهموا من قوله هذا الذي يسمونه شعرا ؟ 0 تابعوا معي قوله ثم احكموا أنتم بأنفسكم :
    الغرفة موصدة الباب
    و الصمت عميق
    و ستائر شباكي مرخاة
    رُبّ طريق يتنصت لي
    يترصد خلف الشباك ، و أثوابي
    كمفزع بستان ، سود
    أعطاها البابُ المرصود
    نفـَسَا ، ذرَّ بها حِسّاً ، فتكاد تضيق
    فهل هذا شعر أيها السادة ؟ أم رصفُ كلام ؟ تفضلوا واحكموا
    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    السياب

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 12:44 pm

    الدفاع : أنت محق يا أستاذ ، و لكن فقط في كون شاعرنا لهذا اليوم أهم روّاد التجديد في الشعر ، و لن أقف عند من هو أول من كتب قصيدة التفعيلة ، هل هو لويس عوض أم علي أحمد باكثير أم نسيب عريضة أم نازك الملائكة أم شاعرنا ؟ و لكن مما لا شك فيه أن بدرا لم يكتب فقط هذه القصيدة بل خاض معارك على صفحات الصحف و الجرائد ليثبت أحقية هذا التجديد في الشعر بمساهمته في الحركة الأدبية التي كانت على أشدها في أواخر أربعينيات و أوائل خمسينيات القرن العشرين و لا أظن أن أحدا من الحضور الكريم يُنكر أنّ ما سأسمعكم الآن شعرٌ و بكل جدارة :
    حينما يزهر التوت و البرتقال
    حين تمتدّ جيكور إلى حدود الخيال
    حين تخضرّ عشبا يغني شذاها
    و الشموس التي أرضعتها سناها
    حين يخضرّ حتى دجاها
    يلمس الدفءُ قلبي، فيجري دمي في ثراها
    قلبيَ الشمس إذ تنبض الشمس نورا
    قلبيَ الأرض ، تنبض قمحا و زهرا و ماء نميرا
    قلبيَ الماء ، قلبي هو السنبل
    موته البعث ! يحيا بمن يأكل
    أليس هذا من روائع الشعر ؟
    الاتهام : لا ليس من روائع الشعر بل ليس شعرا ، إنما هو عجز عن كتابة الشعر الموزون و المقفى و هروب إلى هذا الكلام و إطلاق صفة الشعر عليه ، و لو استطاع كتابة الشعر على بحور الخليل لما لجأ إلى هذه الطريقة ، و لكن أعطوها صفة التجديد و الثورة و الضرورة لإيجاد مبرر لعجزهم ، ليس أكثر من هذا ! فهي فيديو كليب تلك الأيام
    الدفاع : أنتم دائما هكذا يا ممثلي الاتهام ، إن المجتمع العربي بما كان يمر به في تلك المرحلة من تاريخ أمتنا ، حيث كانت الثورات تمتدّ من أقصى الوطن العربي إلى أدناه مقارعة الاستعمار في البلاد العربية المستعمرة و أنظمة الحكم الرجعية في بلاد أخرى ، هذه الحركة الثورية و سقوط المجتمع التقليدي العربي كان لا بدّ لها من أن تمتد حتى تشمل الشعر ، و لهذه الأسباب ولد الشعر الحرّ و الذي يعتبر تقليديا اليوم و ليس لعجز الشعراء يا ممثل الاتهام ، و عندما أراد شاعرنا كتابة القصيدة العمودية كان له ما أراد ، و سأسمعكم روائع الشعر العربي في بعض أبيات له حيث يقول :
    غاص المغيرون عن واديكِ و انحسروا فالأرض تدمــى بقتلاها و تزدهـــر
    و اســـتنفر الشــــرق حتـى كـاد ميّتــــه يسعى ، أهذا صلاح الدين أم عمـــر
    هـــــذا الذي كـلًّ عــن ســحق لبذرتــــه بالخيــل و الذابلات الروم و التتـــر
    يا أمـــة تصنــــع الأقـــدار مــن دمهــا لا تيأســي ، إن ســيف الدولـة القدر
    القاضي : نحن لا نحكم على شاعر بهذه الطريقة ، فشعر التفعيلة و إن تخلى عن بحور الشعر فقد احتفظ بموسيقا الشعر من خلال المحافظة على التفعيلة و الوحدة العضوية بين الشكل و المضمون ، و لا ننكر أنه قدم لنا قصائد رائعة 0 أما نحن في هيئة المحكمة فإننا نحكم على القصيدة و ليس على الشاعر أو نوع الشعر 0
    الاتهام : و لكن ما لم يذكره محامي الدفاع يا حضرة القاضي هو أن هذا الشكل الجديد من الشعر لم يظهر عندنا إلا من خلال تأثر السياب و زمرته بالغرب و بأفكار غريبة عن واقعنا و مجتمعنا و هي نفسها التي أثرت بالمتهم فأضعفت لديه الحس القومي ، و صرفت انتباهه عن قضايا الأمة العربية و عن آلامها و آمالها ، فالوحدة السورية المصرية و التي كانت الزهرة التي تفتحت في صحراء العرب ، لم يلتفت إليها و لم تشغـَل و لو حيّزا صغيرا من كتاباته 0 أما قضية فلسطين ، الزلزال الذي هزّ الأمة العربية ولم يزل ، فلم يذكرها المتهم إلا في قصيدة واحدة صوّر فيها أوضاع اللاجئين و المشردين حين قال :
    لكنهم قد أخرجونا من صعيد الآدميّة
    فاليوم تمتلئ الكهوف بنا ونعوي جائعين
    ونموت فيها لا نخلـّف للصغار على الصخور
    سوى هباب ما نقشنا فيه من أسَـد طعين
    ونموت فيها لا نخلـّف بعدنا حتّى قبور
    ماذا نحطّ على شواهدها أكانوا لاجئين ؟
    الشاعر: كم عانيتُ من ظلم أمثالك ، و كم سعوا بي إلى السجون ، و لكن كان عليك أن تقرأ شعري قبل أن توجّه اتهامك إلي ، و عندها كنت ستدرك أنني كنت مع كل عربي في الأرض العربية ، ألم تسمع قولي :
    و كان يطوف من جدي
    مع المدّ
    هتاف يملأ الشطآن : يا ودياننا ثوري
    و يا هذا الدم الباقي على الأجيال
    يا إرث الجماهير
    تـشظ ّ الآن و اسحق هذه الأغلال
    و كالزلزال
    هُزّ النيرَ ، أو فاسحقه و اسحقنا مع النير
    الدفاع :
    أذاك الصاخب المكتظ بالرايات وادينا
    أهذا لون ماضينا
    تضوّأ من كوى (( الحمراء ))
    ومن آجرّةٍ خضراء
    عليها تكتب اسم الله بُقيا من دم فينا
    أنبرٌ من أذان الفجر ؟ أم تكبيرة الثوار
    تعلو من صياصينا ؟
    تمخضت القبور لتنشر الموتى ملايينا
    أسمعت يا ممثل الاتهام ؟ فما كان شاعرنا بعيدا يوما عن هموم أمته و لا عن قضاياها بل كان عربي الهوى و القلب و الفكر ، و قد كتب تحت إحدى قصائده (( ضاع مفهوم القومية عندنا بين الشعوبيين و الشوفينيين ، يجب أن تكون القومية شعبية و الشعبية قومية ، يجب جعل أحفاد محمد ( ص ) و عمر و علي و أبي ذرّ و الخوارج و الشيعة الأوائل و المعتزلة يعيشون عيشة تليق بهم ، كورثةٍ لأمجاد الأمة العربية )) و يقول في المقطع الشعري الذي علـّق عليه بهذا القول
    كالقمح لونـُك يا ابنة العرب
    كالفجر بين عرائش العنب
    أو كالفرات على ملامحه
    دَعة ُالثرى و ضراوة الذهب
    لا تتركوني فالضحى نسبي
    من فاتح و مجاهد و نبي
    عربية أنا ، أمتي دمها
    خير الدماء كما يقول أبي
    القاضي : صحيح أن نسائم و الشباب قد هبّت على الشاعر لفترة من عمره و صحيح أنه كان مقلا في الشعر القومي إلا أنه عاد بسرعة لفطرته و لم يكن بعيدا عن قضايا أمته و لا عن انتمائه العربي ، و ما كنا لننسى أبياته في بور سعيد التي يقول فيها :
    يا حاصد النار من أشلاء قتلانا
    منك الضحايا وإن كانوا ضحايانا
    كم من ردى في حياة وانخذال ردى
    في ميتة وانتصــار جاء خــذلانـا
    إن العيون التي طفّأت أنجمهـا
    عجّـلــن بالشمس أن تختـار دنيانا
    وامتد كالنور في أعماق تربتنا
    غرس لنا من دم واخضّـل موتانـا
    من كل وجه لطفل فيه زنبقــة
    تدمى وتلتـم فيــه الريــح غربانــا
    الجــو مما يلزّون الحديد بــــه
    قاع الجحيم التظى وانصبّ طوفانا
    حييتِ موتـــى وأحياء وأبنيــة
    مستشـهدات أو اســتعصين أركانا
    فالويل لو كان للعادين ما قدِروا
    لانهدّ من حاضر ماض فأخزانا
    الاتهام : و لكنكم تعرفون يا حضرة القاضي : أن من يكره وطنه الصغير لا يستطيع أن يحب
    أمته الكبيرة ، فقد كان السياب بعيدا عن حب وطنه ، و كثيرا ما ذكر في شعره كرهه لهذا الوطن الذي تدمى قلوبنا عليه جميعا اليوم ، نتيجة ما حلّ به من دمار و قتل و جرائم جرّاء الاحتلال الأمريكي له ، فقد كان يكره بغداد التي هي رمز العراق الأبي ، فما ذكرها في قوله يوما إلا بأقبح الصفات ، يقول في مقدمة إحدى ما تسمونها قصيدة :
    ( بغداد مبغى كبير)
    و يقول في قصيدة أخرى يصف بغداد :
    و تلتفّ حولي دروبُ المدينة
    حبالا من الطين يمضغن قلبي
    و يعطينَ عن جمرة فيه طينة
    حبالا من النار يجلدن عُريَ الحقول الحزينة
    و يحرقن جيكور في قاع روحي
    و يزرعن فيها رماد الضغينة
    ألهذه الدرجة تكره وطنك يا هذا ؟
    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    السياب

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأحد يوليو 12, 2009 12:46 pm

    الشاعر : حتى وطني الذي عشقت حتى العبادة ، تريد أن تبعده عن قلبي ؟ كم أنت ظالم أيها الرجل ؟
    الريح تصرخ بي : عراق
    و الموج يعول بي : عراق ، عراق ،
    ليس سوى عراق
    و البحر أوسع ما يكون ، و أنت أبعد ما يكون
    و البحر دونك يا عراق
    و تقول إنني لا أحب العراق ؟
    الدفاع : خفّـف عن نفسك يا أبا غيلان فأنا سأردّ عليه ، و سأبيّن الحق من الباطل ، و لن أدعك حتى تطمئن نفسُك و ترتاح 0 أما أنت يا ممثل الاتهام فقد طاش سهمك كعادتك ، فشاعرنا و لأنه نشأ في قرية تنام بهدوء على ضفة النهر و عاش وسط طبيعتها الساحرة بما فيها من و صفاء و جمال ، و لأن المدينة حين انتقل للعيش و الدراسة فيها و هو فقير ضغطت عليه من الناحية المادية بما فيها من علاقات المدنية لم يستطع أن يحبها ، و بقي حتى آخر حياته يحلم بالعودة إلى قريته 0 ثم كيف يستطيع أي إنسان كان ألا يعشق الأرض و الهواء و الماء و الأشجار التي تكوّن وطنه الذي خُلق و عاش فيه ؟ و قد عبّر أصدق تعبير عن هذا الحب حين قال :
    أين العراق ؟
    و أين شمس ضحاه تحملها سفينة ؟
    في ماء دجلة أو بويب ؟
    و أين أصداء الغناء
    خفقت كأجنحة الحمام على السنابل و النخيل
    من كل بيت في العراء
    من كل رابية تدثــّرها أزاهير السهول ؟
    إن متُّ يا وطني فقبرٌ في مقابرك الكئيبة
    أقصى مناي
    و إن سلمتُ فإن كوخا في الحقول
    هو ما أريد من الحياة 0
    فدى صحاراك الرحيبة
    أرباض لندن و الدروب ولا أصابتك المصيبة
    القاضي : لا يتنكـّر لحب الوطن إلا جاحد أو خائن ، و بدر واحد من الذين جرى عشق الوطن مجرى الدم في عروقهم حتى آخر لحظة في حياتهم 0 أما قضية القرية و المدينة فهي موجودة لدى الكثيرين ممن هاجروا من قراهم للعيش في المدن ، فكانوا دائما يشكون من صعوبة العيش في المدينة و يحنون للعودة إلى قراهم حين خانتهم الحظوظ 0 ليس إلا 0 هل من تهم جديدة يا ممثل الاتهام ؟
    الاتهام : أجل حضرة القاضي ، فلو عاش المتهم في غير زماننا هذا لحوكم و أعدم 0
    القاضي : و كيف ذلك ؟
    الاتهام : كما قلت سابقا فقد تأثــّر المتهم بالأفكار الغريبة عن واقعنا و مجتمعنا و قد بلغ به هذا التأثر حدّ الكفر و الإلحاد ، و قد ذكر ذلك أكثر من مرة في شعره و كأنه لم يولد في مجتمع مسلم و لم يدرك مدى قدرة الخالق و عظمته ، و لم ينشأ في بيوت يذكر فيها اسم الله ، كل هذا أنكره و سأورد لكم مقطعا من قصيدة له نشرها الأستاذ عيسى بلاطة في دراسة له عن بدر من القصائد غير المنشورة و أستغفر الله مسبقا على إعادة قوله :
    ربّاه لو أنّ في طول انتظار غدٍ جدوى لـَما أسمعتك الريح شكوانا
    ما كـان حتمــا علينـا أن يعــذ ّبنـا طاغ ٍ و أن يشهدَ الرحمن بلوانا
    النار أشهى فهات النار تصهرنــا
    يــوم الحســاب و متّعـنا بدنيانـا
    إن كان لا يدخـُل الجنات داخـُلهـا إلا شقيـّا على الأولى و غرثانا
    و كان أمرك أن نرضى بما صنعوا فاحفظ عبيدك فالشيطان مولانا
    مباركة عليك النار لتدفأ بها ، ومبارك عليك مولاك الشيطان 0
    الدفاع : من فمك أدينك ، فهذه الأبيات التي ذكرتها ليست في ديوان الشاعر ، و قد بحثت جاهدا في الديوان لأجد و لو فكرة واحدة تؤيد ما ذهبت إليه فما وجدت شيئا ، و هذه الأبيات التي أوردتها لا يمكن أن تكون له ، و لم يُذكر في الدراسات التي دارت حوله أنه كان كافرا أو ملحدا ، و لا يمكن لرجل يمتلك هذا العمق من الإيمان الذي يظهر فيما سأورد له أن يكون إلا مؤمنا أشدّ الإيمان 0 يقول :
    لك الحمد مهما استطال البلاء
    و مهما استبدّ الألم
    لك الحمد إن الرزايا عطاء
    و إن المصيبات بعض الكرم
    ألم تعطني أنت هذا الظلام
    و أعطيتني أنت هذا السحر
    فهل تشكر الأرض قطر المطر
    و تغضب إن لم يَجُدها الغمام
    القاضي : لا يمكن أن ننسب الإلحاد أو الكفر جزافا إلى شاعر دون أن يكون ما لدينا من الأدلة كافيا لذلك ، و في ديوان الشاعر لا يوجد دليل على هذه التهمة بل يوجد أدلة على إيمانه فهلا أسمعتنا يا أبا غيلان بعضا من شعرك الذي يثبت إيمانك ؟
    الشاعر : إن مسك الإيمان يتضوّع من جميع أشعاري :
    نبيَّ الهدى عذرا إذا الشعر خانني
    و لكنــه قلبـــــي بما فيه يقطرُ
    نبي الهدى كن لي لدى الله شافعا
    فإنــي ككــل الناس عـان ٍ محيَّـــرُ
    تمرّســت بالآثــام حتى تهدّمــت
    ضلوعي وحتى جنـّتي ليس تثمر
    و لكنّ من ينجــده طه فقد نجــا
    و من يهده – و الله هيهات يخسر
    الاتهام : ليس غريبا عليك هذا ، فأنت أشبه بالتيار الكهرطيسي تتذبذب كيفما تشاء فلكل مقام لك مقال يناسبه ، و لم تثبت على رأي يوما ، فأنت لسان الشيوعيين و من ثم أصبحت قومي الاتجاه و هاجمت الشيوعية ، و نشرت في مجلة [ شعر] ( مجلة القوميين السوريين ) ثم قلت في رسالة لك لأدونيس إنك لا تحب هذا الاتجاه ، بل وصل بك الأمر إلى مديح سفاح العراق عبد الكريم قاسم الذي حكم شعب العراق بالحديد و النار ، ألم تمدحه في قصائد كثيرة ؟ ألم تقل فيه :
    عبد الكريم الذي أجرى بثورتــه
    ماء و نورا كغيم ممطــر لمعــا
    أسرى و بغداد تحت الليل غافية
    في سجنها و سهيلٌ بعدُ ما طلعاَ
    فما تنفــس أو كــاد الصبــاح بهـــا
    إلا و قــد حطـم الأوثــان و اقتلعَــــا
    في ثورة عاد منها الشعب منتصرا
    و الحق مزدهرا و البغي منصرعـا
    حتى ازدهى كل شبر في العراق ففي
    مينائه اليوم نور في الدجى سطعا
    بربك ألا تستحي من نفسك ؟ ألا تخجل من شعب العراق حين تمدح سفاحا ؟
    الشاعر : حين تكون طريحا في مشفى و لا تملك ثمن الدواء و تقدّم لك مساعدة و يطلب من قدّمها أن تمتدحه ، لن تستطيع إلا أن تردّ جميله 0
    الدفاع : لقد قال بدر بعض الحقيقة ، و لكنه ما كان يوما إلا صوتا قويا عاليا ، يعبّر عن آمال و آلام شعب العراق ، هذا الشعب الذي يلفّ القهرُ و الجوعُ و الحرمان و البؤس حياتَه ، و هذه الصفات جميعُها نراها في كل قصائد بدر التي تمتدّ طيلة حياته ، و ما كان شعره يوما إلا معبرا عن هذا الشعب بكل ما في قلبه و نفسه ، و أريد أن أذكرّك أنه هو نفسه الذي قال يوم سقوط عبد الكريم قاسم :
    هُرِع الطبيب إليّ و هو يقول :
    ماذا في العراق ؟
    الجيش ثار و مات قاسم – أيُّ بشرى بالشفاء
    و لكدت من فرحي أقوم ، أسير أعدو دون داء
    مرحى له أيَّ انطلاق
    مرحى لجيش الأمة العربية ، انتزع الوثاق
    يا إخوتي بالله بالدم بالعروبة بالرجاء
    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    السياب

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الثلاثاء يوليو 21, 2009 12:55 pm

    الاتهام : يبدو أنك ملكت ثمن الدواء يا بدر 0
    القاضي : لا 00 لا يجوز للإنسان أن تتبدل مواقفه بين يوم وليله حتى و لو دعته الحاجة إلى ذلك ، و خاصة حين يكون شاعرا لأنه يمثل ضمير أمته و روحا تحلق في سمائها ، وللأسف فقد كان بدر واحدا من الذين يتقلبون بآرائهم ، و لا يثبتون على موقف 0 فحين كان في مؤتمر روما و صرّح بأنه تعب من الالتزام ، كتب قصيدة ملتزمة يقول فيها :
    من جوع صغارك يا وطني ،
    أشبعتَ الغرب و غِربانه
    وأحس عبيرَك في نفسي
    ينهد ّ يدندن كالجرس
    لو شئت لطيفك أوربا
    وطنا لحملت معي زادي
    أسقيه الشمس و أطعمه
    قبلا و براعم أورادي
    الاتهام : شكرا لك حضرة القاضي ، فهو لم يكن متقلبا في مواقفه فقط بل كان مدعيا كاذبا في موضوع تقف لديه القلوب 0 ففي نبض القلب و سمو الروح و انعتاق الجسد و حين تصبح الحياة اسم حبيب و تصبح الشمس و الأشجار و الدروب و الأزقة أجمل و أمتع كان المتهم مدعيا كذابا فكم كذب و صور لقاءات له مع حبيباته و لم تكن سوى لقاءات وهمية ادعى فيها أنه عاشق و محبّ و من ثم و بسرعة نسي كل هذا الحب و سأسمعُكم أيها السادة كيف صور لقاءاته :
    تمزّق جسمك العاري
    تمزق تحت سقف الليل ، نهدُك بين أظفاري
    تمزق كل شيء من لهيبي غير أستاري
    تحجّب فيك ما أهواه
    كأني أشرب الدم منك ملحا ً، ظلّ عطشانا
    من استسقاه ، أين هواك ، أين فؤادُك العاري
    الدفاع : بل قل كم ظلمه هذا الزمان و حرمه من أن يعيش كأي شاب آخر يحب و يجد من يبادلـُه هذا الحب و يرقص قلبه فرحا و طربا حين يذكر اسمها و يجد في ابتسامتها حين يلقاها كلَّ نعيم الدنيا ، فهو لم يعش هذه اللحظات ، فقد قسا عليه الزمان بخلقته و قست عليه النساء حين كنّ يتقرّبن منه و يظهرن له الودّ و الحب لكي يكتب فيهن شعرا ثم لا يلبثن أن يقلبن له ظهر المجّن و يبقى وحيدا مخدوعا يعيش لياليه السوداء 0 هذا ما حدث حقيقة معه أما سمعته حين قال :
    و ما من عادتي نكران ماضي الذي كانَ
    و لكن كل من أحببت قبلك ما أحبوني
    و لا عطفوا عليّ ،
    عشقت سبعا كن أحيانا
    ترفّ شعورهن علي ، تحملني إلى الصين
    سفائن من عطور نهودهن ، أغوص في بحر من الأوهام و الوجد
    القاضي : هل حقيقة أنك كنت دوما تحب
    و من طرف واحد يا أبا غِـيلان ؟
    الشاعر : هذا ما اعترفت به و أدركته يقينا
    القاضي : و لكنك كنت مغازلا بارعا فماذا كنت تقول في غزلك ؟
    الشاعر : كنت أقول :
    تعالي فما زال لون السحاب
    حزينا ..يذكرني بالرحيل
    رحيل ؟
    تعالي .. تعالي نذيب الزمان
    وساعاته في عناق طويل
    ونصبغ بالأرجوان شراعا وراء المدى
    وننسى الغدا
    على صدرك الدافئ العاطر
    كتهويمة الشاعر
    القاضي : حقا إن الشعراء يقولون ما لا يفعلون ، هل من تهم جديدة يا ممثل الاتهام ؟
    ممثل الاتهام : أجل حضرة القاضي 0 فالشاعر قبل أية صفة رائد من رواد مجتمعه و تقع على عاتقه مهمة تصوير واقع هذا المجتمع و فضح سلبياته و مساوئه بل عليه أن يرى طريقا للخلاص 0 و في الفترة الممتدة مابين الأربعينيات و حتى موت الشاعر كان العراق يعيش أياما كالحة السواد ففي البداية كان الاستعمار الإنكليزي ثم حكوماتٌ عميلة ٌ تسوس الشعب بالنار و البارود و يعاني شعب العراق الويلَ من جوع وفقر و جهل و كبت و قهر سياسي كل هذا و المتهم لم يخرج من إطار ذاته و همومه الشخصية فقصائده تحمل همّا ذاتيا لا يخرج عن إخفاقه الشخصي في تحقيق أحلامه و عن عجز في رؤيا واضحة لآلام شعبه 0 ففي هذه الأوضاع المأساوية يقول شعرا في الحب و الغزل كقوله :

    والتفّ حولك ساعداي ومال جيدُك ِفي اشتهاء
    كالزهرة الوسنى فما أحسست إلا و الشفاه
    فوق الشفاه
    و للمساء عطر
    يضوع فتسكرين به ، و أسكر من شذاه
    في الجيد و الفم و الذراع
    فأغيب في أفق بعيد مثلما ذاب الشراع
    في أرجوان الشاطئ النائي و أوغل في مداه
    الشاعر : لا تقتل شعري بقراءتك السيئة يا هذا 0 حريٌّ بشعري أن يقرأ قراءة تليق به 0
    (( إعادة قراءة القصيدة ))
    الدفاع : لماذا تصرّ على التجني على شاعرنا و تصفه بالذاتية مع أنه كان يعيش وسط مجتمعه و يرصد آلام هذا المجتمع و مشكلاته يوما بيوم و لم يعش لنفسه أبدا ، و لو كان ذاتيا كما تقول لما سجن أكثر من مرة لمشاركته في التظاهرات والإضرابات التي كان يقوم بها شعب العراق احتجاجا على الظلم و الفقر و الجوع و لما هرب من مطارديه حتى فرّ خارج العراق و لما عمل ذوّاقة للتمر في البصرة بالرَّغم من شهادته الدراسية العالية آنذاك 0 و عندما يسمعُ السادة الحضور هذا المقطع سيدركون كم كان يحمل في قلبه همّا وطنيا :
    و في كل قطرة من المطر
    حمراءَ أو صفراءَ من أجنة الزهر
    و كلِّ دمعة من الجياع و العراة
    و كل قطرة تراق من دم العبيد
    فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد
    أو حَـلمة تورّدت على فم الوليد
    في عالم الغد الفتي ، واهب الحياة
    و يهطل المطر
    القاضي : لم يكن بدر شاكر السياب ذاتيا مبتعدا عن قضايا مجتمعه و هموم و آلام أبناء وطنه بل كان مصورا بارعا لمآسي شعب العراق الشقيق :
    وفي العراق جوع
    وينثر الغلالَ فيه موسم ُ الحصاد
    لتشبع الغِربانُ والجراد
    وتطحنَ الشـُوّان والحجر
    رحى تدور في الحقول
    حولها بشر
    مطر ....مطر .. مطر
    ومنذ أن كنا صغارا كانت السماء
    تغيم في الشتاء
    ويهطل المطر
    وكل عام حين يعشب الثرى نجوع
    ما مر عام والعراق ليس فيه جوع
    الاتهام : و لكن بدرا كان فاشلا في حياته نقل كل هذا الفشلَ إلى قصائده فاتسم شعره بشكل عام بالسوداوية و البكاء و التفجّع و كأنه لم يفهم أو يدرك من الشعر إلا هذه الموضوعات
    ففي بداياته الأولى يقول :
    لا تزيــديـــه لوعـــة فهــو يلقــاك
    لينســى لديــك بعض اكتئابـــه
    قربـي مقلتيـك من وجهــه الــذاوي
    تري في الشحوب سرّ انتحابـه
    و انظري في غضونه صرخة اليأس
    و أشـــباح غابـــر من شــبابه
    لهفـة ً تسـرق الخطــا بين جفنيــه
    و حلمــا يمــوت فـــي أهدابـه
    و كما سمعتم أيها السادة لوعة و اكتئاب ( الذاوي – الشحوب – اليأس – انتحاب – يموت ) فلم كل هذا التشاؤم و السوداوية 0 بل اسمعوا ما كتب في آخر حياته :
    نسيم الليل كالآهات من جيكور يأتيني
    فيـُبكيني
    بما نفثته أمي فيه من وجد و أشواق
    تنفس قبرُها المهجورُ عنها ، تبرُها الباقي
    على الأيام يهمس بي:
    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    السياب

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الثلاثاء يوليو 21, 2009 12:59 pm

    على الأيام يهمس بي:
    (( ترابٌ في شراييني ))
    و دودٌ حيث كان دمي و أعراقي
    لن أعيد أيها السادة و ما سمعتم كفاية
    الدفاع : قد لا يكون الغني سعيدا و لكن الفقير شقي بكل المقاييس 0 و شاعرنا بما يملك من حسّ مرهف عميق و بما لاقى في حياته من ضيق ذات اليد و أيام جوع و فقر شديدين و بما كان يرى من أحوال أبناء العراق الشقيق من فقر و قهر و كيف تسرق خيرات الوطن و يسام أبناؤه العذابَ و الشقاءَ كيف تريد منه أن يغمض عينيه عن كل هذه الأمور و يغني و يرقص فرحا ، هذا لا يفعله إلا شخص مجرّد من عواطفه و إنسانيته ، هذا ما شاهده شاعرنا في العراق :
    عشرون عاما قد مضين ،وأنتِ غرثى تأكلين
    بنيك من سَغَبٍ ،وظمأى تشربين
    حليب ثديك وهو ينزف من خياشيم الجنين !
    وكزارع لهم البذور
    وراح يقتلع الجذور
    من جوعه وأتى الربيع فما تفتحت الزهور
    ولا تنفسّت السنابل فيه
    ليس سوى الصخور
    الاتهام : لك الحق في أن تسوّغ له كل أفعاله ، فهو موكلك و هذا دأبكم أيها المحامون ، لكن ماذا تنتظر من شخص مهزوز ممزق و هذا ما ظهر و بشكل واضح في شعره فقصائده متناقضة في موضوعاتها حتى إن هذا التناقض موجود داخل كل قصيدة من قصائده و نلاحظ وجود ازدواجية صارخة داخل أشعاره بين الخاص و العام و ازدواجية بين المبادئ و الهرب منها و أخرى بين الموت و الحياة و بين القرية و المدينة ، هذا التناقض الغريب سينتج بكلّ تأكيد مثل هذا الشعر :
    يقدمون النذور
    يحيون كل الطقوس
    و يبذرون البذور
    سيقان كل الشجر
    ضارعة و النفوس
    عطشى تريد المطر
    شـَدوا على كل ساق
    يا رب تمثالـَك
    فلتـَسق ِكل العراق
    فلتسق فلاحيك ، عمالك
    شـَدوا على كل ساق
    أواه ، ما شدوا ؟
    أواه ، ما سمروا ؟
    أغصان زيتوننا أثقلها الورد
    ورد الدم الأحمر
    الدفاع : منذ خلق الإنسان على هذه الأرض و هو يعيش صراعا شرسا داميا بين الخير والشر ّ ، و لأن الشاعر ما كان بعيدا عما يحدث في العراق و عن شدة هذا الصراع اليومي فقد نقله و بكل أمانة في شعره يقول :
    إني شببت مع الجياع ، مع الملايين الفقيرة
    فعرَفت أسرارا كثيرة
    كلَّ اختلاجات القلوب و كل ألوان الدعاء
    إغفاءة المقل الضريرة
    يتطلع الدم في ظلام جفونهن إلى الضياء
    و الحاملاتُ نذورَهن إلى قبور الأولياء
    الموقداتُ شموعَهن تلفّ ألسَنها الكثيرة
    كسرُ الرغيف و يعتصرن دمَ الثديّ إلى الدماء
    القاضي : لا نستطيع فصل الإنسان عن معاناته الشخصية و لا عن معاناة مجتمعه و بدر حين عبّر عن هذه الأوضاع بما تحمل من شقاء و بؤس لا يمكن أن يُلام و لكن ألا ترى يا أبا غيلان أنك قد بالغت في تصويرك للمآسي 0
    الشاعر : هذا ما كان يحدث في أرض العراق و لا أحب أن أذكرك بأن حياتي نفسها هي مثال لهذه التعاسة
    القاضي : و هل هناك حقا من يفرح بموت الآخرين ؟ و ما قصة حفار القبور ؟ أهي حقيقة أم من نسج الخيال ؟
    الشاعر : المشاعر فيها التشاؤم و فيها التفاؤل ، و خيال الشاعر يكون خصيبا في كليهما ، و ما قلته ليس فرحا بموت الآخرين و لكن ضيقا بالحياة القاسية :
    ما زلت أسمع بالحروب فأين أين هي الحروب
    أين السنابك و القذائف و الضحايا في الدروب؟
    لأظلَّ أدفنها و أدفنها فلا تسعُ الصحارى
    فأدس في قمم التلال عظامهن و في الكهوف
    فكأن قعقعة المنازل في اللظى نقرُ الدفوف
    أو وقعُ أقدام العذارى
    يرقصن حولي لاعبات بالصنوج و بالسيوف
    الاتهام : حضرة القاضي : أرى أن المحكمة قد أيدت ما ذهب إليه محامي الدفاع بأن السياب قد نقل الواقع بأمانة و بأنه لا يلام لأنه كان أمينا في ذلك ،و لكن بدرا فضلا عن كذبه فقد كان لصا محترفا و لم يعرف الأمانة في حياته و سرقاته الأدبية هي أكبر دليل على ذلك و لكنه كان لصا بارعا فقد اتجه اتجاه الغرب و سرق من شعرائهم ولو أنه سرق من شعراء العرب لانكشف أمره بسرعة و أصبحت فضائحـُه واضحة ً و لكنه بدأ ( بإليوت ) ثم بعد ذلك ( لوركا) و أخيرا و لفترة طويلة من ( إديث سيتول ) و من يرجع إلى شعره و يقارنه بأشعار هؤلاء الشعراء يدرك تماما هذه السرقات 0 و يرى الدكتور لويس عوض أن قصيدة ( رئة تتمزّق ) هي سرقة واضحة من الشاعر الإنكليزي ( كيتس ) من قصيدته ( أنشودة إلى بلبل ) و قصيدة ( اتبعيني ) سرقها من قصيدة الشاعر الإنكليزي ( شيلّـي ) ( اتبعيني 00 اتبعيني ) و على ذلك فقس 0
    الدفاع : سرقة و لصوصية ؟ هذا لا يجوز أن يستعمل في مجال الأدب فالناتج الإبداعي حين ينشر لا يبقى ملكا لصاحبه بل هو نتاج إبداعي للإنسانية جمعاء و حين يرد بعض التخاطر في المعاني بين شاعرين لا يدل هذا على سرقة ، و لعلمك يا أستاذ فإن بدراً حين كان يقتبس صورة شعرية أو معنى من المعاني من شاعر كان يضعه بين هلالين و كنت ترى في أسفل الصفحة هامشا يقول : هذا المعنى أورده الشاعر فلان بهذا الشكل و أوردته أنا بهذا الشكل ، فهل نعتبر هذا سرقة أدبية أم أمانة أدبية ؟ هذا ما أردت توضيحه
    الاتهام : بل قل كان معتادا على الاختلاس من الفكر الغربي لأنه درس في كلية التربية قسم اللغة الإنكليزية و اطلع على هذا الفكر و تمثـّلـَهُ ، لذا أراد أن يُثبت لنفسه و للآخرين أنه متفوق عليهم و أكبر منهم شأنا ، و ما هو إلا غرور و تكبر، و قد ظهر هذا الغرور جليا باعتماده الأسطورة بشكل كبير في شعره و كأنه يقول : أنا فقط من قرأت و فهمت ، أما أنتم أيها الناس فلا تعرفون شيئا عن الأساطير ، ألم يقل هذه الأشعار التي سأوردها الآن ؟ :
    إذا ما عاد من سفر إلى أهليه عوليس
    إذاً فشراعه الخفاق يذرع فائر الأمواج
    بما حَسَب الشهور و عذّ حتى هذّه البؤس
    فيا عوليس شاب فتاك ، مبسم زوجك الوهّاج
    غدا حطبا ففيم تعود تفري نحو أهلك أضلع الأمواج
    هلمّ فماء – شيني – بانتظارك يحبس الأنفاس
    ما هذا ؟ أهي قصيدة أم مجموعة ألغاز و هل هذا هو الشعر؟
    الدفاع : على هذه الأرض قامت أول الحضارات و من هذه الأرض بدأت الأبجديات الأولى و دوّن الإنسان أولى ملاحمِه و أساطيره على رُقـُمها و أحجارها ، فلماذا تنكر على شاعرنا أن يعود إلى تراث أجدادنا بما قدموا للإنسانية من كنوز الإبداع مسترجعا بعض هذه الرموز التي ما تزال تعيش في كلماتنا حتى يومنا هذا فمن منا لا يعرف عِشتار و فينوس و أسماءَ شهورنا ؟ أليست من هذا التراث فلماذا نعيب عليه عودته إلى الجذور ؟
    ردّي إلي الذي ضيّعتُ من عمري
    أيام لهوي و ركضي خلف أفراس
    تعدو من القصص الريفي و السمر
    ردي أبا زيد ، لم يصحب من الناس
    خِلا ًّ ًعلى السفر
    إلا و ما عاد
    ردي السندباد و قد ألقته في جزر
    يرتادها الرّخّ ريح ذات أمراس
    القاضي : يجب أن نفرّق بين التأثر و التناص و الاقتباس و بين السرقة و الانتحال و مع أن النتاج الفكري عام و إنساني فإن الإبداع خاص و ذاتي فمنذ القديم و العرب يحاسبون الشعراء على اعتمادهم على غيرهم و أخذهم منهم 0 ومع أن بدرا قد ذكر بعض اقتباساته وأشار إليها لكنه قد تأثر بأكثر من شاعر غربي و قد أخذ منهم بلا إشارة إلى ذلك و نحن مع إحياء التراث و اسم مجموعتنا لا اخضرار بلا جذور خير دليل على ذلك و لكن الإكثار من ذكر الأسماء و الأحداث التي وردت في الملاحم و الأساطير القديمة بسبب و بلا سبب يشتت فكر المتلقي و يسيء إلى الشعر و الشاعر بحيث يبعده عن فهم شعره من قبل متابعيه 0 إذا كان من تهم جديدة فأوردها يا ممثل الاتهام ؟ 0
    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    السياب

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الثلاثاء يوليو 21, 2009 1:03 pm

    الاتهام : شكرا لك على ما أظهرت من حقائق يا حضرة القاضي ، لقد زاد المتهم من تعاليه على الناس و غروره و تكبره حينما أوغل في الرمزية حتى وصلنا إلى مرحلة نقرأ فيها قصائده و كأننا نقرأ كلمات غريبة لا نستطيع لها فهما و لا تأويلا :
    و ترسل النواحَ يا سنابل القمر
    دم ابنيَ الزجاجُ في عروقه انفجر
    فكهرباء دارنا أصابت الحجر
    و صكـّهُ الجدار خضّه ، رماه لمحة البصر
    أراد أن ينير ، أن يبدد الظلام 00 فاندحر ))
    فو الله لم أفهم شيئا مما قال ، ما هذا الكلام و أي معنى له و من سيستطيع أن يفك رموز هذه الطلاسم ؟
    الدفاع : حين تصبح الكلمة طريقا إلى السجن و التعذيب فلا بد من سبيل آخر و هذا ذكره بدر في مؤتمر روما حيث قال : (( لقد عمدنا إلى الرموز لنخفيَ تذمرنا من الأوضاع السياسية و الاجتماعية السائدة في العالم العربي ، حيث انعدمت الحرية )) و قد أوضح بدر السبب الرئيس للجوء إلى الرمزية بقوله أيضا :
    و لنبق في الديجور
    كي لا ترانا نمور
    تجوس في الظلماء لترجم الأحياء
    من غابة في السماء
    بالصخر و النار
    و تستبيح القبور
    و لا أظن أحدا من الحضور الكريم لم يعرف من هم النمور و ماذا يفعلون في هذا المقطع الذي أوردته0
    القاضي : نحن لا ننكر أن بعض أنظمة الحكم العربي قد اضطرت الشعراء للجوء للرمز أحيانا و لكننا ننكر الإيغال في الرمز حتى يصبح َ بعيدا عن الفهم إلا أنّ بدرا بقي في رمزيته واضحا و بسيطا و لم يكن كغيره ممن نتحدث عنهم 0 هل فرغت كنانتك من السهام يا ممثل الاتهام 0
    الاتهام : هو سهم واحد و أخير يا حضرة القاضي ، فكما قلت سابقا : الشعراء هم روّاد هذا المجتمع و عليهم أن يقدموا لنا أنفسهم بوجه واحد و ليس بوجوه متعددة كما فعل المتهم ، فقد بدأ كلاسيكيا تقليديا عندما كان في قريته و في بداياته الأولى ثم رومانسيا في مجموعته الأولى ( أزهار و أساطير) ثم واقعيا جديدا ممزوجا بالرومانسية ثم رمزيا سورياليا و انتهى في آخر المطاف رومانسيا ممزوجا بالواقعية و لا أجد تعريفا يليق به أصدقَ من تعريف صديقه أنسي الحاج حيث يقول : (( جاهلي بدوي فولكلوري خرافي أنكلوسكسوني على واقعي هَجّاء و رَثـّاء مَدّاح بَكـّاء )) فهذا أصدق تعريف كاريكاتوري لبدر و السلام عليكم 0
    الدفاع : (( ليس يعيب على السياب السير على مناهج عدةِ مذاهب لأنه لا يحتـّم على الفنان أديبا و رساما و نحاتا أن يدين بمذهب فني واحد و إلا حكمنا عليه بالجمود بل الفنان الحق هو الذي يستطيع أن يخوض في كل اتجاه كالرسام البارع الذي يرينا في كل لوحة يبدعها مذهبا و مدرسة و إبداعا ))0 و الكلام الذي هو سبق للدكتور محمد التونجي في دراسة له بعنوان ( بدر شاكر السياب و المذاهب الشعرية ) خير ردّ على اتهامك يا ممثل الاتهام و أضيف : لقد كان رومانسيا معذبا لأنه كان واحدا من أبناء شعبه و ألمه جزء من آلامهم و قد بقي حتى آخرَ حياته يحمل أمل الغد من خلال واقعيته الجديدة و إن تنكر لها كمفكر ، إلا أنها لازمته كمبدع و سأذكر واحدة ً من أواخر قصائده يقول فيها :
    أحبيني إذا أ ُدرجت في كفني 00 أحبيني
    ستبقى - حين يبلى كل وجهي – كل أضلاعي
    و تأكل قلبيَ الديدان ، تشربه إلى القاع
    قصائدُ كنت أكتبها لأجلك في دواويني
    أحبيها 00 تحبيني
    القاضي : لا نستطيع أن نفرض على الشاعر أن يكون شعرُه ُعلى مذهب شعري واحد و إلا أصبحنا ندخل في قضاياه الشخصية و الذاتية بل نحكم على كل قصيدة و من خلالها على مجموع إبداعه 0 هل انتهيت من اتهاماتك يا ممثل الاتهام ؟
    الاتهام : أجل حضرة القاضي و شكرا على سَعَة صبركم و رحابة صدركم إلا أنني أطالب محكمتكم بالإدانة الكاملة لبدر شاكر السياب في اتهاماتي السابقة التي أيدتها بالأدلة الدامغة 0
    القاضي : إن المحكمة ستعطي كل ذي حق حقه 0 هل لديك ما تريد قوله يا أبا غيلان ؟
    الشاعر: أجل أريد أن أدخل إلى محراب الله بهذه الكلمات :
    أودّ لو أنام في حماك
    دثاري َ الآثام والخطايا
    ومهدي َاختلاجة البغايا
    تأنف أن تمسّني يداك
    أود لو أراك ....من يراك
    أسعى إلى سدتك الكبيرة
    في موكب الخطاة والمعذبين
    صارخة أصواتنا الكسيرة
    خناجراً تمزق الهواء بالأنين
    وجوهنا اليباب
    كأنها ما يرسم الأطفال في التراب
    القاضي : و أنت يا محامي الدفاع هل لديك ما تضيفه ؟
    الدفاع : أجل حضرة القاضي ، إن شاعرنا بدر شاكر السياب حالة إبداعية متميزة وجدت على الساحة الأدبية و بالرَّغم من عمره القصير فقد قدم شكلا فنياً متميزا من أشكال الإبداع الشعري التي وجدت خلال تاريخنا العربي و بالرَّغم من ضآلة جسمه فقد كان قامة شعرية عالية في سماء الوطن العربي و لكن الموت لم يمهله ليكمل ما بدأه فقد تسرب المرض إليه في سنوات عمره الثلاث الأخيرة شيئا فشيئا و بدأ بشلل في ساق ثم امتد إلى الساق الأخرى و أصبحت حياته انتقالا من سرير إلى سرير و من مشفى إلى مشفى في لندن و بيروت و بغداد و أخيرا و في المشفى الأميري في الكويت و في الرابع و العشرين من كانون أول عام أربعة و ستين و تسعمئة و ألف سلم بدر روحه لبارئها و في اليوم التالي دارت جنازة بدر في البصرة تبحث عن بيت لتخرج منه فلم تجد و أخيرا خرجت من المسجد و ووري الثرى بالقرب من ضريح الحسن البصري 0 رحم الله بدرا فقد عاش حياته معذبا و مات شابا 00 و شكرا 0
    القاضي : ترفع الجلسة الآن للنطق بالحكم 0
    الحكم
    باسم الأدب والأدباء ......
    .وتحت شعار لا اخضرار بلا جذور
    تقرر المحكمة ما يلي :
    إن موضوع كل أدب جيد هو الصراع الأبدي بين الإنسان وقوى الشر ....وكان الأدب وما يزال سلاحا من أسلحة الإنسان في هذه المواجهة وإحدى الأدوات التي شق ويشق بها طريقه نحو حياة أفضل
    ولما كان العرب بحاجة الى شعر واقعي يواجه مشكلاتِهم ويعالجها بطريقة خلاقة جديدة, و إلى شاعر يكتب قصائد تمجّد بطولة الذين يجاهدون في سبيل الحرية والعدل والسلام ,فقد أراد السياب أن يكون ذلك الشاعرَ الذي يرفع لواء التجديد والإبداع وسعى الى ذلك منطلقا من إيمانه بحق قضيته الذي لم يفتـُر قط . و وقف حياته على نصرة هذه القضيه ونال من اجلها الملاحقة والتشريد ،وظل الأجملُ فيه شغفه بالجديد وانفتاحَ صدره على المدهش والمستحيل من كل شيء ,فعاش كأنما الى الأبد شروقا يلاحقه الغروب ،كما ظل يُـنـشِد أناشيد الأمل والخلاص وكانت غايته أن يتخطى الحاضر برؤيا المستقبل وأن يتحمل آلام المخاض مترقبا ولادة جديدة وأن يذوق الموت بإيمان وطيد بالانبعاث والحياة الفضلى
    و ربما تحوّلت اهتماماته أو مرّت حماسته بلحظات من الضعف يمر بها كل البشر في مواجهة الشدائد ...وبين الحب والحياة والظروف القاسية ظل بدر يضطرب على بحر من العواطف ويتمرغ في مواقفه متشبثا بالحياة ومفتشا عن ميناء الخلاص بلا نجاح
    وكما ارتاب في عواطفه تقلب في مذاهبه الأدبية بين الواقعية والواقعية الجديدة والرومانسية والرمزية .... و مع إقرارنا له بالريادة في التجديد والإبداع .والموهبة القوية الصافية التي كانت تقيه خطر السقوط في جفاف العاطفة وفقدان العفوية وبهلوانية التعبير . فقد ظل آخرُ بيت من شعره كأول بيت زاخرا متدفقا مما أوقعه في خطر الإسراف في رصف المعاني والصور والعبارات الاعتراضية والرموز الأسطورية والانشغال بمواضيعَ شخصية مثل ِ تجربة الحب ومسراته القليلة وفشله الذريع وتجربة المرض العضال المهدد بالموت وإذلاله الأليم وآماله الكاذبة ويأسه المأساوي لتجعل نتاجه تجسيدا كلاميا لأعماق الروح وأغوارها السحيقة بالنسبة لسر الوجود 0
    ومما يحسب له انه كان صابرا كأنه أيوب . شكا من ساقيه ثم تباطأ بهما ثم حملهما بدل أن تحملاه الى يومه الأخير 0
    قرارا وجاهيا قابلا للطعن عن طريق النقد والمناقشة............ صدر وافهم علنا

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء سبتمبر 19, 2017 11:30 pm