مجموعة لااخضرار بلا جذور


    ابن زيدون

    شاطر
    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    ابن زيدون

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الخميس يونيو 18, 2009 12:32 am

    لا اخضرار بلا جذور
    =================
    مجموعة من مدرسي اللغة العربية في ثانويات معرتمصرين – محافظة ادلب أطلقت على نفسها ( مجموعة لا اخضرار بلا جذور ) الأدبية .
    عشقت الأدب وعملت على خدمة لغتنا العربية الجميلة بالكشف عن كنوز أدبها الدفينة والمتجددة وربط الماضي بالحاضر والمستقبل ونبش التراث الأدبي القيم المنقوع في بطون الكتب وعلى رفوف المكتبات ونفض البلى والغبار عنه وتقديمه للناس بأسلوب ممتع شيق يبعد الملل ويقدم المتعة والفائدة بحوار أدبي يعتمد الرأي والرأي الآخر ويخرج عن أسلوب المحاضرة الإلقائي ولا يصل إلى العمل المسرحي بل حوار مفتوح يترجم فيه المتحاورون الموضوع الذي يتناولونه ( شاعر , أديب , قضية أدبية , مناسبة قومية ) ويستعرضون ما له وما عليه وما قاله لنقاد والعارفون فيه سلباً أو إيجاباً ويوردون الكثير من الشواهد الشعرية والنصوص الأدبية في جلسة محكمة نقد أدبية فيها قاض ومحام للدفاع وممثل للاتهام ويستدعى إليها الشاعر المتهم ( موضوع الجلسة ) بزي زمانه ويفضل أن يكون من الشخصيات الاشكالية وتلقى عليه التهم على لسان ممثل الاتهام وهي كل ما أثير حول المتهم من سلبيات تمس شخصه ونتاجه بأدلة من أقوال النقاد وبراهين من نتاجه , ويتولى محامي الدفاع الدفاع عنه بدفوع فيها الكثير مما له من إيجابيات ومواقف ذكرها النقاد والدارسون مؤيدة بالأجود من نتاجه ومعززة بلسان المتهم في دفاعه عن نفسه شعراً أو نثراً وقد يحتاج الأمر إلى شهود يدلون بشهاداتهم مع المتهم أو ضده أما رأي المجموعة النقدي فهو ما جاء على لسان القاضي وما نطق به قرار المحكمة , وهو عبارة عن خلاصة هذا الجدال الممتع بلغة فصيحة سليمة ولفظ دقيق معبر يشد السامعين إليه ويعرفهم بموضوع الجلسة ويغنيهم عن الرجوع إلى مئات الصفحات , في زمن كسدت فيه الثقافة وقلت القراءة والقراء , وزمن لا يقل عن ساعة ولا يزيد عن ساعتين .
    أسس هذه المجموعة
    الجيل الأول من الزملاء : مصطفى الحلبي , رائد السيد أسعد , عبد الغني عون , محمد واكد رزوق , وشاركهم في تقديم بعض الأعمال عدد من الزملاء مثل : زكريا اصطيف , معن اسماعيل , عبد الرحمن جبان , محمد خالد الخالدي .
    وهي مستمرة
    بجيل ثان من الزملاء : محمد واكد رزوق , أسامة يازجي , مازن عون , فائز عبدان .
    تناول الجيل الأول بالدراسة والتقديم كلاً من : أبي نواس , المتنبي ، المعري , التقليد والتجيد , شعراء النقائض , أحمد شوقي , ابن زيدون , المعتمد بن عباد , نزار قباني , وغيرهم , إضافة إلى أعمال أدبية قومية ووطنية مثل : لقاء السيوف , أغنيات للوطن , غضبة الأقصى , قالت العرب , الميلاد الذهبي . عرس الشهادة
    وتناول الجيل الثاني بالدراسة والتقديم كلاً من : أبي فراس الحمداني , جبران خليل جبران , عمر بن أبي ربيعة – بدر شاكر السياب .
    وقد قدمت هذه المجموعة أعمالها في المراكز الثقافية في القطر العربي السوري ولقيت مزيداً من الاهتمام والحضور والتشجيع من القيادات السياسية والادارية ووسائل الاعلام في القطر ونأمل مزيداً من الرعاية . والله ولي التوفيق .
    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    رد: ابن زيدون

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الخميس يونيو 18, 2009 12:34 am

    الشاعر: يدخل منشداً:
    أضحى التنائي بديلاً من تدانينــا وناب عن طيب لقيانا تجافينــا
    غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا أن نغصَّ فقال الدهر : آمينــا
    بنتم وبنّا فما ابتلّت جوانحنـــا شوقاً إليكم ولا جفَّت مآقيــنا
    نكاد حين تناجيكم ضمائرنـــا يقضي علينا الأسى لولا تأسّينــا
    لا تحسبوا نأيكم عنّا يغيرنــــا
    إذ طالما غيّر النأي المحبينـــا
    ليُسق عهدكم عهد السرور فمـا كنتم لأرواحنا إلاّ رياحينـــا
    يا ساري البرق غاد القصر فاسق به
    من كان صرف الهوى والودّ يسقينا
    ويا نسيم الصبا بلّغ تحيتنــــا
    من لو على البعد حيّا كان يحيينــا

    يدخل محامي الدفاع ويوجه الخطاب للشاعر:
    الدفاع:
    مرحباً بك يا أبا الوليد ، حللتَ أهلاً ووطئتَ سهلاً 0
    الشاعر:
    مرحباً بك من أنت يا أخي ؟ لا أعتقد أنّي قابلتك يوماً ! هل أنت قرطبي ؟ دعني أخمن 0000 ربّما كنتَ من اشبيليّة ، إنّي لأشتمُّ فيك روائح الأندلس0!
    الدفاع
    أنت لم تلقني أبداً أيّها الشاعر العربي الذي ذاع صيته في كلّ الأزمنة ، إنّني محامٍ انتدبتني المحكمة للدفاع عنك
    0
    الشاعر
    وهل أنا متّهمٌ بشيء جديد؟ لقد مللت السجون ، وكرهت المطاردة في أرض الله الواسعة فبماذا تتهموني الآن؟
    الدفاع
    اطمئن يا أبا الوليد فمحكمتنا أدبية الصفة ، نقديّة المعالجة ، هدفها الكشف عن مكنون هذا الذخر الأدبي الرائع وتقديمه إلى جمهور زماننا بعد أن بَعُدَ الزمان بيننا وبينك أكثر من ألف عام0
    الشاعر
    يا الله ما أروع أن يبعث المرء على صفحات كتاب أو في قصيدة شعر ليعيش بعد ألف سنة وكأنّه لا يزال يحيا!
    الدفاع
    تفضّل بالجلوس ريثما يحضر بقيّة أعضاء المحكمة ، واعلم أنّك قد نزلت فينا ضيفاً غالياً0
    الشاعر
    بارك الله بك
    - تدخل هيئة المحكمة – يأخذ القاضي والاتهام مكانيهما –
    القاضي
    بسم الله تبدأ الجلسة0000 أين المتّهم أحمد بن عبد الله بن زيدون؟
    الشاعر
    أنا هنا أيّها القاضي المحترم0

    القاضي
    مرحباً بك يا أبا الوليد ، مما لا شكَّ فيه أنَّك تعرف لم استحضرناك إلى هذه القاعة من عمق الذاكرة إلى صحو العيان؟
    الشاعر
    حسبتُ أنّي سأجد الجند شاكي السلاح يرحبون بي ، والرايات تخفق فوق هامات الرجال كما كنت في وزاراتي وسفاراتي 0
    القاضي
    كلٌّ ذلك غدا أثراً بعد عين ، ولم يبق من ضجيج الأمس إلآّ عصارة الفكر وبوح النفس تتلاطم في أمواج العواطف على شطآن الحبيب0
    الشاعر
    إذن فلقد متُّ بيتك وزيراً وسفيراً ووجيهاً وعشتُ بينكم شاعراً محبّاً وعاشقاً مولهاً؟
    القاضي
    هو ذاك أيّها الشاعر الكبير ، والآن عرّفنا بنفسك؟
    الشاعر
    أنا أحمد بن عبد الله بن غالب بن زيدون المخزومي المولود في قرطبة عام 355 للهجرة0
    القاضي
    هل يمكن أن تعطينا لمحة موجزة عن حياتك؟
    الدفاع
    إذا سمح مقام المحكمة فقد أعددت في مرافعتي تعريفاً بشاعرنا العربي الكبير ابن زيدون ،إن شئتم تلوته على مسامعكم 0
    القاضي
    تفضّل يا محامي الدفاع0
    الدفاع
    في قرطبة البلد الأندلسي الرائع الجمال ولد ابن زيدون لأبٍ جليل وأمٍّ فاضلة ، فأبوه فقيه قرطبة وعالمها هو عبد الله بن زيدون المخزومي الذي اتّصف بالنباهة والمعرفة باللغة والأدب0 وأمّه الحنون سيّدة جليلة هي ابنة القاضي أبي بكر محمد بن ابراهيم القيسي ، عاش طفولة مترفة في حياة والديه ، لكنَّ القدر لم يترك هذا الصفاء يدوم 0 فمات الأب والشاعر في الحادية عشرة من عمره ، وكان اليتمُ أولَ محنة يُمتحن بها في أوّل حياته0
    عاش في كنف جدّه لأمه يتزوّد من مختلف ألوان الثقافة بزاد واسع ومرّت الأيّام وابن زيدون الشاب يصعد نجمه ويتألّق حظه وترتفع في دوائر الثقافة والأدب منزلته يوماً بعد يوم0
    الشاعر
    أرى أنّك تعرف عنّي كلَّ شيء أيّها المحامي الجليل ، فمن أين وصلتك أخباري وأنت لم تعش زماني ؟
    الدفاع
    الحق معك فأنت لم تقرأ ما كتبوا بعد رحيلك وحتى اليوم0

    الشاعر
    أرجو أن يكون ما كتبوه مقارباً للحقيقة غير مدموغ بأقوال الوشاة وكيد الحاسدين0
    الاتّهام
    أجل لقد كتبوا كلَّ شيء ، وسمحوا لأنفسهم بأن يشرّحوا حياتك وشعرَكَ وعلاقاتِكَ بالآخرين ، حتّى محبوبتك ولاّدة الغالية لم تسلم من هذا التشريح ، أكنتَ تريد منهم أن يُخفوا عن الناس ما كنتَ فيه ؟ أوَ تظنّهم يمالئونك فلا يُظهرون الحقيقة؟؟
    الشاعر
    ومن أنت الآخر ؟ أحسُّ في لهجتك العداء والتشفّي0
    القاضي
    اهدأ يا أبا الوليد ، هذا ممثّل الاتّهام ، وهو الذي سينقّب عن التُهم التي سيرميك بها وما عليك أنت ومحاميك إلاّ أن تنتصرا عليه 0
    الشاعر
    يا سبحان الله ! أعداءٌ هنا وأعداءٌ هناك ، كان الله في عوني0
    الدفاع
    كن مطمئنّاً يا أبا الوليد فلن أدع سهام ممثل الاتهام تصل إلى صدرك وفي يدي قلم وفي حنجرتي صوت 0!
    الشاعر
    ما أحلى أن يجد المرء من يدافع عنه ، شكراً لك0
    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    رد: ابن زيدون

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الخميس يونيو 18, 2009 12:35 am

    الاتّهام
    حضرة القاضي أودّ أن أسأل المتهم ( يقاطعه القاضي)
    القاضي
    تمهّل يا ممثل الاتهام ، ودعنا نرتب أوراقنا ونبدأ في حيثييات الدعوى 0 سأسأل المتّهم أولاً : ما علاقتك ببني جّهْوَر؟
    الشاعر
    كنت وزيراً عند أبي الحزم بن جهور وصديقاً لولده ولي العهد أبي الوليد0
    الاتّهام
    وهل مكانك هذا من وزارة وصداقة يبيح لك أن تخون مولاك وتتآمر عليه لتطيح بحكمه وتعيد حكم بني أميّة إكراماً لعيني محبوبتك ولاّدة بنت المستكفي ؟ أهذا جزاء الإحسان؟
    الدفاع
    هذا بهتان وتلفيق يا حضرة القاضي حاكه أعداء الشاعر ومَن يحسدونه في المكانة وفي حبّ ولادة أيضاً 0
    القاضي
    وما قصّة ذلك الحب الذي تتحدثان عنه ؟
    الاتّهام
    حبّ مصلحة يا حضرة القاضي ، أراد الشاعر أن يكمل به ما ينقصه من وجاهة اجتماعيّة ومكانة مرموقة بين السادة عن طريق هذه الآنسة الحسيبة والجميلة صاحبة المنتدى الأدبي الراقي ولاّدة بنت المستكفي الخليفة الأموي المخلوع والتي يصفها بقوله:
    ربيبُ ملْكٍ كأنَّ اللهَ أنشأهُ
    مسكاً وقدَّرَ إنشاءَ الورى طينا
    إذا تأوّد آدته رفاهيـــةٌ
    توم العقود وأدمته البُرى لينـا
    كأنَّما أَثبتت في صحن وجنته
    زُهرُ الكواكب تعويذاً وتحسينا
    ولكنّه لا ينسى أنّها تفوقه شرفاً وجاهاً فيقول:
    ما ضرَّ إن لم نكن أكفاءهُ
    شرفاً وفي المودة كافٍ من تكافينا
    إذن فالشاعر يسعى من وراء هذه العلاقة لاستكمال شرفٍ ينقصه ومنزلةٍ يسعى إليها لا من أجل الحبِّ والعواطف اللاهبة0
    الدفاع
    إنني لأعجب يا حضرة القاضي كيف تُزور الحقائق فإذا بالعواطف السامية التي هي هبة السماء تنقلب إلى زيف ومصالح !!
    أيّها السادة : لقد أحبّ الشاعر ولاّدة حباً ملك عليه حياته ، فهي الأميرة الوضيئة الشابة والتي تمتلك قدراً من الحريّة الاجتماعيّة يجعلها محطَّ أنظار العديد من الشخصيات 0
    كما أحبّت ولاّدة ابن زيدون وهو الشاب الوسيم النبيل والسياسي الطموح وأصغر وزير في دولة بني جهور ، فكيف لا يهفو إليه قلبها وقد اجتمعت فيه كلُّ هذه الصفات ، لقد نشأ بينهما حبٌّ جعلهما من أشهر العشّاق في تاريخ الأندلس0
    إنّ من يدرس حياة هذين العاشقين يجد عاطفة صادقة ربطت بينهما خلال ثلاثين عاماً ظلَّ العاشقان ينهلان من معين لا ينضب وفي ذلك يقول الشاعر:
    ما ضرَّ لو أنَّك لي راحمُ
    وعلَّتي أنت بها عالمُ
    يهنيك يا سؤلي ويا بغيتي
    أنَّك مما أشتكي سالمُ
    تضحكُ في الحبِّ وأبكي أنا
    اللهُ فيما بيننا عالـمُ
    أقولُ لمّا طار عنّي الكرى
    قولَ معنّىً قلبُهُ هائـم
    يا نائماً أيقظني حبّــهُ
    هب لي رقاداً أيُّها النائمُ
    الاتّهام
    أيُّ حبٍّ هذا الذي يتحدث عنه محامي الدفاع؟!
    لقد كانت ولاّدة فتاةً لها أهدافٌ سياسيّة بعيدة ، لم تكن تنشد الحب ، بل كانت تنشد تدبير المؤامرات من أجل بعث الخلافة الأمويّة من جديد وقد وجدت في ابن زيدون الوزير بلا وزارة عوناً لها على تحقيق مآربها السياسيّة في استعادة عرش الأمويين الذي هوى وكما أنّ ابن زيدون كذلك كانت له مآربه السياسيّة البعيدة فهو الذي كان يرجو الكثير من بني جَهوَر لكنّهم سمّوه وزيراً دون أن يسندوا إليه أيَّ عمل 0
    يقول في قصيدة يمدح فيها أبا الحزم بن جهور ويلمّح لأطماعه وغاياته يقول:
    مقامي في جواركمُ الذليلُ
    وحدّي في رجائكمُ الكليلُ
    نصيبٌ من ولايتكم كثيرٌ
    وحظٌ من عنايتكم قليـلُ
    أتحيا أنفسُ الآمال فيكم
    ولي أثناءها أملٌ قتيــلُ؟
    وأعجبُ حادثٍ نظري إليكم
    إلى غلل النجاح وبي غليلُ
    إذن فالطمع وحده هو همُّ الشاعر ، والمصلحة هي مأربه الذي به يشفي الغليل وليس الحبَّ العذريَّ الذي يتحدث عنه محامي الدفاع 0

    الدفاع
    هكذا يحلو لممثل الاتهام دائماً أن يبحث عن تهمة ، أيَّة تهمة ليقذفها في وجه موكلي دونما دليل إلاّ الوهم الذي يحوكه والباطل الذي ينسجه0
    من منّا أيّها السادة لا يحفظ الكثير من أروع أشعار الغزل العذري للشاعر ابن زيدون في حبّ ولاّدة ؟ أما هو القائل:؟
    أيوحشني الزمانُ وأنتِ أُنسي ويُظلمُ لي النهارُ وأنتِ شمسي
    وأغرسُ في محبّتكِ الأمانـي
    فأجني الموتَ من ثمرات غرسي
    ولو أنَّ الزمان أطاع حكمي فديتُكِ من مكارهه بنفسي
    وهو الذي يحاول جاهداً أن يكتم الحبَّ على طريقة العذريين مخافة أن يؤذي باشتهاره محبوبته فيقول:
    أنتِ الحياةُ فإن يُقدَر فراقكِ لي فليُحفَرِ القبرُ أو فليُحضَرِ الكفنُ
    واللهِ ما ساءني أنّي خَفِيتُ ضنىً بل ساءني أنَّ سرّي بالضنى علنُ
    لو كان أمري في كتم الهوى بيدي
    ما كان يعلمُ مـا في قلبيَ البدنُ
    وهوالذي عاهد ولاّدة على صيانة الحب فقال:

    سأقنعُ منكِ بلحظ البصرْ
    وأرضى بتسليمكِ المختصرْ
    وأحذرُ من لحظات الرقيبِ
    وقد يُستدامُ الهوى بالحـذرْ
    فهل يستطيع أن ينكر هذا الحبّ إلاّ مكابر؟!



    القاضي
    حقاً إنّه لشعرٌ عذبٌ يدلُّ على روحٍ عاشقةٍ وعاطفةٍ نبيلة 0 يا أبا الوليد أنا أعلم أنَّ العشّاق يحبّون أن يتحدثوا عن حبّهم ومحبوباتهم ، فهل لك أن تحدثنا بشيء من ذلك ؟
    الشاعر
    آه يا حضرة القاضي والله لقد حرّكت كوامن الوجد بكلماتك وبعثت بعد طول انتظار ذكرى كادت أن تدخل في غياهب النسيان0
    القاضي
    أيُّ نسيانٍ ونحن لا نزال نردد:
    ودَّعَ الصبرَ محبٌّ ودَّعك
    ذائعٌ من سرّه ما استودعك
    يقرعُ السنَّ على أن لم يكن
    زاد في تلك الخطا إذ شيَّعك

    يا أخا البدر ثناءً وسنــا
    حفظ الله زماناً أطلعــك
    إن يطُل بعدك ليلي فلكم
    بتُّ أشكو قصر الليل معك
    الشاعر
    يا لتلك الأيام كم كانت بهيجة وذلك الحبّ كم كان طاغياً ، إنّني ما زلت أذكر طعم لقائنا الأول يوم كتبَتْ إليَّ قائلة:
    ترقَّب إذا جنَّ الظــلام زيارتي فإنّـي رأيت الليل أكتــم للسرِّ
    وبي منك ما لو كان بالبدر ما بدا
    وبالشمس لم تسطع وبالنجم لم يسرِ
    وذهبت في الموعد المحدد إلى المكان المتّفق عليه فلمّا طوى النهار كافوره ، ونشر الليل ديجوره ، أقبلت بقدٍّ كالقضيب ، وردفٍ كالكثيب ، وقد أطبقت نرجس المقل ، على ورد الخجل ، فملنا إلى روض مدبّج وظلٍّ سجسج وقد قامت رايات أشجاره ، وفاضت سلاسل أنهاره ، ودرُّ الطلِّ منثور ، وجيب الراح مزرور ، فلمّا شببنا نارها ، وأدركت فينا ثارها ، باح كلٌّ منّا بحبّه ، وشكا ما بقلبه ، وبتنا بليلة نجني أقحوان الثغور ، ونقطف رمّان الصدور 000
    يا لها ليلة تجلّى دجــاها
    من سنا وجنتيه عن ضوء فجر
    قصَّر العمرُ وصلها وبودي
    أن يطول القصير منها بعمري
    القاضي
    الله ! ما أحلى هذا النور الذي يشع من وجه الحبيب فيزيح الظلام 0 هلاّ زدتنا من هذه الأشعار يا أبا الوليد ؟
    الشاعر
    حبّاً وكرامــــة:
    ما للمدام تديرها عينــاكِ
    فيميلُ من سكر الصبا عطفـاكِ
    هلاّ مزجت لعاشقيكِ سلافها
    بِبَرودِ ظَلمكِ أو بعذب رضـاكِ
    ولطالما اعتلَّ النسيم فخلتـه
    شكوايَ رقَّت فاقتضت شكواكِ
    أمّا منى نفسي فأنتِ جميعهـا
    يا ليتني أصبحت بعض منــاكِ
    الدفاع
    هكذا حياة العاشقين ، عواطف لاهبة ونفوسٌ ترقّ تكاد أن تذوب عشقاً وهياما ، ولكنّ الكائدين وحسد الحاسدين استطاع أن يؤرق بالهم ويعكّر صفو حياتهم وينغّص عليهم لحظات السعادة فإذا بالودّ يغدو جفاءً وإذا بالقرب يتحوّل بعداً ، يقول الشاعر:

    بيني وبينك ما لو شئت لم يضعِ
    سرٌّ إذا ذاعت الأسرار لم يذعِ
    يا بائعاً حظّه منّي ولو بذلـت
    لي الحياةُ بحظّي منه لم أبــع
    تِه أَحتَمِل واستطل أَصبِر وعِزَّ أَهُن
    ووَلِّ أُقبل وقل أَسمع ومُر أُطعِ
    القاضي
    ولكن ألم تستطع يا بن زيدون أن تصلح ما فسد وتجبر ما انكسر وتعيد أيّام الوداد؟
    الشاعر
    كنت أتمنّى أيّها القاضي الفاضل أن تسألني أولاً عن سبب هذا الخصام ،ولو سألتني لقلت لك وأنا صادق إنّني لا أعرف سبباً لكلّ هذا الصدِّ والازورار لقد انقلبت من قطّة أليفة إلى ذئبة شرسة ولم تترك للصلح مكاناً وإمعاناً منها في الكيد لي وإيلامي أقامت علاقة مع عدوّي اللدود في بلاط بني جهور الوزير ابن عبدوس وصارت تتحرّش به لتجذبه إليها وأعتقد أنّ الوشاة والحسّاد قد لفّقوا لها كلاماً على لساني كان سبباً في غضبها وثورتها وقد حاولت مراراً وتكراراً إعادة المياه إلى مجاريها فلم أنجح وحتّى بعد رحيلي إلى اشبيليّة بقيت محافظاً على الودّ وكنت أرسل لها القصيدة تلو القصيدة تعبيراً عن وفائي لها ولكن دون جدوى ، وقد جئت مرّة متخفياً إلى حدائق الزهراء وتذكرت الأيّام الحلوة الجميلة التي قضيناها معاً وكتبت هذه الأبيات وأرسلتها لها :
    إنّي ذكرتـك بالزهراء مشتاقا
    والأفق طلقٌ ووجه الأرض قد راقا
    وللنسيم اعتلالٌ في أصائلـه
    كأنّه رقَّ لي فاعتلَّ اشفاقـــا
    والروض عن مائه الفضيِّ مبتسمٌ
    كما شققت عن الّلبات أطواقـا
    يوم كأيام لذّاتٍ لنا انصرمت
    بتنا لها حين نام الدهر سرّاقــا
    كأنَّ أعينه إذ عاينت أرقــي
    بكت لما بي فسال الدمع رقراقـا
    لا سكّن الله قلباً عنَّ ذكركم
    فلم يطر بجناح الشوق خفّاقـا
    لو شاء حملي نسيم الصبح حين سرى
    وافاكم بفتىً أضناه ما لاقى
    الاتّهام
    لماذا دائماً ياحضرة القاضي نلقي باللاّئمة على الحاسدين والوشاة وننسى أن الأفعال تقود إلى النتائج ، ألم يسخر الشاعر مرّة من شعر ولاّدة ؟ ألم يظهر إعجابه بجاريتها عتبة مستخفّاً بمشاعرها عندما أظهر إعجابه بلحن شدت به عتبة فطلب منها إعادته ، فلم يكن من ولاّدة وقد أغضبها تصرّفه إلاّ أن زجرت جاريتها وخرجت غاضبة وفي ذلك يقول الشاعر :
    وما ضربت عتبى لذنبٍ أتت به
    ولكنّما ولاّدةٌ تشتهي ضربي
    فقامت تجرّ الذيـل عاثرةً به
    إن الغيرة أقسى ما يشعل المرأة ويجعلها عدائية التصرفات فكيف إذا بلغت الغيرة حدّاً مرضيّاً ، ألم تخاطبه يوماً مصرّحة بتلك الغيرة فتقول:
    أغار عليك من عيني ومنّي
    ومنك ومن زمانك والمكان
    ولو أنّي خبأتك في عيوني
    إلى يوم القيامة ما كفانـي
    لقد كان حريّاً به وهو يعرف عنها هذه الغيرةَ القاتلة أن لا يشعلها بمغازلته لجاريتها حتى جعلها تقول مخاطبة إيّاه:
    لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا
    لم تهو جاريتي ولم تتخيّـــر
    وتركت غصناً مثمراً بجمالــه
    وجنحت للغصن الذي لم يثمر
    ولقد علمتَ بأنّني بدر الدجـى
    لكن دهيتُ لشقوتي بالمشتري
    إذن ما ذنب الوشاة والحاسدين ؟ أليس ما أصاب الشاعر من هجر يجعلنا نقول له
    (( يداك أوكتا وفوك نفخ))
    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    رد: ابن زيدون

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الخميس يونيو 18, 2009 12:36 am

    الاتّهام
    حضرة القاضي أودّ أن أسأل المتهم ( يقاطعه القاضي)
    القاضي
    تمهّل يا ممثل الاتهام ، ودعنا نرتب أوراقنا ونبدأ في حيثييات الدعوى 0 سأسأل المتّهم أولاً : ما علاقتك ببني جّهْوَر؟
    الشاعر
    كنت وزيراً عند أبي الحزم بن جهور وصديقاً لولده ولي العهد أبي الوليد0
    الاتّهام
    وهل مكانك هذا من وزارة وصداقة يبيح لك أن تخون مولاك وتتآمر عليه لتطيح بحكمه وتعيد حكم بني أميّة إكراماً لعيني محبوبتك ولاّدة بنت المستكفي ؟ أهذا جزاء الإحسان؟
    الدفاع
    هذا بهتان وتلفيق يا حضرة القاضي حاكه أعداء الشاعر ومَن يحسدونه في المكانة وفي حبّ ولادة أيضاً 0
    القاضي
    وما قصّة ذلك الحب الذي تتحدثان عنه ؟
    الاتّهام
    حبّ مصلحة يا حضرة القاضي ، أراد الشاعر أن يكمل به ما ينقصه من وجاهة اجتماعيّة ومكانة مرموقة بين السادة عن طريق هذه الآنسة الحسيبة والجميلة صاحبة المنتدى الأدبي الراقي ولاّدة بنت المستكفي الخليفة الأموي المخلوع والتي يصفها بقوله:
    ربيبُ ملْكٍ كأنَّ اللهَ أنشأهُ
    مسكاً وقدَّرَ إنشاءَ الورى طينا
    إذا تأوّد آدته رفاهيـــةٌ
    توم العقود وأدمته البُرى لينـا
    كأنَّما أَثبتت في صحن وجنته
    زُهرُ الكواكب تعويذاً وتحسينا
    ولكنّه لا ينسى أنّها تفوقه شرفاً وجاهاً فيقول:
    ما ضرَّ إن لم نكن أكفاءهُ
    شرفاً وفي المودة كافٍ من تكافينا
    إذن فالشاعر يسعى من وراء هذه العلاقة لاستكمال شرفٍ ينقصه ومنزلةٍ يسعى إليها لا من أجل الحبِّ والعواطف اللاهبة0
    الدفاع
    إنني لأعجب يا حضرة القاضي كيف تُزور الحقائق فإذا بالعواطف السامية التي هي هبة السماء تنقلب إلى زيف ومصالح !!
    أيّها السادة : لقد أحبّ الشاعر ولاّدة حباً ملك عليه حياته ، فهي الأميرة الوضيئة الشابة والتي تمتلك قدراً من الحريّة الاجتماعيّة يجعلها محطَّ أنظار العديد من الشخصيات 0
    كما أحبّت ولاّدة ابن زيدون وهو الشاب الوسيم النبيل والسياسي الطموح وأصغر وزير في دولة بني جهور ، فكيف لا يهفو إليه قلبها وقد اجتمعت فيه كلُّ هذه الصفات ، لقد نشأ بينهما حبٌّ جعلهما من أشهر العشّاق في تاريخ الأندلس0
    إنّ من يدرس حياة هذين العاشقين يجد عاطفة صادقة ربطت بينهما خلال ثلاثين عاماً ظلَّ العاشقان ينهلان من معين لا ينضب وفي ذلك يقول الشاعر:
    ما ضرَّ لو أنَّك لي راحمُ
    وعلَّتي أنت بها عالمُ
    يهنيك يا سؤلي ويا بغيتي
    أنَّك مما أشتكي سالمُ
    تضحكُ في الحبِّ وأبكي أنا
    اللهُ فيما بيننا عالـمُ
    أقولُ لمّا طار عنّي الكرى
    قولَ معنّىً قلبُهُ هائـم
    يا نائماً أيقظني حبّــهُ
    هب لي رقاداً أيُّها النائمُ
    الاتّهام
    أيُّ حبٍّ هذا الذي يتحدث عنه محامي الدفاع؟!
    لقد كانت ولاّدة فتاةً لها أهدافٌ سياسيّة بعيدة ، لم تكن تنشد الحب ، بل كانت تنشد تدبير المؤامرات من أجل بعث الخلافة الأمويّة من جديد وقد وجدت في ابن زيدون الوزير بلا وزارة عوناً لها على تحقيق مآربها السياسيّة في استعادة عرش الأمويين الذي هوى وكما أنّ ابن زيدون كذلك كانت له مآربه السياسيّة البعيدة فهو الذي كان يرجو الكثير من بني جَهوَر لكنّهم سمّوه وزيراً دون أن يسندوا إليه أيَّ عمل 0
    يقول في قصيدة يمدح فيها أبا الحزم بن جهور ويلمّح لأطماعه وغاياته يقول:
    مقامي في جواركمُ الذليلُ
    وحدّي في رجائكمُ الكليلُ
    نصيبٌ من ولايتكم كثيرٌ
    وحظٌ من عنايتكم قليـلُ
    أتحيا أنفسُ الآمال فيكم
    ولي أثناءها أملٌ قتيــلُ؟
    وأعجبُ حادثٍ نظري إليكم
    إلى غلل النجاح وبي غليلُ
    إذن فالطمع وحده هو همُّ الشاعر ، والمصلحة هي مأربه الذي به يشفي الغليل وليس الحبَّ العذريَّ الذي يتحدث عنه محامي الدفاع 0

    الدفاع
    هكذا يحلو لممثل الاتهام دائماً أن يبحث عن تهمة ، أيَّة تهمة ليقذفها في وجه موكلي دونما دليل إلاّ الوهم الذي يحوكه والباطل الذي ينسجه0
    من منّا أيّها السادة لا يحفظ الكثير من أروع أشعار الغزل العذري للشاعر ابن زيدون في حبّ ولاّدة ؟ أما هو القائل:؟
    أيوحشني الزمانُ وأنتِ أُنسي ويُظلمُ لي النهارُ وأنتِ شمسي
    وأغرسُ في محبّتكِ الأمانـي
    فأجني الموتَ من ثمرات غرسي
    ولو أنَّ الزمان أطاع حكمي فديتُكِ من مكارهه بنفسي
    وهو الذي يحاول جاهداً أن يكتم الحبَّ على طريقة العذريين مخافة أن يؤذي باشتهاره محبوبته فيقول:
    أنتِ الحياةُ فإن يُقدَر فراقكِ لي فليُحفَرِ القبرُ أو فليُحضَرِ الكفنُ
    واللهِ ما ساءني أنّي خَفِيتُ ضنىً بل ساءني أنَّ سرّي بالضنى علنُ
    لو كان أمري في كتم الهوى بيدي
    ما كان يعلمُ مـا في قلبيَ البدنُ
    وهوالذي عاهد ولاّدة على صيانة الحب فقال:

    سأقنعُ منكِ بلحظ البصرْ
    وأرضى بتسليمكِ المختصرْ
    وأحذرُ من لحظات الرقيبِ
    وقد يُستدامُ الهوى بالحـذرْ
    فهل يستطيع أن ينكر هذا الحبّ إلاّ مكابر؟!



    القاضي
    حقاً إنّه لشعرٌ عذبٌ يدلُّ على روحٍ عاشقةٍ وعاطفةٍ نبيلة 0 يا أبا الوليد أنا أعلم أنَّ العشّاق يحبّون أن يتحدثوا عن حبّهم ومحبوباتهم ، فهل لك أن تحدثنا بشيء من ذلك ؟
    الشاعر
    آه يا حضرة القاضي والله لقد حرّكت كوامن الوجد بكلماتك وبعثت بعد طول انتظار ذكرى كادت أن تدخل في غياهب النسيان0
    القاضي
    أيُّ نسيانٍ ونحن لا نزال نردد:
    ودَّعَ الصبرَ محبٌّ ودَّعك
    ذائعٌ من سرّه ما استودعك
    يقرعُ السنَّ على أن لم يكن
    زاد في تلك الخطا إذ شيَّعك

    يا أخا البدر ثناءً وسنــا
    حفظ الله زماناً أطلعــك
    إن يطُل بعدك ليلي فلكم
    بتُّ أشكو قصر الليل معك
    الشاعر
    يا لتلك الأيام كم كانت بهيجة وذلك الحبّ كم كان طاغياً ، إنّني ما زلت أذكر طعم لقائنا الأول يوم كتبَتْ إليَّ قائلة:
    ترقَّب إذا جنَّ الظــلام زيارتي فإنّـي رأيت الليل أكتــم للسرِّ
    وبي منك ما لو كان بالبدر ما بدا
    وبالشمس لم تسطع وبالنجم لم يسرِ
    وذهبت في الموعد المحدد إلى المكان المتّفق عليه فلمّا طوى النهار كافوره ، ونشر الليل ديجوره ، أقبلت بقدٍّ كالقضيب ، وردفٍ كالكثيب ، وقد أطبقت نرجس المقل ، على ورد الخجل ، فملنا إلى روض مدبّج وظلٍّ سجسج وقد قامت رايات أشجاره ، وفاضت سلاسل أنهاره ، ودرُّ الطلِّ منثور ، وجيب الراح مزرور ، فلمّا شببنا نارها ، وأدركت فينا ثارها ، باح كلٌّ منّا بحبّه ، وشكا ما بقلبه ، وبتنا بليلة نجني أقحوان الثغور ، ونقطف رمّان الصدور 000
    يا لها ليلة تجلّى دجــاها
    من سنا وجنتيه عن ضوء فجر
    قصَّر العمرُ وصلها وبودي
    أن يطول القصير منها بعمري
    القاضي
    الله ! ما أحلى هذا النور الذي يشع من وجه الحبيب فيزيح الظلام 0 هلاّ زدتنا من هذه الأشعار يا أبا الوليد ؟
    الشاعر
    حبّاً وكرامــــة:
    ما للمدام تديرها عينــاكِ
    فيميلُ من سكر الصبا عطفـاكِ
    هلاّ مزجت لعاشقيكِ سلافها
    بِبَرودِ ظَلمكِ أو بعذب رضـاكِ
    ولطالما اعتلَّ النسيم فخلتـه
    شكوايَ رقَّت فاقتضت شكواكِ
    أمّا منى نفسي فأنتِ جميعهـا
    يا ليتني أصبحت بعض منــاكِ
    الدفاع
    هكذا حياة العاشقين ، عواطف لاهبة ونفوسٌ ترقّ تكاد أن تذوب عشقاً وهياما ، ولكنّ الكائدين وحسد الحاسدين استطاع أن يؤرق بالهم ويعكّر صفو حياتهم وينغّص عليهم لحظات السعادة فإذا بالودّ يغدو جفاءً وإذا بالقرب يتحوّل بعداً ، يقول الشاعر:

    بيني وبينك ما لو شئت لم يضعِ
    سرٌّ إذا ذاعت الأسرار لم يذعِ
    يا بائعاً حظّه منّي ولو بذلـت
    لي الحياةُ بحظّي منه لم أبــع
    تِه أَحتَمِل واستطل أَصبِر وعِزَّ أَهُن
    ووَلِّ أُقبل وقل أَسمع ومُر أُطعِ
    القاضي
    ولكن ألم تستطع يا بن زيدون أن تصلح ما فسد وتجبر ما انكسر وتعيد أيّام الوداد؟
    الشاعر
    كنت أتمنّى أيّها القاضي الفاضل أن تسألني أولاً عن سبب هذا الخصام ،ولو سألتني لقلت لك وأنا صادق إنّني لا أعرف سبباً لكلّ هذا الصدِّ والازورار لقد انقلبت من قطّة أليفة إلى ذئبة شرسة ولم تترك للصلح مكاناً وإمعاناً منها في الكيد لي وإيلامي أقامت علاقة مع عدوّي اللدود في بلاط بني جهور الوزير ابن عبدوس وصارت تتحرّش به لتجذبه إليها وأعتقد أنّ الوشاة والحسّاد قد لفّقوا لها كلاماً على لساني كان سبباً في غضبها وثورتها وقد حاولت مراراً وتكراراً إعادة المياه إلى مجاريها فلم أنجح وحتّى بعد رحيلي إلى اشبيليّة بقيت محافظاً على الودّ وكنت أرسل لها القصيدة تلو القصيدة تعبيراً عن وفائي لها ولكن دون جدوى ، وقد جئت مرّة متخفياً إلى حدائق الزهراء وتذكرت الأيّام الحلوة الجميلة التي قضيناها معاً وكتبت هذه الأبيات وأرسلتها لها :
    إنّي ذكرتـك بالزهراء مشتاقا
    والأفق طلقٌ ووجه الأرض قد راقا
    وللنسيم اعتلالٌ في أصائلـه
    كأنّه رقَّ لي فاعتلَّ اشفاقـــا
    والروض عن مائه الفضيِّ مبتسمٌ
    كما شققت عن الّلبات أطواقـا
    يوم كأيام لذّاتٍ لنا انصرمت
    بتنا لها حين نام الدهر سرّاقــا
    كأنَّ أعينه إذ عاينت أرقــي
    بكت لما بي فسال الدمع رقراقـا
    لا سكّن الله قلباً عنَّ ذكركم
    فلم يطر بجناح الشوق خفّاقـا
    لو شاء حملي نسيم الصبح حين سرى
    وافاكم بفتىً أضناه ما لاقى
    الاتّهام
    لماذا دائماً ياحضرة القاضي نلقي باللاّئمة على الحاسدين والوشاة وننسى أن الأفعال تقود إلى النتائج ، ألم يسخر الشاعر مرّة من شعر ولاّدة ؟ ألم يظهر إعجابه بجاريتها عتبة مستخفّاً بمشاعرها عندما أظهر إعجابه بلحن شدت به عتبة فطلب منها إعادته ، فلم يكن من ولاّدة وقد أغضبها تصرّفه إلاّ أن زجرت جاريتها وخرجت غاضبة وفي ذلك يقول الشاعر :
    وما ضربت عتبى لذنبٍ أتت به
    ولكنّما ولاّدةٌ تشتهي ضربي
    فقامت تجرّ الذيـل عاثرةً به
    إن الغيرة أقسى ما يشعل المرأة ويجعلها عدائية التصرفات فكيف إذا بلغت الغيرة حدّاً مرضيّاً ، ألم تخاطبه يوماً مصرّحة بتلك الغيرة فتقول:
    أغار عليك من عيني ومنّي
    ومنك ومن زمانك والمكان
    ولو أنّي خبأتك في عيوني
    إلى يوم القيامة ما كفانـي
    لقد كان حريّاً به وهو يعرف عنها هذه الغيرةَ القاتلة أن لا يشعلها بمغازلته لجاريتها حتى جعلها تقول مخاطبة إيّاه:
    لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا
    لم تهو جاريتي ولم تتخيّـــر
    وتركت غصناً مثمراً بجمالــه
    وجنحت للغصن الذي لم يثمر
    ولقد علمتَ بأنّني بدر الدجـى
    لكن دهيتُ لشقوتي بالمشتري
    إذن ما ذنب الوشاة والحاسدين ؟ أليس ما أصاب الشاعر من هجر يجعلنا نقول له
    (( يداك أوكتا وفوك نفخ))
    avatar
    محمد واكد رزوق
    Admin

    المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 19/05/2009
    العمر : 61

    رد: ابن زيدون

    مُساهمة  محمد واكد رزوق في الأربعاء أغسطس 26, 2009 2:59 pm

    لمشاهدة الفيديو الخاص بالشاعر يرجى الدخول الضغط على الراوبط التالية :



    http://www.4shared.com/file/126735148/e4651b4f/_2_online.html

    http://www.4shared.com/file/126756892/233aeddd/__1.html

    http://www.4shared.com/file/126768405/c2f937b0/__3.html

    http://www.4shared.com/file/126779027/9c14d217/__4.html

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء سبتمبر 19, 2017 11:31 pm